ليلة تركية

محمد الأحمد*

 

 أية خطوة من خطوات الهجرة قد تكون خطوة موت، تبتدئ بكابوس سقيم، وربما لن ينتهي حتى بعد الوصول.

 

1.  
أخرنا المهرب في مدينة "بودرم" أكثر من أسبوع، وفي كل مرة كان يعتذر متحججا بحالة البحر تارة، وأخرى بحالة خفر السواحل. كانوا يعدوننا كبضاعة، مكدسة في مخازنهم، تنتظر الوقت المناسب لتنزل إلى المتجر لتسويقها.. حيث يعملون وفق ترتيبات سرية لا يعلم بها غيرهم كفريق عمل متكامل، المهم جاء إلينا مندوبهم في الساعة الحادية عشرة ليلاً، ليقول:

 

"سنخرج بكم من تركيا اليوم ".
كنا خمسة أشخاص تعارفنا مصادفة في الباص المنطلق من مدينة "اسطنبول" إلى مدينة "بودرم"، وصادف أيضاً أن كنا في فندق واحد. وقررنا أن نكون معاً إلى ما يشاء الله. 
كنا نلاحظ أغلب الناس الراغبين بالهجرة بواسطة التهريب، قد التفوا بعضهم قرب بعض وكونوا مجامع من جنسيات مختلفة، أكثرهم سوريون وعراقيون، وبينهم من الأفغانيين والإيرانيين. أسراب حمام يجمعهم الخوف من المجهول الذي يفرش ظلاله على كل شيء حوله.. خاصة عندما يكون الإنسان منا ينتظر خطوة قريبة ليضع فيها مصيره، فإما أن يصل إلى برّ خلاصه أو يرجع إلى بلده ليواجه الكابوس الأبدي الذي جثم فوق زمانه ومكانه.
كنت الأشيب الشعر الوحيد الذي بينهم فأطلقوا عليّ لقب "العم"، أما الأربعة الباقون منهم "مناف، أحمد، عادل، مهند".. قاربت أعمارهم تقريبا الثلاثين أو أقل. وجمعت بيننا النكتة، والهم المشترك.. وجدنا أنفسنا بأننا مستعدون لرحلة الزورق، برغم المخاطر العظيمة التي تحيق بها، فهي سريعة الوصول، وتوفر مالاً ووقتا. كان همنا الوصول فاتفقنا أن نسند بعضنا بعضا بقدر ما نستطيع، ثم توزعنا في الفندق على غرف متقاربة وبقينا نلتقي بشكل متواصل، نتبادل ما نحصل عليه من المعلومات حول الرحلة..
وعندما جاء المهرّب إلى غرفنا يبلغنا بموعد الرحلة. استغربنا عدم استخدامه الموبايل، ولكن ذلك لم يكن يعني لنا شيئا، سوى لضمان عدم تسرب أمره، وأن تلقي عليه الشرطة القبض في أية لحظة. بعدها صحبناه بكتمان دون أن تكون لدينا أية فكرة عن الكيفية.. قلت لنفسي "المسافة بين الجزيرتين لا تتجاوز الساعة أو الساعتين، وسوف نتحملها، كيفما تكون".. ثم اتفقنا معه على مبلغ قدره 1400 دولار ندفعه إليه قبل الانطلاق، ولم نساومه في ذلك الأمر. 
خرجنا ليلا من الفندق بصحبة دليل يعمل مع فريق التهريب مشيا على الأقدام، حيث كان الظلام في طرقات المدينة مليئا بالأضواء. دليلنا كان شابا سوريا في حوالي الخامسة عشرة من عمره، يحمل في يده مصباحا صغيرا ببطارية، وما إن وصلنا إلى مكان ما  حتى صاح به صوت كأنه جاء من عمق الظلمة أن يطفئ المصباح، وأن لا يستخدمه أبداً. فأعاد تثبيته في حلقة حزامه. 
مشينا معه قريبين من بعضنا بعضا، نتحرك في مكان كله أشجار صغيرة، وفجوات لحفر عميقة، ومتعرجات حادة. 
بعد نصف ساعة، كنا قد وصلنا إلى حافة منحدر عميقة تصل حتى البحر. 
بقينا نسمع صوت البحر، ورائحة ماء طيبة تضرب أنوفنا.. التفتنا إلى المدينة التي بقيت خلفنا متحولة إلى قطع متناثرة من الأضواء، وكأنها تستحم في كرنفال بقي يغطيها. 
وجدنا البحر بعيد المنال حيث يلزمنا نزولا، أكثر من 200م في انحدار يستمر إلى الأسفل. 
سأل الدليل: من يريد أن ينزل منكم أولاً إلى الأسفل؟
وأخرج هاتفه من حقيبة صغيرة كان يشدها على وسطه، متصلا بصاحبه الذي أخبره "إنه لم يستطع وحده أن ينزل محرك القارب"، وكان علينا أن نتعاون معه لإنزال ذلك الجزء الثقيل كل تلك المسافة حتى حافة البحر. وهذا يعني أن نحتمله كل ذلك النزول الحاد. 
كان يصعب النزول منه في عزّ النهار، وما بين دفع وسحب بيننا استطعنا بعد عناء الوصول به حتى حافة البحر حيث بقيت لنا خمسة أمتار، طلب منا فتح القارب المطاطي بينما كانت الأرض مبللة، وزلقة. استطعنا أن نفرشه على الأرض الصخرية،حيث لم يكن القارب المطاطي منفوخا، فتطلب منا نفخه وتهيئته، وتركيب المحرك جهدا كبيرا. استخدمنا ثلاثة منفاخات يدوية متعبة جدا تناوبنا على النفخ فيها، ولم نتعود على استخدامها حيث كانت تشبه  تلك التي يستخدمها الحداد في إدامة وهج النار. 
توزعنا حول القارب من ثلاث اتجاهات، ورحنا ندخل خراطيم الهواء في ثلاث فتحات مخصصة لدخول الهواء، وأخذ تدريجيا يرتفع عن الأرض. كنا نراه لأول مرة ولم نكن  قد تعاملنا مع مثيل له من قبل. كان مقسما من الداخل إلى غرف مصممة لتمتلئ بالهواء في وقت واحد. تناوبنا بهمة كبيرة عليه حتى ارتفع كثيرا عن الأرض، من بعد أن استنزف منا جهدا امتد لأكثر من ساعة.
وكنا ننظر إلى البحر ونرى ثمة موجات صغيرة تخترق الليل ملامعة من ضوء القمر. كان قريبا منا، وكأنه في تلك الساعة هادئا كوحش عملاق قد استراح من نهار متعب. كنت أحدق إلى المسافة المظلمة في تلك المساحة الضائعة، ثمة آمال قد تسفر عما وراء هذا البحر العظيم. كمٌّ عظيمٌ من الماء سوف تساعدنا على أن نطفو فوقه، ونرجوها أن تكون رحيمة بنا حتى خلاصنا. بعضنا يرنو إلى خيمة الظلام التي تغطيه بفرح كبير ممتزج بخوف عظيم. 
بلغ عددنا ثلاثة وعشرين شخصاً مع ذلك الشاب السوري، حيث جبلنا على أن نتقاسم الاضطراب والقلق والخوف، وننتزع من بين أسنان الظلام أملنا بالوصول إلى تلك السواحل التي تكاد تبين أنوارها، من بعيد. يكاد أن ينطلق الزورق بخط مستقيم إلى ذلك الفنار الساحلي التابع لليونانيين. كأننا نتحدى موتا لم يعد يهمنا سوى الانعتاق من قيد يكاد يخنقنا ذلا. كنا نتحاور بهمسات متواصلة،  تتخللها ضحكات لم تكد ترتفع عن صوت هدير الخوف الهادر عميقا بين أعماقنا. كنا نفتعل السؤال تلو السؤال؛ فعلمنا منه أثناء النفخ بأنه اضطر للعمل مع المهربين قبل ثلاثة أشهر من بعد أن تخلف عن مجموعته، وتعرض لـ"ضيم الزمان" على حدّ تعبيره.. 
توزعت بيننا التهكمات، والضحكات بين لحظة وأخرى كأننا نرتجي التخلص من هذا الكمّ الموحش من الألم والثقل. محدقين إلى وطأة ظلام متواصل حيث لم نر شيئا يمكن أن يكون أمامنا سوى خط الأفق. نرغب أن يكتمل القارب ويصل بنا إلى تلك الجزيرة اليونانية.
بقينا نعمل في غمرة نشوة الوصول. وقبل أن يكمل الزورق ارتفاعه بشكله الكامل وصلتنا أصوات مهمهمة مثل كلاب شرسة، رأينا مجموعة مسلحة تتراكض باتجاهنا، بملابس سوداء، ظننا أول الأمر بأنهم شرطة السواحل، في تلك اللحظة لا ندري كيف التصرف، ولكننا تحركنا مع تحرك المجموع، قفزنا مرتعبين كل في اتجاه، متوارين عن الأنظار. 
هم أيضا لا يحملون أنوارا كاشفة. من حسن حظنا كان الولد الدليل قريبا منا، لمحناه وقد  قفز إلى الصخور، تبعناه، دون أن نلتفت وجدنا أنفسنا نصعد بهستيرية. وكأن تعبنا قد ولى ولم نكن إلا في مأمن عن الخطر في عمق ظلام دامس.
تبين لنا بأنهم لم يكونوا من شرطة خفر السواحل بل كانت عصبة سلب مسلحة تحمل سكاكين، وهراوات. تمكنوا من بعض ضحاياهم، وسرقوا منهم ما استطاعوا إليه سبيلا،  ثم انطلقوا بالزورق هاربين إلى الجزيرة.
عرفنا أن دليلنا الصغير لم يكن يعلم بما نصبه لنا "معلمهم"، وعدنا في  الليلة نفسها مرة أخرى إلى  الفندق الذي انطلقنا منه، ولم نستطع أن نلتقي بذلك المهرب، لاستعادة نقودنا. لكننا  علمنا في اليوم التالي أن الشرطة تمكنت من المهرب، وقادته ضربا إلى المخفر.
 
2. 
غالبا ما تنطلق رحلات المهربين ليلا، حيث لا يخبرون زبائنهم بموعد الانطلاق إلا قبل اللحظات الأخيرة لبدئها. تحسباً كل شيء من الوشاية أو رقابة البوليس.. إثر دسيسة مهرب آخر، يودّ أن يزيح صاحبه من طريقه. حيث يتم نقل الناس من مكان إلى آخر بواسطة برادات مغلقه، وغالبا ما تكون مظلمة، مرعبة. نظام متكامل من السماسرة المتخفين وراء الظلال. غالبا ما يستخدمون فريقاً متكاملا من مختلف الجنسيات، يسيّرون لهم مشاويرهم الخطيرة، لأجل التنصل من محاسبة القانون، يجازفون من أجل مكاسب كبيرة من المال، وغالبا ما تكون برامجهم أغرب من الخيال وبلا رحمة. سماسرة يعملون بحذر. متحايلون على القانون الدولي بشكل عام، يستلمون مبالغ ضخمة من المهاجرين، ولا تهمهم الكيفية التي يصل بها الزبون المغلوب على أمره، حيث يكون مضطراً.. مطيعاً.. صاغراً كقطعة جامدة، عندما تحين ساعة الانطلاق يكون "عزرائيل" بصحبتهم دون أن يعلموا بأنهم يصاحبون الموت المحقق. كلهم يدورون للاقتراب من نقطة عمياء، مموهة، وبعيدة عن أجهزة خفر السواحل، وليتم تهريبهم مستخدمين يختات قديمة كانت تستخدم للصيد. لتعبر بهم بحر إيجة وإيصالهم إلى سواحل الجزر اليونانية، وكتابة رواية عن أمر كهذا يتطلب تفاصيل لا يعرفها إلا من الذين نجوا من موت محقق، فيها دقة معلومات رحلة عبر الموت نحو الحياة، الدقة ذاتها هي التي تهبْ الكتابة الحياة من بعد موت، الكتابة هي التي تصعد إلى السطح لتتنفس، صدقها أن تتحول إلى موقف. يناطح الموت يثبت أني أتحدى هذه اللعنة المميتة التي تسمى الهروب بالكتابة من كابوس الواقع، وتحويل الحروف إلى كتابة تصف الواقع، وأكثر غرابة من الخيال، فهناك عالم من القسوة لا يهمه ما يحدث، وما ينزف من دم، وما تزهق من أرواح، يتقصد تفريغ المكان، واحتلاله، ابتلاعه محققا خطوته وسطوته على عدوه، فإما أن يكون سيدا على تقنيات عدوه أو لا يكون عبداً تحت سطوة عدوه. لكنهم متواجدون فوق رؤوسنا، وأرضنا، وسمائنا..

 

 
3.
في المرة التالية كنا قد عزمنا على اختيار "اليخت"، خصوصا بعد تجربة القارب الفاشلة، لما فيها من مخاطر كبيرة، وعديدة، فذهبنا للبحث عن مهرب آخر، ومن حسن الحظ وجدناه يسكن معنا في الفندق كبقية أقرانه من المهربين، فأغلبهم يتواجدون في زوايا تلك الفنادق السياحية القريبة من نقاط انطلاقهم، وربما هم أجزاء صغيرة من تلك المنظومة المالية الكبيرة المختصة بتنظيم ذلك العبور الكبير إلى "اليونان". طلب منا مبلغا قدره (2500 يورو)،  وطلب أن يتم تسليم  النقود مقدما، وبلا أية ضمانات، إلا في حالة عدم الرحلة.

4.   

في التاسعة صباحاً بعد أن دفعنا فاتورة الفندق تسللنا فرادى وحسب التوجيهات التي رجانا أن نتبعها، والتقينا في المرآب العام للمدينة، بعد نصف ساعة جاء باص كبير، حتى أشار علينا أن نصعده بدون أي تأخير، ثم انطلق بنا إلى خارج المدينة.

 

لحظنا أنه يدور بنا في شوارعها، ولما سألنا، أجاب بعربية واضحة "اطمئنوا، لنضلل من يتبعنا". ثم توجه إلى الشارع المتوجه إلى خارج المدينة. وبعد أقل من نصف ساعة وصل بنا إلى مكان بجانب بناية شبه مهجورة، وطلب منا النزول، وبعد أن نزلنا جميعا قفل راجعاً، وتركنا لا ندري ماذا نقول لبعضنا بعضاً. 
وظهر لنا رجل يرتدي قبعة، فتح لنا الباب وطلب منا أن ندخل بسرعة، وهناك تفاجأنا بوجود مجموعة لا تقل عن ما نزل من الباص وكانت كلها متوزعة ما بين جلوس ووقوف، كأنها تنتظر قدومنا..
بعدها بقليل، فتحت الباب، ودخل رجل بصحبته رجل مثله يرتدي  القبعة نفسها، وقال: 
-  بعد قليل سوف ننقلكم عبر شاحنة، لنسير بكم مسافة ربع ساعة، أو أكثر بقليل. نرجو منكم أن تتحلوا بالصبر حتى نستطيع أن نصل بكم إلى "اليخت".
أغلبنا كان متحمساً للتقدم نحو المجهول لخلاص من المعلوم، فالشرطة كالكابوس تطارد الهاربين والمهربين، فقبلنا بما هو مقرر لنا صاغرين، خانعين، لا ندري أي مكان ينتظرنا.

 5.

بعد نصف ساعة أخرى سمعنا صوت الشاحنة مزمجرا قرب باب البناية، ثم فتح الباب، وإذ بباب الشاحنة التي تواجهنا بخلفيتها، وطلب منا الصعود فورا. 

 

كان يقف عند الباب ثلاثة رجال مسلحين ببنادق آلية، لم أتذكر شيئا سوى أني أردت العدول، والاختباء في زاوية من البناية بدلا من الرحيل بهذه الطريقة المُذلّة، القسرية. أغلبنا أخفى شكه، ولكن لم ينطق أحدنا بأية كلمة، نظرنا لبعضنا بعضا وتلاقت أعيننا، ولكننا كنا مغلوبين على أمرنا. لم نكن نعرف ماذا سيحصل لنا، حيث كانت الشاحنة ثلاجة لنقل الألبان، فأدخلنا إلى فضائها متراصفين، متلاصقين رجالا ونساء. بقينا وقوفاً، على أمل أننا سوف نتحملها كيفما تكون، وتنقضي النصف ساعة، حتى الوصول.
أغلقت علينا باب الثلاجة، وكان عددنا ستين شخصا، وتم قبل أن يغلق علينا الباب رصف صفً من صناديق الحليب، وبعد لحظات عم ظلام لم نخترقه إلا إضاءات خافتة نشرتها الموبايلات ولم يسمح لنا بالإضاءة الداخلية، حتى بعد أن انطلقت بنا الشاحنة.
 

6.

من حسن الحظ أن حاوية التهريب التي حشرونا بها لم تكن قد صممت بالأصل كبراد حافظ لنقل الحليب ومشتقاته. إنما كانت مجرد حاوية مزود سقفها بمكيف هواء مستقل، وعملاق بقي يهدر فوقنا، ويسرب الهواء البارد نحو وسطها، حيث كان يضرب على الرؤوس مباشرة، خاصة التي صادف تراصفها في مركز الحاوية. 

 

تواصلت التمتمات من آيات القرآن والإنجيل بمختلف الحناجر، بعضهم بدد خوفه برفع صوته، وكأنما يعلن أن الله معه ومن ثم معنا لأنه كشخص حافظ للآيات فيباركه الرب بحمايته لأنه بيننا، كنت قريباً من سيدتين سوريتين، وأخرى لبنانية لم يتوقف اللبان في فمها، وتلاصقت النساء بالجدار، وكان أغلب الرجال يتحاشون ملامستهم، حيث منعنا الخوف في بداية الأمر حتى من الكلام مع أنفسنا، وكانت أنفاسنا تصطدم بوجوه بعضنا بعضا، رجالا ونساء.
الكل كان ينتظر أن تنتهي تلك الأزمة الخانقة بصبر نافذ، وكان الوقت استطال أكثر من الوقت الذي تقرر للوصول إذ تجاوز النصف ساعة. لكننا بقينا في داخل الحاوية، نقاوم الملل، والخوف، والمجهول. في البداية كنا صامتين، تدور أعيننا في عيون بعضنا بعضا، وامتزجت رائحة العطور الرخيصة بالعطور النسائية بروائح أخرى مع رائحة الحليب المتعفن التي كانت تأتي إلينا من المروحة التي ترشه علينا.

 

7.

حدث أن واحدة  من النسوة ألقت بكل ما في جوفها على من أمامها، وحدثت همهمة استنكار، تطورت إلى صوت صراخ سرعان ما تحول إلى طرق بعنف على جدران الحاوية من الداخل، كان قد مضي علينا أكثر من ساعة، وشاحنة البراد تمشي بنا دون توقف، وكأنما دون أمل. وكانت تنقص بعض الرجال الحجة فوجدوها ليروا أين تسير بنا الشاحنة المغلقة، لقد تحول الانتظار الذي ضاعت منه التوقيتات، وبقينا في عالم طائف في المستحيل، فما بقي عندنا صبر يجعلنا نطيق ما نحن فيه. 

 

كنا نشعر بالشاحنة تارة تتقدم وتسير بلا توقف، وتارة أخرى ترجع إلى الخلف، وأحيانا تستدير وتصعد انحناءات حادة، كان المجهول يلفنا لفا مؤلما، وتصاعد الهياج إلى هستريا، وأخذ القريبون من الجدار يضربون عليه بقوة أكفهم، حتى أحدثوا فعلا قويا لدى السائق، فأوقف الشاحنة ونزل إلينا، من أجل أن يخبرنا. 
"على الجميع التزام الهدوء لأننا سوف نمر قريبا من نقطة تفتيش"، ثم أضاف بأننا اجتزنا أكثر مراحل الخطر، وبقيت أمامه النقطة الأخيرة"، جعلنا ذلك نشعر ببعض الاطمئنان، وتوقف الأغلب عن ترديد آيات من القرآن، وأغلبها كانت مختلطة بروائح من المشروبات الروحية التي فاحت من البطون الفارغة.

 

كنا مرغمين على المرور بتلك الأزمة الرهيبة المظلمة. جميعنا صاغرون لا حيلة لنا، خانعون من أجل التقدم إلى مرحلة أخرى. تبا لذلك المشوار الذي امتد بنا أكثر من ثلاث ساعات حتى فرجت علينا الشاحنة بفتح بابها في حلول الظلام الدامس.
كنا مجبرين إلى حدّ السكوت ولم يعلق أي أحد منا بعد أن فتحت أمامنا طاقة باب القدر. البعض منا أعاد ترديد صور من القرآن، وبقي يعيد شكر الربّ وتكرار التسبيح، والبعض الآخر، بقي منتظراً ما سيأتي به  القدر.

 

8. لم نبق في العلبة اللعينة إلا دقائق معدودات لتفرّ هاربة بسرعة، مطفئة الأضواء حيث لم يتسن لنا رؤيتها بوضوح. ابتعدت وتركتنا في العراء. سلمتنا إلى أربعة رجال مسلحين كانوا يرتدون  قبعات متماثلة، فأمرونا بزجر أن ننزل الجبل بما نستطيع من سرعة.. حيث ينتظرنا اليخت في الأسفل. ولم نكن إلا فوق قمة جبلية عالية جداً، تراوح ارتفاعها عن سطح البحر أكثر من 300م، (عرفنا ذلك في ما بعد).. 

 

القمر الرومانسي الجميل لم يكشف لنا الطريق جيدا، والذي لم يكن يضيء جيدا، حيث سحب الرطوبة المرتفعة من البحر كانت تشاركنا الأجواء. فلم نستطع أن نشاهد ما حولنا وما خلفنا أو تحتنا، ظلام دامس أخفى عنا كل التفاصيل.
نزل أحدهم أمامنا وقال "اتبعوني"، بينما بقي الثلاثة الآخرون، ينظمون عملية نزولنا، لا نعلم ماذا تنتظرنا من صعاب.. 
مشينا أول الأمر خلفه في طريق منحدر قليلا، وكلما تقدمنا كان الانحدار يزداد، وكانت تلك الطرق تتقاطع بحافات صخرية حادة، وتتطلب منا القفز إلى أسفل والتثبت تمسكاً بالأحراش الجبلية، حتى ولو كانت خشنة أو شائكة. 
كان الرجل صاحب القبعة، يحفظ طريق الانحدار بكل تفاصيله، وكل انحناءة صخرية يتجاوزها أمامنا بخفة العارف ويشرح لنا كيفية تجاوزها بين حين وآخر، ويوصينا أن نستعين بأغصان الأشجار التي ارتفعت قليلا على جانب الممر الذي كنا نمشي عبره.. انحناءات صغيرة حادة تتطلب أن نمدّ أيدينا  كي لا ننزلق سريعا بفعل الجاذبية ونصطدم بالصخور، ثم يحدث ما لا يحمد عقباه، ومع ذلك كانت الصخور التي تواجهنا لا تترك لنا تفصيلا من أرجلنا، أو أيدينا إلا وقد جرحته، أحراش قاسية نبتت من الصخر ولم تكن رحيمة معنا. 
كانت أغصان الشجر يتراوح ملمسها ما بين خشن وناعم، ما بين جارح، وما بين منزلق رطب.. حيث لم يكن الجبل الذي صرنا ننزل منه أجرد، كانت تصادفنا في طريق النزول المريب السريع العاجل، حقائب، وأفراد من أحذية بين تلك المسافات. تبين أنه طريق تعود عليه المهربون، وبعضهم خسر نفسه فيه أو بعضهم لم يستطع أن يمسك بغصن شجرة يخفف بها من سرعة نزوله، فسقط أو جرح. كان الدليل يشرح لنا بصوت خافت متوتر عن بعض التفاصيل كأنه يتحدث مع نفسه، وكنا نلتقط منه نصائحه المفيدة حرصا على سلامتنا. مع ذلك كنا ننحدر بخوف شديد، لأن تلك الحافات حادة، وقاتلة، وقد تعيق أي فرد منا، إن لم يصطدم بها أو "يشحط" عليها قد تسبب له الخدوش المؤلمة، وكنا نضطر أن نمدّ أرجلنا إلى تحت ونبقى ننزلق على ظهورنا، حتى تلامس أقدامنا قطعة يمكن الوقوف عليها. مسافات حادة، هائلة الانحدار، بعضها كان يزيد على خمسة أمتار، ننزلها زحفا على ظهورنا، حتى تلقى أقدامنا مستندا يوقف انحدارنا، أحيانا ينغرز بعض الحصى الناعم في لحم ظهرنا، ولم نشعر في تلك اللحظة بأي  ألم. ووجدنا هناك العديد من قطع الملابس الممزقة، العديد من الحقائب المتروكة كأنها ستبقى إلى الأبد معلقة ولن تطالها يد بشرية.
كأنما لا أمل لنهاية ذلك الكابوس المريب، الذي كان أكثر صعوبة من أي شيء، كأننا سوف لا نطأ أرضا أبدا، من منزلق يسلمنا إلى منزلق.. بعد أن مات فينا في تلك اللحظة أمل البقاء على قيد الحياة، كأنما موت قريب ينتظرنا. لم يكن ثمة أمل ولو ضعيف يصل بنا إلى نهاية الدرب المعتم.. في تلك اللحظات تمنيت أن أعود أدراجي، وأتحمل كل ما يحصل، وما يحدث على هذه التجربة المريرة.
الظلام يلفنا لفاً مريباً، مبتلعا إيانا بموت ينزلق بشدة انحداره، بفعل الجاذبية متحولا إلى قوة عنيفة، تقذفنا إلى الصخور القوية، وتريد أن  تتهشم منا عظامنا.
كنا نمدُّ أيدنا لبعضنا بعضا، وكانت الأيدي مبللة، ندية رطبة، تنزلق من بعضها. بعد حين اكتشفنا أن ذلك لم يكن من رطوبة الأغصان الندية، وإنما بسبب الدم الذي نفر منها، حيث كانت أيدينا مُجرّحة، ولم نشعر.. 
ربما تجاوز نزولنا ساعتين حيث واجهتنا أكثر من حافة حادة، تتطلب الحذر الشديد في وضع القدم في مكان ثابت، ومع كل ذلك الحذر كنا ننزلق ونتلقف أيدي بعضنا بعضا، نتحاشى النزول السريع الذي قد يصل إلى موت محقق. منزلقات صخرية تتزايد خطورتها كلما اقتربنا من اللحظات الأخيرة التي تشبه حافتها  سكاكين حادة، مدببة.

 

9. وصل بعضنا إلى صخرة نهاية المطاف لتحملنا من فوق إلى باطن مؤخرة اليخت. وكان عيلنا أن ندخل إليه مباشرة.. حيث سقطنا من علو قدره أكثر من أربعة أمتار. البعض صادف أن يكون نزوله مباشرة إلى سطح حيث وضعت لأجله قطعة من فراش مهترئة لتخفف من وطأة سقوطه. ولم يتوقع أن تكون نهاية الكابوس قطعة لينة بدلا من الصلادة المريرة التي واجهها.. أما البعض الآخر، مثلي فكان انزلاقي قد أوصلني بعيداً عن مكان النزول، ولم أكن قد وصلت وحدي إلى ذلك البعد الذي اضطرني أن أقفز إلى الماء بعدها تلقتني الصخور الناعمة الصغيرة، بإصابات أخرى، لم اكتشفها إلا في ما بعد.

 

كنا أكثر من أربعة عشر شخصاً ، بيننا ثلاث سيدات، وفي الأسفل وجدنا شخصا من ذوي القبعات ليرشدنا كيفية الصعود إلى اليخت. أما السيدات الثلاث فبقين عالقات، ولم تتشجعن على القفز إلى الماء فاتصل بزميل له من فريق المهربين، وهذا نزل إليهن، ودفعهن إلى الماء دون مبالاة بالصراخ أو الرجاء. 
هممنا على مساعدتهن بالصعود حيث كان ملح البحر يوخز الجروح، وبالرغم من كل ذلك همّ معي أحد الرجال وساعدهن..

 

10.

وجدنا شخصا آخر تابعا لفريق التهريب يسحب النازل بسرعة إليه لينزل التالي بعده، وهكذا اكتمل المكان بمجموعنا، حيث وجدنا وجبة سابقة من الهاربين باقية تنتظر لنكتمل، وينطلق بنا اليخت نحو الجزيرة. وصولنا إليه جعلنا نتنفس الصعداء، وكنا نظن بأننا قطعنا أصعب ما في طريقنا من مراحل.

 

خلف ذلك تساؤلا كبيرا في قرارة أنفسنا، أي خيال خصب ذلك الذي أبدع في التوافق بين الطبيعة العشوائية ليستفيد منها أفضل استفادة، وينزلنا مباشرة من حافة جبل على هيئة حرف "ل".

وقف تحته اليخت ونزلنا من علو إليه. كان ذلك يستحق منا أن نسجل إعجابا بهذا العقل المدبر الخصب الذي استطاع أن يحقق من عبث الطبيعة عملا منظما، وينتصر عليها.

 

11.  

زمجرت ماكنة اليخت، وتم رفع ثقالتها التي كانت مربوطة بحبال إلى أسفل حافة الجبل، وبعد أن اكتمل عدد النازلين الى 160 شخصاً، انطلق اليخت في سكة الموت. كان العديد من رفاق الرحلة قد تأذى كثيراً أثناء النزول، خاصة أصحاب الكروش الكبيرة. بعدها نادى مناد فينا بعربية تميل إلى أن تكون أفغانية تأمرنا أن ننزل جميعا إلى قعر اليخت، لكي لا يرانا المنظار من الفنارات الساحلية، وأضاف "إطفاء الموبايل" لكي لا يرصدنا الرادار، ومنع استخدام الهاتف مهما كلف الأمر حتى لمعرفة المكان بواسطة خرائط "جي بي إس". فنحن لا نريد أن نعود إلى نقطة الصفر عندما تقبض علينا شرطة السواحل التركية، ودون شك ستكون العاقبة أكثر من وخيمة..

 

12.

حانت اللحظة التي ينطلق فيها اليخت، تلك هي اللحظة الحقيقية التي يتواجه بها الإنسان مع البحر. حيث لم يتعود الإنسان على مدى تاريخه مواجهة البحر دون مواجهة الموت معاً.. فهما مترافقان أبدا. 

 

في تلك اللحظة بدأنا نشعر أننا قد اقتربنا من اللحظة الحاسمة، لحظة يتحرر اليخت من نقطة ارتكازه، ويبتعد ببطء عن تلك الحافة الحرجة من الحياة. كان الجبل الذي سلمنا إلى اليخت يبتعد  بالبطء  نفسه الذي يرجوه الإنسان عندما يواجه حسم منعطف حياتي لا بد منه. 
كان الجميع يلزم الصمت إلا بعض الأطفال الذين تواصل بكاؤهم. ذلك البكاء الذي راح يغيب مع استقرار مرافقيهم، وجلوسهم يرقبون ذلك الابتعاد، حيث أخذ البحر يعطي اليخت أول هزاته، فيهزه برفق أول الأمر، كأنه يريد لتلك الطفولة أن تستسلم لإغفاءة التعب، وذلك الشد العنيف في النزول من ذلك الجبل الذي سيبقى عصيا على النسيان. في داخل القمرة جلسنا متراصفين أيضا، نفترش أرضيتها الفارغة إلا من فراش لم يكن يغطيها، ولم يبن منه شيء بقينا نتابع ذلك الابتعاد البطيء، وكأن اليخت الهرم كعجوز لم تسعفه السنون ليوازي لهفتنا المتصاعدة بأمانيها حيث الابتعاد عن المياه التركية، ونريدها بسرعة عصرنا، حيث انعدم تقدم الوقت في تلك اللحظات المبللة بماء البحر، وعلى الرغم من الفجر بدأ يلوح لنا كأنه ينبلج علينا من أعماق البحر.
كنا نسمعُ مع هدير البحر زمجرة المحرك الذي يشق عباب الأمواج مختلطة مع رهبة أن تكشفنا تلك النقاط المضيئة الموزعة بانتظام على السواحل التركية. ربما يعني ذلك الاكتشاف، والذي قد يحصل في أية لحظة سوف يكلفنا العودة إلى نقطة الصفر، وربما إلى نقطة قطر مساحتها أقل من الصفر. تلك النقاط هي شرطة خفر السواحل المجهزة بزوارق سريعة جداً، ويمكنها بلمحة أن تحط بقدمها العسكرية وتضعنا في قفص الاحتجاز، كنا نسمع أغلب الشفاه تدمدم في الأعماق، وهي تعيد قراءة سور من القرآن "جعلنا لهم سداً"، وبوساوس قهرية تتحسس هواتفها النقالة، لتتأكد أنها مطفأة وأكثر من مرة. نريد أن نعبر تلك الموجات المتصافقة التي تهزّ المركب هزاً، ولم نفكر في الموت في أعماق البحر. كما كنا نفكر بخلاصنا من تلك اللحظات التي نريدها أن تبعدنا عن تلك السواحل المهيبة، ولم تتناسب مع سرعة اليخت (30كم/ساعة)..
كل مرة نقترب من جبل يتصاعد عندنا الخوف ليبلغ أشده، وتتصاعد مع الهممهة الواهمة التي يظن فيها الإنسان أن الله الذي يعرفه البشر يسمعه، قريب منه يستجيب الداعي إذا دعاه، يسمع منه التضرع ، والتذلل، ثم يبعد عنه الشر الذي يخافه.. يكون البشر متناسياً لماهية الله ويحوله من الرب العظيم الجبار إلى ربّ يصغي له وحده، رب قريب من تلك الكلمات التي يعيدها الإنسان بأكثر من مرة، تلك الكلمات التي تعلمها وتعود عليها الإنسان بأنها الكلمات الوحيدة التي يغفر بها الله خطايا الإنسان، فيحميه، ويعجل له الإنقاذ، ويؤمن له الحماية من تلك المخاوف.. مشكلة الإنسان أنه أناني حتى مع إلهه الواحد الأحد،  الإله الذي يسمع منه وحده، وينصره على كل شيء ما دام هو يقرأ الكلمات، ويبتهل بها، وينسى بأن تلك الكلمات محض وهم، لا يعرفها البحر، ولا يخيفه عندما يزمجر، وليس كمثله أحد، ومن المنطق أن يتحرك العقل، ويتحدى المجهول الذي بات معلوماً..

 

13.

بعد ذلك أخذ الجبل الذي ودعناه يتوضح من بعيد، كلما كان اليخت يبتعد متظاهراً كانه يقصد الصيد، ولم يكن متوجها بمقدمته إلى سواحل تلك الجزيرة اليونانية، كان يبتعد بتمويه، لتطمئن أعين المراقبة أنه لا يحمل أية مخالفة قانونية. ولم تتحرك صوبنا أي دورية، من تلك الدوريات التي كنا قد سمعنا عنها. حيث بدا أن  قائد اليخت قد تمرس في مهنته.. إذ لم يعمل وفق قاعدة "الخط المستقيم هو أقصر الطرق"، بل اتخذ طريقه مقوسا، مموها ولم يفضح غايته لمن يتابعه، حتى صارت تلك الأضواء مخفية بغيوم سراب البحر الواسع المتناهي، مياه لا تحدها إلا مياه، كانت أعيننا تتطلع من خلال الفتحات الصغيرة إلى مدى المجال الفاصل الذي أحاط بنا. كلما أخذت الأمواج العالية تصفق مقدمة يختنا بقوة فتهزه هزاً مخيفا، ولكنه لم يكن كخوفنا من خفر السواحل، كانت الموجات العالية تضرب بقوة فتجعله يميل عن اتجاهه، فنشعر أن الاتجاهات كلها قد ضاعت، ساعتها تنبهنا إلى ما يسكن تحت يختنا حيث آلاف من الأمتار تعيش فيها عوالم من الحيوات لم تكتشف بعد. لم يسكننا من ذلك الخوف شيئ أكثر من خوفنا من العودة. فما أن وصل إلى حدود المياه الإقليمية التركية/ اليونانية حتى زاد من سرعته، ودخل إلى الخط الفاصل.. كأنه استطاع بذلك الإفلات من سلطة خفر السواحل الأتراك، ودخل إلى سلطة خفر السواحل اليونانية. عندها بدأت الأجساد المتخشبة بالخوف، بالتحرك قليلا، والتنفس من هواء البحر، قال أحدهم: في هذه المنطقة تعيش أسماك القرش الخطيرة و"أقسم بأنه شاهد زعنفة لواحدة منها قبل قليل".

 

ذلك القول أفسد علينا ما بقي لدينا من لحظات الفرح، بعد أن نشر فينا مخاوف جديدة من نوع آخر، لم تدع لنا التنعم بخلاصنا المرحلي من المجال التركي..

 

14.

بعد دخول اليخت إلى المياه الإقليمية اليونانية، كنا قد تنفسنا الصعداء، من ذلك الخوف البغيض الذي كنا تحت رحمته، فراحت الأيدي تصفق، وراحت الزفرات الحرى تهرب من الصدور، إذ عم فرح جديد، ودعنا خوف العودة إلى تركيا، حيث كانت تلك البلاد التي نجد فيها لذة الاستمتاع بحريتنا، كأنما كان يخنقنا فيها كابوس الرحيل منها، حيث ثقلت علينا مصاريفها، وفنادقها التي استنزفت منا الكثير من الأموال، وأصبحنا متخلصين من تلك الوساوس البغيضة التي تود أن ترجعنا إلى نقطة البداية. وفعلا لن ينقصنا في تلك اللحظات إلا الصراخ ابتهاجا بتلك الفسحة النقية من الحرية. 

 

لكن تصاعد البحر في تلك الساعة، ولطم اليخت بقوة هزته هزاً، كأنما أراد أن نغير اتجاهنا ونعود أدراجنا، وكان قائد اليخت مستعدا ويقظا لتلك الضربات القوية، فكلما صفقتنا موجة مرتفعة كان يتابع بوصلته ولا يقبل بتغيير الاتجاه. صرنا أكثر جرأة معه في تحدي الموت فبدأنا بإخراج أجهزة الموبايل من الأكياس المطاطية التي كنا حفظناها بها وتشغيل نظام الخرائط الجوية لمعرفة المكان والاتجاه، وكأننا نريد ضمان التمسك بذلك الأمل الذي لم نكن نريده أن يفقد.
كنا نتابع البحروسرت الهمهمات تارة، وتارة أخرى لعب الأولاد برمي علب الكولا الفارغة، ورحنا معهم نلعب برمي قطع فارغة إلى البحر، وكم كانت سرعان ما تطوف وتصبح بعيدة. تلك الطريقة جعلتنا نعرف أن البحر يسمح لنا بعبوره، ويريدنا أن نصل حتى شاطئ الأمان. 
بينما كنا نلعب مع الأولاد باغتتنا صرخة أن هناك سمكة قرش ظهرت زعنفتها وهي في طريقها إلينا، غابت تلك المتعة، وحيث لم يخل الموت من أجوائنا.. ثم سمعنا أحد السوريين يقول مداعبا: "القرش أرحم من طائرة ترمي البراميل المتفجرة". شعور اقتراب الموت من الإنسان يجعله بطيء التفكير، لا هم له سوى كيفية التخلص من الموت. 
حضور الموت جعل الركاب يهدأون يكفون عن الضجيج، وراح الأغلب منهم يتحسس الطوافات ومن كان معه أولاده جمعهم، فنجدة الغريق أصعب من أن ينجد الإنسان نفسه، والكل صاح "إخوان لو حدث لا سمح الله مكروه يمكنكم استخدام مصابيح الليزر للإشارة لخفر سواحل اليونان". وصار الكل يتخيل كيف تتشبع النجادة بالماء وتصير ثقيلة وعبئاً فوق الأعباء.
يبدو لي الآن أنه لم يكن هناك إلا سمكة قرش واحدة اسمها الشيطان البشري الذي يجب مقاومته.. وهو العقل الذي يستخدمه الإنسان ليفتك بأخيه الإنسان، ويجعل البشر خائفين لا ينظرون إلى أمامهم.

* كاتب من العراق.