ما الحقيقة؟

Printer-friendly versionSend to friend
ايزابيل الليندي
ترجمة: عبدالله عبيد
 
يسألني الناس أحياناً عن نسبة الحقيقة في كتبي، ونسبة المتخيل فيها، وكنت أقسم أن كل كلمة في هذه الكتب حقيقية، وإن كانت لم تحدث، فهي قطعاً ستحدث مستقبلاً. لم يعد يمكنني تتبع الخيط الذي يفصل بين الواقع والخيال. في السابق كنت أُدْعى بالكاذبة، أما الآن فأنا أصنع حياتي من هذه الأكاذيب، ولذا أُدْعى كاتبة، ربما يجب علينا أن نلتصق بالحقيقة الشعرية.
في كتاب «المعانقات» لإدواردو غاليانو هناك قصة قصيرة أحبها، وهي بالنسبة لي استعارة رائعة للكتابة: «كان هناك رجل عجوز ووحيد يقضي معظم وقته في السرير. وكانت هناك إشاعات بأن منزله يضم كنزاً خفياً، ودخل بعض اللصوص من مونتفيديو إلى منزله، وبحثوا في كل مكان عن الكنز، وكان ما عثروا عليه صندوقاً خشبياًَ مغطى بالشراشف في زاوية من القبو. القفل الضخم، الذي كان يجعله آمناً، قاوم هجوم محطمي الأقفال من دون أن يُهزم.
وهكذا انطلقوا بالصندوق، وحين فتحوه بعيداً عن المنزل، وجدوا أنه كان ممتلئاً بالرسائل. كانتْ رسائل الحب التي تلقاها العجوز في حياته،
وكان اللصوص على وشك إحراق الرسائل. ناقشوا الأمر، وفي النهاية قرروا إعادتها واحدة بعد أخرى، واحدة كل أسبوع، منذ ذلك الحين كل يوم اثنين ظهراً، كان العجوز يجلس عالياً على الهضبة منتظراً ظهور ساعي البريد. حالماً يرى الحصان يبزغ من بين الأشجار، يبدأ العجوز بالركض. ساعي البريد، الذي يعرف كل شيء عن الموضوع، يمسك الرسالة بيده، وحتى القديس بطرس يستطيع أن يسمع نبض ذلك القلب المجنون جراء تلقيه كلمات امرأة».
إن الخيال الجيد ليس مجرد حبكة مدهشة، إنه في أفضل حالاته دعوة إلى استكشاف ما وراء الظاهر من الأشياء، إنه يتحدى سلامة القارئ، ويُسائل الواقع. نعم.. يمكن أن يكون هذا مزعجاً، ولكن ربما تكون هناك مكافأة في النهاية جراء ذلك. بقليل من الحظ.. يمكن للروائي والقارئ، يداً بيد، أن يتعثرا بأجزاء من الحقيقة. ومع ذلك عادة.. ليس هذا الهدف الرئيس للروائي في المقام الأول. الروائي بكل بساطة يعاني من حاجة لا يمكن السيطرة عليها ليحكي القصة. لا يوجد شيء أكثر من ذلك صدقوني.
 
عن "الحياة" اللندنية.