مأساةُ بائعة الفلّ

Printer-friendly versionSend to friend
عطا الله شاهين*
 
ذات زمنٍ ولّى كانت المنطقة تعجّ  بالكثير من الباعةِ والمشترين، وبائعة الفلّ وحدها تعوّدت الخطو  لمسافة قصيرة في ساحة تأتي إليها طيور الحمام، فكانت تطعمها من كسرات خبزٍ  تجلبها معها.. كنت أرى بائعة الفلّ تسير هناك لقتلِ الضجر، لأن لا أحد ينظر إلى زهراتِ فلّها.. كانت بائعةُ الفلّ تخجل، لأنها تجلس هناك لساعاتٍ طويلة تحت أشعة الشمس دون فائدة، فالقليل من المارّين  يشترون منها..
كنت أمرّ من هناك بشكل شبه يوميّ، لكنني أردت تقصّي شقاءها، لأنها هي الوجه البائس الوحيد، الذي  أراه كلما أمرّ من هناك، رحتُ أتأملها كأعجوبة عادية: وجهها الذي يعلوه الغُبار بالوجع، مقلتاها اللتين يدورُ الفراغ فيهما، ثيابها التي لا تعترف بالفصول كلها،  أتأملها وأحزن عليها، لأنها  فتاة في مقتبل العمر، وتبيع فلّا، لقد صعقتُ حينما رأيتها أول مرة، لكنني قلتُ في ذاتي فللناس ظروفها وأسبابها..
قضيتُ أتقصّاها بمقلتيّ التّعبتيْن بعد أن ابتعتُ منها ذات نهارٍ بضع زهرات من الفلّ، وفي المساء قبل مغيب الشّمس  رحت أتسلّل وراءها، رأيتها تمسي كأملٍ مشلول تنتظره يائسة ومعدمة، أو كليلٍ لا يموت حتى وصلت إلى عتبةِ بيتٍ خشبي متواضع سقفه من ألواح حديد مدهونة بلون قرميديّ أحمر، فقامت بائعة الفلّ بقرع البابَ، وبعد عدّةِ دقّات خفيفة رأيتُ رجلاً هرِما يخرج من مدخلِ البيتِ وبادرها بقولِه: هل جئتِ بالمالِ؟ فأنا لن أصبرَ عليك أكثر، إمَّا أن تعطيني قيمةُ إيجار سكنكِ، أو فتّشي لك عن مكان آخر، فأخرجتْ بائعة الفلّ كل ما حصدته من نقودٍ، ثم رفعت شنطتها الجلدية إلى صدرِها وحضنتها كطفلٍ، ثم دفعتها إليه، فأمسك بها الرَّجلُ الهرم وفتحها ونظر فيها، ثم نظر إلى بائعة الفلّ ورأيتُ وجهه تجهّم وراح يقطب حاجبيه ورفعَ الشنطة إلى أعلى ورمى بها بعيدا، وصرخ في بائعة الفلّ البائعة: لم يبق إلا الفلّ الذابل تبيعنه لي، وصرخ فيها: ابتعدي.. هيا، ورجع إلى منزله وسدّ البابَ دون الكرب والشقاء.
فعلى جمر العمر الذي استبيح على رصيفٍ مجهول مالت بائعة الفلّ الصامتة ترفع فلّاتها إلى صدرِها، وتزيل عنها وجع الناس المارين، ومن مقلتيْها التعبتين سال واديان من الذّل يغسلانُ تحطّمها، وتبللتْ زهرات فلّها، التي فاحت شذاها في المكان، رفعتْ زهراتها ودسَّتها في شنطها الجلدية وضمتها إلى صدرِها، وتابعت المشي نحو الزقاق المظلم، أما أنا فعدتُ من حيث جئتُ يلحقني الصمتْ والضّعف والإحساس بالذنب، في صباح اليوم التالي لم تتعطرْ تلك الساحة بأيّ شذا، ولمْ يكترث أي أحدٍ لها ولا لفلّها..
 
* كاتب من فلسطين.