محبة مبطنة بالجفاف

أروى الزهراني*
 
تقول أحلام مستغانمي :
"الحب هو ذكاء المسافة. 
ألّا تقترب كثيراً فتُلغي اللهفة، 
ولا تبتعد طويلًا فتُنسى. 
ألّا تضع حطبك دفعةً واحدةً في موقد من تُحب. 
أن تُبقيه مشتعلًا بتحريكك الحطب ليس أكثر،
 دون أن يلمح الآخر يدك المحرّكة لمشاعره ومسار قدره."
 
حين نأخذ مقولة " كل ممنوع مرغوب " من زاوية أخرى ' 
فإنني آخذها هنا من مبدأ اللذة " لذة الممنوع البعيد في مشقة الوصول له وليس حُرمته أو ماهيته " 
اللذة التي تفرضها المسافة وتُبقي عليها اللهفة مطوّلًا ، 
وفي الحب تحديدًا .
 
لا يختلف اثنان على الترف الذي وصلنا له في تواصلنا مع الأحبة والأصدقاء '
وعلى السهولة التي مهدت الطرق بيننا وبينهم ،
حيث حلت محل المشقة والعجز '
لا أحد يُنكر نعمة التواصل الذكي الذي نعيشه '
كما أننا يصعب أن نتعامى عن السوءات التي جرّحت علاقاتنا بسببه.
أحيانًا؛ تُعد النعم" نقم" وبصورة خفية '
وتغدو بعض الأمور السهلة منفذاً للكثير من المشكلات التي يصعب تفاديها.
أتحدث هنا عن علاقات الحب ، بغض النظر عن تصنيفها وماهيتها '
أتحدث عن السهولة والترف والأريحية في الاتصال بين شخصين 
رغم المسافة واختلاف المكان '
أتحدث عن الاعتياد والرتابة والملل الذي يُحيط علاقاتنا بعد مُدة قصيرة جدًا من تكوينها ' بالشكل الذي لم نعهده من قبل رغم المشقة والحرمان والمسافة والعجز '
بسبب الإسراف في التفاعلات
 التي يقبضها الطرف الآخر حدّ التخمة .
إن اليُسر الذي أصبح عليه التواصل في ما بيننا 
وتلاشي عجز المسافة الذي هو ميزة هذه الهواتف الذكية، 
والتعامل بتفاعلات مُستحدثة، أرخى القليل من انضباطنا ؛
جعل من العلاقات مفككة رغم قُربها وترف الحالة ' 
جعل من المُحبين صورة مشوهة بالجفاف من الداخل '
وانقلبت موازين العلاقات التي يفترض أن تكون جميلة ومطرزة باللهفة بشكل دائم ، إلى أخرى مقززة ومملة وسيئة كأن على رؤوس بعضهم قنبلة موقوتة ينتظر كلٌ منهما متى تنفجر ليبتعد عن الآخر .
كانت المسافة في ما سبق بين شخصين ؛ 
شروعًا في تخليق لهفة مستديمة '
وكانت الصعوبة في معرفة الآخر وشاكلته وصفاته '
طريقًا طويلًا ، لا خلاص منه من الأحلام والخيالات والأفكار والاشتياق الذي لا تخف وطأته،
هذه السهولة التي يتبادل فيها الحب شخصان في برنامج ذكي ؛
ورّثت الملل في علاقات كثيرة بعد أيام قليلة وأشهر '
وتلك الاعتبارات التي أسقطها البعض بسبب يُسر الطريقة وإتاحتها للكثير ' 
جعلت علاقاتهم تنتهي باليُسر  نفسه وبلا أي اعتبارات رغم أنها مُشبعة بالكثير ومُتخمة .
 
ما أردت قوله : أننا على سبيل الحرص والسمو ' رغم أن هذه الهواتف لنا تشكل ضرورة،
 يجب أن نُحب ونمارس الحب وعلاقاتنا بالطرق القديمة الأصيلة بكل مبادئها وطقوسها وجمالها ' 
لئلا نخسرها ' لئلا نخسرُنا ' ولنُبقي على أحبتنا أطول فترة ممكنة 
تحكمنا اللهفة والمودة والحب المتأجج والشوق الدائم ،
ننتهي إن انتهينا بسلام وحب وبتفصيلات غنية المضمون،
دون أن نتعرض للأشياء المُشينة التي يتعرض لها الكثير ،
من النهايات الفاشلة ' والتهديدات المقززة ،
فنحن أكبر من أن ننتهي مع أحدهم إثر نقرة حذف '
وأعظم من أن لا يضع أحدهم لأجلنا الاعتبارات قبل أن نبدأ معه
وبعد أن ننتهي..
 
المسافة تظل نعمـة يجهلها أولئك المُتقاربون حد الملل 
واللهفـة تظل اللذة المفقودة التي يجهل طعمها الكثير من الناس، 
والاعتياد والرتابة والشعور بالتخمة بات سمة هذا العصر مُنذ أن أحالت الهواتف الذكية عند البعض؛ شوق المسافة '
وأبدلته بصورة حية تتكرر مرارًا في كل مكان حد التخمة 
وحضور رتيب لا توقفه سوى مزاجية شخص .
 
قد يُخالفني الكثير ' لكننـي أعرف جيدًا كيف هو السأم
حين يدب في علاقات الغالبية وأنه ما من لهفة حقيقية مثلما نعرفها  '
أعرف كيف أن البعض والأغلب يعيش علاقة حب مبطنة بجفاف وملل
وكأن الآخر لا وجود له سوى عدد إضافي في مساحة مُغلقة  '
وبالتأكيد أعرف تمامًا أن الكُثر ممن تساورهم الوحدة هنا '
لمَسوا حجم الفرق بين الزمن الجميل بمشقته وَمسافاته ومصداقيته وعذاباته الحلوة ،
وبين هذا الوقت، في علاقة حب لم تعد علاقة حب مثلما يجب ..
ولم يقبل كل هؤلاء أن يكونوا مجرد رقم أو حالة سهلة 
وتجربة عادية ' وأن يُنسى عبيرُهم سريعًا مثلما عُرف سريعًا،
 لهذا مازالت ترافقهم الوحدة  وما انفك الحنين يصحبهم لوقت 
ودّوا لو أنهم عاشوا مطولًا فيه، وهذا سبب وجيه
وَأنا من زُمرة أهله.
 
* أديبة من السعودية.