ماذا لو أن الكتاب يخترعون مذكراتهم؟

جيروم بويد مونسيل*

ترجمة: صالح الرزوق**
قبل تطور الخيال الذاتي بفترة طويلة، وظهور الموجة المعاصرة من الكتّاب الذين يستفيدون من حياتهم الشخصية في كتابة رواياتهم- ومنهم: راشيل كيوسك، جيف داير، شيلا هيتي، كارل أوف كنوسغارد، بين ليرنير وغيرهم- جرّب عدد من الكتاب في النصف الأول من القرن العشرين التلاعب بحدود سيرهم الذاتية.
جوزيف كونراد، فورد مادوكس فورد، هنري جيمس، وينام لويس، غيرترود ستاين،  هـ ج ويلز، أديث وارتون، وفرجينيا وولف: كل هؤلاء كتبوا ذكريات إبداعية كأنها روايات، ولكن بأساليب مختلفة، ( وكانت رواياتهم سيرية إلى أبعد الحدود). وتلك القائمة هي قمة جبل الجليد فقط.
إن مذكرات الروائيين عبارة عن تحت صنف مشوق، إن شئت الحقيقة. 
وكتابة السيرة الذاتية، مثل كل البورتريهات الشخصية، فن، ويمكنه أن يشبه الحياة الحقيقية. والروائيون، الذين تتضمن مهنتهم اليومية ابتكار الاشياء، يعرفون ذلك جيدا.
وهناك عدة عناصر تعمل بعكس واجبات كاتب المذكرات لتثبيت الحقائق- منها الخصوصية والأسلوب وآلية الذاكرة- ولذلك يختلط القليل من الخيال بالحقائق حتما. وكما قال كاتب السير ليون أديل( وهذا ينطبق على السيرة الذاتية): "لا يمكنك محاكاة الحياة، فهي تعيد ترتيب مادتها، وتسرد حكاية قصة متواصلة- وهذا شيء لا تجده في حياتنا".
والخط الفاصل بين الحقيقة والخيال في السير للذاتية للروائيين غالبا ما يكون هشا ورفيعا. في مذكرات جوزيف كونراد ( مرآة البحر) المنشورة عام 1906 هناك عدة مواضع هي خيال صرف. فقد أخبرنا خلال الكتابة عن بواكير حياته في مرسيليا، عن تهريب أسلحة في سفينة تدعى تريمولينو، ولكن نقاده لم يتمكنوا من إثبات ذلك ولم يجدوا للقارب أثرا، وعلى الأغلب هي سفينة خيالية. ويخبرنا أيضا عن موت "قيصر سيزوني" الذي مات بإلقائه من متن السفينة، ولكن قيصر سيزووني الحقيقي عاش قبل هذه الأحداث بفترة طويلة. وفي مدونته عن عام 1912 يدون سجلا شخصيا يقترب من حقائق حياته- وأعلن أن ما كتبه "هو الحقيقة المطلقة"- ولكن ظروف كونراد الحقيقية جعلت  حياته غير مريحة ويمكن أن تقول إن ميزة كتابه هي في الأجزاء المحذوفة التي كانت تتضمن قدراته الفذة في التعبير.
هل  يعيد الكتاب دائماً كتابة سيرهم في ذاكراتهم؟.
وهل هذا السؤال له أجوبة على درجات؟.
كان هنري جيمس عرضة للانتقاد الدائم لأنه يعيد كتابة مواد وثائقية، ومنها رسائل خفيفة استفاد منها في كتابة "الولد الصغير وآخرون"، وفي "ملاحظات عن ابن وأخ". وفي دراسة لرسائل فلوبير، ذكر جيمس نفسه إننا "ذات يوم بالتأكيد سنتفق كلنا على أن كل شيء نسبي، وأن الحقائق كلها غالبا مغلوطة، وأننا ندفع  من أجل نوع من المعرفة الرخيصة أكثر مما تستحق".
مثل هذه الادعاءات المباشرة لا تقنع دائما الناس الذين تتكلم عنهم. فشقيق غرترود ستاين، ليو، بعد قراءة السيرة الذاتية لأليس ب توكلاس، تلبك، وانتابته الخيبة التي تنتاب الكثيرين من جراء عدم الدقة في نقل الذكريات:"يا إلهي كم هي كاذبة!... وهذه أول مرة أقرأ فيها سيرة أعرف أحداثها الحقيقية ولكنها تبدو لي مجرد تلفيقات".
وربما كانت ذكريات فورد مادوكس فورد هي الأكثر غرابة في اختلاق الوقائع- ولكنه لم يدع أنه لا يفبرك الأحداث. وأعلن  في "الأضواء القديمة": "هذا الكتاب حافل بالتحريفات وبالحقائق وبالتساوي. ولكن التزمت الدقة في نقل الانطباعات وهي دقة مطلقة". وفي كتاب فورد (العودة للأمس) وكتابه (كان الشحرور) خليط شيق من الخيال والذكريات، فالكاتب عزف على أوتار الحقائق على نحو سريع ومن بعيد ليصف الناس الذين يعرفهم. ولم يلق ذلك الرضا دائما. وقد قال هـ ج ويلز ، وهو واحد من موضوعات فورد، إن سير فورد الذاتية "تأملات مخترعة". وهذا ليس مديحا— فقد كان ويلز على حذر من الحكايات التي قد يلفقها فورد عنه في أوقات لاحقة.
ما يحذف من السير الذاتية هو غالبا بأهمية تساوي أهمية ما يضاف ويخترع: فقد حذفت أديت وارتون وبمهارة زوجها السابق تيدي من حياتها في كتاب (نظرة إلى الخلف). وكذلك ويلز في كتابه (تجربة في السيرة الذاتية) استعمل مهاراته حينما وصف حكايات غرامه، وأهمل عددا من علاقاته الغرامية ليركز على زوجتين ارتبط بهما. ولاحقا كتب كتابا مثيرا للارتباك وهو : (هـ ج ويلز عاشقا)، مع إشارة إلى أنه يمكن نشره لاحقا بعد وفاته. ولدى نشره عام 1984، كشف الستارة عن علاقاته مع فيوليت هانت، ودوروثي ريشاردسون، وأمبير ريفز، وريبيكا ويست، وأوديت كيون ومورا بودبيرغ- بالإضافة لأسماء أخرى. وصراحته بينت لنا كم كان في السابق متواريا عن الأنظار.
وعوضا عن تشكيل تعارضات ثنائية، كانت الحقائق والتخيلات تتطور غالبا بمعايير متحركة. أحيانا، الطريقة الوحيدة لتعرف هل يجب اعتبار الكتاب مذكرات أو رواية تعتمد على تصنيفات الكاتب نفسه- وهنا نحن نطلب الصدق. ولكن نصل لعكس ذلك، ونفشل في توقعاتنا.
يعتقد وج سيبالد، وهو كاتب ناجح في تسجيل الحقائق، مع القليل من الاختراعات، إن " الحقائق والخيال كلاهما هجين. وهما ليس مجالا للتبادل. كلاهما يحمل مكونات هجينة ولكن بمقاييس مختلفة". وكما رأى سيبالد، هناك موضوعات تتطلب الدقة والموضوعية التامة من أجل تحقيق العدالة في مجال الحقائق. ويجب أن لا ننكر أهمية الحقيقة. ولكن حتى  انتقاء الوقائع فهو تشويه للحقيقة، وأحيانا تكون الميول الذاتية أكثر فاعلية من الموضوعية العلمية المفترضة. وقد كتبت جانيت مالكوم الناقدة في النيويوركير :" في عمل غير روائي، لا يمكننا معرفة ما حصل بالفعل أبدا". وبالنسبة لعدد من كتاب المذكرات الذين يهتمون بالماضي القريب أو البعيد، ما يتذكرونه هو نصف خيال. والسيرة الذاتية نوع من الاستعادة، وهناك أشياء كثيرة يمكن فقدانها.   وفي مفكرتها (صور من الماضي) تفعل فيرجينيا وولف ذلك ببراعة. وتقول في الكلام عن أمها:" كم من الصعب أن أحتفظ بصورتها كما هي ومختلفة عن بقية الناس، أن أتخيل أفكارها، أن أضع عبارة على لسانها!.  أنا أحلم، وأختلق الصور عن أمسيات صيفية". وكما قالت قبل سنوات: هناك "غرانيت" الحقيقة و"قوس قزح" الحالة الشخصية، ومع أن وولف تعتقد أنهما غير متساويين، ومعها حق ، لأنه يمكن أن يقودنا كل منهما لنوع مختلف من الحقائق، والتي تكشف عن نفسها بطريقتها.
( الصورة المنشورة  للروائي جوزف كونراد).

 

* جيروم بويد مونسيل:  Jerome Boyd Maunsell كاتب بريطاني مقيم في لندن، من مؤلفاته "سوزان سونتاغ: حياة ناقمة" و" لوحات من الحياة" و قد نشرته دار جامعة أكسفورد.
** أديب ومترجم سوري.