محاربتي الصغيرة

هبة العمري*

ارتدت فستانها الأبيض الطويل المزخرف ببعض الورود المبعثرة عليه وكأنها لوحة فنية هادئة ورقيقة كالتي ترتديه، ما أجملها من فتاة تتمايل وترقص في بستان أخضر، جدائل شعرها الذهبية سحرت أنظاري .

" إلى أين أنت ذاهبة يا جميلتي؟"
" قولي لي ما اسمك فقط"
" دعيني أرقص معك"
 ما بال هذه الجميلة لا تجيب، وكأنها ترقص وتركض للمرة الأولى في حياتها مع تلك الفراشات الملونة؛ تخيلت كما و كأنني أشاهد فلما كرتونيا، كل ما أراه يذكرني بالحديقة السرية التي كنا نشاهدها في طفولتنا. 

 

أشرقت شمس الصباح، بدأ الديك بالصياح وبدأت العصافير تغرد، نافذة الغرفة ما زالت مفتوحة منذ الليلة الماضية، الستارة تتمايل مع نسمات الصباح العليلة، يا له من صباح يبعث في أنفسنا القوة لنبدأ يومنا بنشاط وننطلق بلا توقف..
 لماذا أيقظتني أيها الديك من هذا الحلم الجميل، كان حلما رائعا وتلك الفتاة بعثت في نفسي ابتسامة غريبة لا أعلم سببها.

 

كان يوماً عادياً -كما اعتقدنا- كلٌّ منا ذهب لأشغاله، أبي إلى العمل، إخوتي الذكور في المنزل يستمتعون بقضاء العطلة الصيفية، وأنا في المركز القرآنيّ. كل شيء كان على ما يرام إلى أن عرفت بأن أمي على وشك أن تلد. أختي "هديل" -كما أرادت شقيقتي الصغرى تسميتها- قد وصلت!، سوف تزداد عائلتنا شمعة صغيرة.
لكن الموعد لم يحن لوصولها، مازالت أمي في شهرها السادس -قلت في نفسي- ، لم أكترث حينها للولادة المبكرة ولا لتفاصيلها لأن فرحتي كانت عارمة بوصول حبيبتي.
ذهبنا للمشفى، وضع أمي كان مستقراً ولله الحمد رغم الولادة المبكرة، سألت أبي: 
-أين هديل؟
-في الخداج بابا؟ -أجاب أبي- 
هنا بدأت أقلق، حيث أنهم قالوا لنا أنها غير مكتملة النمو وتحتاج لعناية فائقة إلى أن تصبح أمورها الصحية مستقرة وتصبح قادرة للخروج إلى هذا العالم.
مرت الأيام والأسابيع، أذكر أنها قضت شهرين في الخداج، كنت أترقب أخبارها كل يوم، أتلهف لسماع أنها تكسب الوزن ويكتمل نموها بشكل سليم كالمتلهف لرشفة الماء بعد صيام امتد لأيام. 
ذات يوم عدت من مدرستي تغمرني سعادة وراحة لا أعلم مصدرهما، دخلت المنزل وإذ بأمي تبشرني بهذا الخبر السعيد: "هديل ستخرج اليوم من المنزل وستأتي لتعيش معنا".
يا إلهي كم فرحت، هذه الفرحة أجمل من فرحتي عندما عرفت نتيجة التوجيهي، كيف لا تكون أجمل لحظة في حياتي وهي حبيبتي التي انتظرتها لليالٍ عديدة. 
وهل الحب فقط لعنتر وعبلة، أم لقيس وليلى!، حبي لها أسمى وأجمل من ذلك الحب بكثير. فأنا ومنذ أن كانت في رحم أمي وأنا أشعر بأني أنا أمها، قلقة ومتلهفة للقائها مثل أمي تماما؛ ليس فقط لأنني أحب الأطفال، لا بل لأنني رُزُقت حبها لتصبح طفلة غير عادية؛ طفلة لديها والدتان....
وها قد جاء اليوم المنتظر..
كتوتر العروس يوم زفافها! 
مشاعر مختلطة وأفكار مشتتة، لكن الشعور الذي سيطر على قلوب الجميع هو الفرحة العارمة.
 دخلت بيتها، عروستنا الصغيرة، ما أجملها، حجمها يكاد لا يزيد عن حجم لعبتي الصغيرة!.
مضت الأيام والشهور، وكأي طفلة جديدة لأي عائلة؛ الجميع يلاعبها، الكل ينتظر مناغاتها، نتجمهر جميعنا حولها عندما تصدر أصواتاً وضحكاتٍ جديدة. 
ياااه...
ما أروع هؤلاء الكائنات الملائكية الصغيرة، كيف لهذه المخلوقات الصغيرة التي لا حول لها ولا قوة أن تزيح الهم عن القلب بمجرد حركاتٍ بسيطة؟!.
 أعشق هذه المخلوقات، حلم حياتي أن أجلس في حضانة أطفال ألاعبهم وأهتم بهم وأنسى نفسي معهم، أظن أن هذا هو السبب الأكبر الذي جعلني آخذ مسؤولية هديل على عاتقي؛ لأنهم مخلوقات لا تقاوم، تماماً كقطعة الشوكولاتة الذائبة!. 
مع كل يوم يأتي ومع كل شهر يمضي كانت هديل تزداد جمالاً وكانت تزداد مداعباتها لنا، لكن..
ماذا عن حركتها؟ ها هو شهرها التاسع قد قارب على الانتهاء وما زالت أميرتنا لا تستطيع سوى رفع رأسها لبضع ثوانٍ، وما زالت مستلقية على سريرها منذ أن أنارت بيتنا بحضورها.
شكوكٌ وأفكار ومخاوف كانت في ذهني وأنا على يقينٍ أنه كانت لدى والديّ  المخاوف نفسها ولربما أكثر، 
"لا لا، إنها فتاة طبيعية لا ينقصها شيء، وصحتها بخير وهي كغيرها من الأطفال ولكل طفل  قدراته الخاصة"
" في صغار بيتأخرو بالقعدة متل ما في صغار بيتأخرو بالمشي"
أفكار كغيرها كانت تأتي على أذهاننا لتُثلِج صدورنا من الحقيقة المرّة التي كنا لا نريد تصديقها.
" مصابة بشلل دماغي!" –قال الطبيب-
وقعت هذة الجملة كالصاعقة على قلوبنا وكل جوارحنا.
"شلل دماغي!" بت أردد هاتين الكلمتين مراراً وتكراراً كي أستوعب ما قد تحمله من معاناة وألم. 
نعم، شلل دماغي ناتج عن نقص الأكسجين عند الولادة؛ هذا ما قد أجمع عليه جميع الأطباء. 
الآن لا مفر من الحقيقة.
لكن الأصعب هو معرفة ما تحمله تلك الحروف من معانٍ؛ المشي، الوقوف، الجلوس، تحريك الأطراف بسهولة، ولا أي من هذه الأمور تستطيع القيام به بشكل طبيعي. 
حُرِمت فراشتنا من الطيران!
لك الحمد يا ربي على حُكمِك وقضائك..
قالوا أنها مع الالتزام والمداومة على العلاج الطبيعي ستتمكن من القيام بكل شيء!
ومرت الأيام والسنين وما زالت عروستي الصغيرة تتحمل الآلام وتمارس تمارينها مع كل معالجٍ يأتي لها، وبدل أن تنزل للعب في ساحة المنزل مع أطفال العائلة يوم الخميس، كانت تتحضر لجلسة العلاج. 
كنت أحلم أن أستيقظ في يوم ما وأراها تحمل ألعابها وتركض بهم وتهرب إلى عالم الأحلام حيث لا يوجد ألم ولا حزن يحتل جسدها. أحلم أن أراها تفرد جناحيها وتطير عالياً في السماء، تُحلّق وتُحلّق، لكن قُدّرَ لجناحيها أن يكونا مُكَلبشين.
سأقول لكم لماذا. إذ إن إحدى المشاكل التي يسببها الشلل الدماغي للطفل المصاب هو شدٌّ للأطراف سواء أكانت اليدين أو القدمين أو كلتيهما معاً، مع اختلاف بين كل طفل وآخر حسب نوع الشلل عند كل طفل.
 لهذا كانت يداها دائمتي الانقباض، مغلقتين في أغلب الأوقات، كم تمنيت أن أراها تمسك الألوان وترسم وتلوِّن وتفرِّغ كل ما بداخلها من قدرات وأماني مكبوتة.
لا، هو ليس مرض؛ هو تحدٍ، هي ميزة ميزها الله بهم لأنهم أبطال، لأنهم محاربون رغم براءتهم وصغر سنهم، ولو أنهم غير قادرين على مواجهة هذه الحرب الطويلة لما فضّلهم ربي من بين الملايين، نزع منهم شيئا ليعوضهم عنه بميزات أخرى تجعلهم أطفالا خارقين. 
العَتبُ علينا نحن، نعم نحن!، دائماً ننظر لمن هم من ذوي الاحتياجات الخاصة نظرة شفقة، نظرات تقول لهم بأنهم ليسوا بشراً مثلنا ولا يستطيعون العيش بصورة طبيعية كالجميع. لم لا نستبدل نظرة الشفقة بنظرة تعاطف؛  تبعث   التعاطف في أنفسهم الشعور بالأمان والاطمئنان. فيشعرون بأن هناك من يشعر معهم ويدعمهم.
 أذكر أنه في إحدى المراحل الدراسية من عمرها كنا نبحث لها عن مدرسة لكي تكمل تعليمها بعد أن أنهت الصف الثالث في إحدى الجمعيات المخصصة لمن هم بمثل حالتها.
لكم عانينا ولكم بحثنا؛ مدرسة ترفض لأنها لا تستطيع تحمل مسؤولية طفلة "عاجزة" -كما قالوا- وأخرى ترفض لأنها تريد تسجيل أطفال أصحّاء هم " أولى" منها، وغيرهم الكثير الكثير!.
الأمل لا ينقطع، والدنيا لا تخلو من الفرص، ومثلما هناك من يرفض فمن المؤكد أن هناك من سيرحب وبشدة بهذه المحاربة؛ لأنها وأنا متأكدة من ذلك بأنها ستكون في يوم ما شخصاً مهماً ، أرى هذا العزم والإصرار في عينيها وأقرأ كل أحلامها دون أن تبوح بشيء!.

" لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس" 

 

قلت لكم إنه لا بد من الفرج، وها قد دخلت أميرتي المدرسة وأوشكت على الانتقال إلى المرحلة الإعدادية. أريهم مواهبك يا بطلة، فجري كل ما عندك، أثبتي جدارتك، أثبتي أنك قادرة على كل شيء، أثبتي للعالم كله بأنك في يوم ما ستكونين مثالً يحتذى به.
لله الفضل والمنة!...
تحسنت هديل كثيرا واكتسبت مهارات حركية عديدة، تمكنت من أمورٍ لكم ظننا أنها لن تقدر على فعلها، تمكنت من الجلوس لوحدها، والحبي لوحدها، أصبحت تتمكن من الإمساك بأصابعها بشكل أفضل، وغيرها الكثير من الأمور التي تبدو لنا بالشيء البسيط. 
النفس الذي نأخذه كل ثانية، رمشة العين التي لا تتعدى سرعتها جزءا من الثانية، أن تخلد إلى النوم وأنت بعافية تامة وكل من حولك بخير، أن تفعل كل ما تتمناه دون عائق، أن يكبر طفلك ويستمتع بكل سنة من عمره، وغيرها الكثير الكثير من النعم التي لا يشعر بها إلا من فقدها.
كانت صدفة!
لا لم تكن صدفة، هي تساهيل ربي التي قادتني لأتعرف على العملية الجراحية التي تُجرى لمن هم بمثل حالة بطلتي.
لكم بحثنا ولكم سعينا لأن نوفر لها كل السبل التي تُقال لنا؛ لعلها تكون سبباً في أن تدوس قدماها الأرض.
كان أبي كالغريق الذي يتشبث بأي بصيص أمل يأتي له، لم يترك شيئا يعلمه دون أن يسعى وراءه لكي يرى ملاكه يركض أمامه.
سنرى حلمنا واقعاً بإذنه تعالى، كنت أتصفح "الفيسبوك" كعادتي حيث شدني فيديو يتكلم عن ملاك آخر صغير، محاربة تماما كبطلتي، وكيف أنها ستخضع لتدخل جراحي سيمكنها من الجري بعيدا في حديقة أحلامها.
يسمونها “SDR”، لم تصدق عيناي ما ترى ولا أذناي ما اسمع، رأيت هذه الأحرف وكأنها الساحرة الطيبة التي أتت لسندريلا عندما انقطع أملها بحضورها الحفلة. ستمشين يا أميرتي وستركضين وتلعبين وترقصين وستطيرين وستفعلين كل ما حلمت به.
ما زالت كلماتك عالقة في ذهني تؤلمني كلما تذكرتها؛ " يا ريت بقدر أركض مع صاحباتي بالمدرسة"، "يا ريت بقدر أمشي جنبك وأمسك إيدك"، " يا ريت بقدر أروح عالدكانة معهم"....
آآه يا صغيرتي!، أتمنى لو بوسعي أن أنزع من جسدي كل ما تحتاجينه وأقدمه لكِ! 
                                            
بين هذه الأحرف “SDR” يكمن الأمل، يُشيَّع جثمان ألم سنين وسنين ويكتب ميلاد حُلمٍ لطالما حلمنا بتحقيقه، يا ترى هل كل ما يجري هو مجرد حلم أستمتع به لبضع دقائق وبعدها سأستيقظ على نفس الواقع المرير؟ 
لم تُغرّد كبقية العصافير!
لم تطِر!
لم تحلم
لم تعش طفولتها التي اغتصبت منها!
لا تخزني يا صغيرتي
لا تحزني يا محاربتي!
"الله كبير" إن الذي قدّر البلاء أن يحدث كان قد أنزل معه الفرج!
الصبر، هذا كل ما نحتاجه. .
أقسم أنها معجزة!
وكيف لا تكون كذلك ورغم كل هذا الألم ما زالت قوية، ما زالت تضحك وتلعب وتتعايش لتستمع بطفولتها رغم محدودية قدراتها الحركية. معجزة لأنها واثقة، شجاعة، صابرة. أذكر بأنني في عمرها كنت شديدة الخجل والخوف كحال بقية من هم في  العمر نفسه، أخجل من أدق التفاصيل، أشعر وكأن من حولي هم ذئاب مفترسة ستلتهمني بكلامها الساخر عني.

 

هل تتوقعون من طفل عاجز عن الحركة الكاملة، يمشي باستخدام "الووكر" وحركة يديه غير مكتملة، حوضه مائل، قدماه لا تدوسان الأرض بشكل كامل، رغم كل هذا يمشي كالأسد في غابته!
نعم هي حبيبتي هديل.
أذكر جيدا كما وكأن الموقف ما زال يحدث أمامي، حيث كنا نتجول في إحدى المولات وبطلتي تمشي بمساعدة "الووكر" وتركض لكي تشتري ملابس العيد، كفرحة أي طفل، لكن الذئاب من حولها يتهامسون ويرسلون إليها سكاكين نظراتهم الحادة الاي قتلتني أنا لقسوتها. 
ما لهؤلاء الجبناء لا يراعون مشاعر طفل ليس له حيلة بما يعاني منه، أكملت بطلتي سيرها بابتسامة تعيد لي روحي كلما نظرت إليها.
تعجبت في نفسي وحمدت ربي بأنه انتزع منها شيئا لكنه عوضها بأمر آخر أحسن منه، كم من إنسان يتمتع بصحة جيدة على هذه الأرض لكنه يفقد العزيمة والقوة.
طارت وحلمها في السماء، حلّقت حاملة على ظهرها حقيبة آمالها، لتجري عمليتها المقررة، ركبت طيارة الأمل، الطيارة التي ستقودنا إلى بداية الفرج، بوركت يدا القبطان اللتان ستقوداك نحو البستان الذي ستركضين به وتركضين دون كلل أو ملل، وبجانبك تلك النافذة الصغيرة التي أدخلت شمساً أدفأت قلوبنا. 
فُتح الباب وأدخلت طفلتي غرفة العمليات، ها قد أوشك حلمنا أن يصبح حقيقة يا صغيرتي؟ دخلت ودخل الطبيب قبلها، لكن يا ترى هل من الهين عليك أن تضع حياتك وآمالك ومستقبلك بين أيدي شخص آخر!
وما زالت رحلتنا في بداياتها...
 
* كاتبة من الأردن.