ليلة بيضاء

محمود الريماوي*

 

إذا صادفتما شبحاً لا تقلقا.. سيذهب من تلقائه.
بهذه العبارة شيّعنا مضيفنا الريفي نحن الاثنين: صديقي معلم المدرسة وأنا الزائر، فيما كان كلب  المزرعة النشط يجمجم ، ويطوف حول السيارة العتيقة التي كان موتورها دائراً بصوت عالٍ. صديقي النحيل طويل القامة سي حسن ضحك في العتمة وراء المقود للملاحظة التي أبداها المضيف، ووجدها مناسبة كي يُعلّق متهكما: إنها مزرعة أشباح... مزرعة أشباح يا خويا. فأجابه الضيف سي محمد  بمزاج مرح: إنه شبحٌ واحدٌ فقط. 
كان الوقت قبيل منتصف الليل.
 المزرعة الواقعة في ظاهر المدينة، في الضواحي التي غمض عنوانها على الزائر واستسلم راضيا لهذا الغموض، تبدو ساكنة تكتنفها ظلمة، الأشجار معتمة في الليل الحالك ، والريح الخفيفة  تلامسها وتحرك أوراقها بلطف.
كانت سهرة  ممتعة، ولا تخلو من غرابة.
فمضيفنا الخمسيني مالك المزرعة يرتدي ملابس عادية:  قميص وبنطلون حائلا الألوان لعلها ملابس العمل. ويحتفظ على رأسه بقبعة رياضية مثل قبعات لاعبات التنس الأرضي، ووجهه محتقن بعض الشيء بفعل الوقوف نهاراً تحت الشمس..والمكان الذي نجلس فيه مزيج من غرفة استراحة شاسعة، ومخزن لأدوات الزراعة: رفوش ومبيدات زراعية وسلال من قش وأكياس سماد مركونة في زوايا الغرفة الفسيحة. وقد أجلسنا مضيفنا حول طاولة مستطيلة على كراسٍ مريحة، حتى ظنت  أنه عشاء عمل، دون أن أعلم أيّ عملٍ هو. ولم يبلث أن انضم جارٌ من مزرعة مجاورة الينا في مثل سنّ المضيف، يميل الى البدانة، ويحتفظ مثله بقبعة رياضية على رأسه. وقد صادفتُ ترحيبا بي وتقديمي على الجميع في سكب الشراب، وهو ما رفع معنوياتي. ثم أتى المضيف بأطباق صغيرة تضم فاصولياء بيضاء وكُرات كفتة بالبندورة وسردين وحشائش، مع خبز فرنسي بدا وجوده غريباً الى جانب أطباق ريفية مغربية.  لم أعرف إن كان هناك  شيء على المائدة من ثمار المزرعة، في هذا الوقت من السنة قبل حلول الربيع بأسابيع ثلاثة. كنتُ بحاجة الى وقت طويل الى انفتاح نفسي وذهني أكبر، حتى آلف المكان كملتقى للسهر. أما صديقي سي حسن فهو معتاد على المكان وأهله، وسرعان ما اندمج مع صديقه المضيف ومع الجار الذي انضم الينا، وأخذوا ثلاثتهم يستأنفون حديثاً سابقاً بينهم بالدارجة السريعة، يتذاكرون تفاصيل وقائع ماضية، يوافقون بعضهم بعضاً على صحة ما يقال، ويضيف أحدهم تفصيلاً سرعان ما تتم الموافقة عليه، ثم  يتباسطون بودٍ بالغ وأحدهم يقسم بالله مصداقاً على كلامه، والآخر يُصدّقه بإيماءة رأس متكررة ولا يُطلب منه الكفّ عن القَسَم، وأنا ألتهي بتناول الفاصوليا متفادياً السردين ذي الرائحة النفاذة، ثم التدخين واستراق النظر الى السقف العالي للغرفة الكبيرة النظيفة متعددة الاستعمالات. لم يفهم الزائر الكثير مما قيل في حضوره. وأخذ يدرب نفسه طيلة السهرة على تذوق نبيذ أبيض ليس سيئاً ولا جيداً. تحدث الزائر قليلاً عن الطعام والشراب في بلاده.عن استخدام الرز، ورغيف الخبز المستدير، واللبنة، ومهروس الحمص، والمخللات. وسأل المضيف لماذا يحتفظ  بالقبعة الرياضية على رأسه في ساعات الليل، فأجاب بعد تردد ومع نصف ابتسامة: لإخفاء الصلعة، وخلع القبعة بالفعل وكشف عن رأسه العارية  من الشعر لهنيهة وأعاد القبعة، وكان مسوغاً على درجة من الإقناع.
في الطريق الى المزرعة عبرت السيارة العتيقة المكافحة دروباً ترابية وعرة متعرجة، طويلة ومعتمة، ما جعل سائقها يتشبث بالمقود بقوة لمنعه من الانفلات الى ذات اليمين أو الشمال، وقد أثنى الزائر على حنكة صديقه في سلوك هذا الطريق الصعب الذي لا تتخلله معالم مميزة خلا الأرض الزراعية، أو شواخص إرشادية، وكان من المحتمل أن تتعطل السيارة فجأة لأي سبب يتعلق بقِدمها وفرط استعمالها لكنها لم تخيب الرجاء بها، أو أن يفرغ البنزين منها فجأة إذ احتاج الوصول الى المزرعة الى قطع أربعين كيلومترا من قلب مراكش، لكن السيارة اقتصادية كما قال صاحبها. وكان الزائر يُمنّي النفس بأنه سيلاقي لدى الوصول ما يُعوّض وعثاء الطريق، وقد صادف لدى وصوله كلباً أشوس شديد النباح وشديد التقرب من سيقان الزائرين، واكتشف أنه يزور صديقاً حميماً  لصديقه منذ سنوات الطفولة،  وقد باعدت بينهما الأيام وأماكن الإقامة والعمل، وأنه انقطع فترة طويلة عن زيارة صديقه، وها هو يجدد اللقاء به بحيوية بالغة وشوق ظاهر مصطحباً صديقه الزائر، وهذا شاهد على ما يحدث. 
قبل انتصاف الليل، فرغت زجاجات النبيذ الأربع ( صديقي أحضر معه واحدة منها)، وسأل صديقي مضيفه في الختام إن كان ثمة مشروب إضافي، فأجاب سي محمد المضيف إن هناك زجاجة روم مغلقة، سرعان ما استلّها من أحد أركان الغرفة الفسيحة. بعد تردد وافق صديقي أن يجربها، وقد  اشتمّها بأناة وتذوقها بحذر ولم ترُق له، وسكب لي رشفة من الروم تذوقته متهيباً وكان مذاقه نارياً. لم يُفاجأ المضيف بالنتيجة، واحتفظ بقنينته كاملة. 
نهضنا تأهباً للمغادرة. الزائر شكر المضيف سي محمد كثيرا على تمكينه له مغادرة المدينة الحمراء الى الفضاء الريفي، والصديق السائق سي حسن شكر صديقه المضيف وجاره على الجلسة الأنيسة، وتبادلا كلاماً مازحاً ضحكوا له ثلاثتهم من قلوبهم.
  أخذت السيارة البيضاء المكافحة من نوع رينو سنة 1988 تزحف  ببطء على الطريق اياها التي سلكناها لدى القدوم. طريق وعرة بين أشجار حمضيات يحف بنا الكلب المثابر الذي يبطىء من عَدْوه كي يجاري زحف السيارة، وقد أثنى صديقي سي حسن على صديقه  كثيراً ..سي محمد الذي يُخلص للأرض وفلاحتها كما يُخلص لأصدقاء الطفولة، وبعد أن قطعنا نحو 150 متراً لاح لنا جسمٌ نحيل أبيض يتخايل على مبعدة أمتار من مُقدّم السيارة. 
سارعت بالقول،  وأنا أتدارك هبوط قلبي: ها هو. 
صديقي اندهش من فوره: ما هذا؟
 أجبته: إنه الشبح الذي أخبرنا عنه صديقك. وسألته: هل الكلب يمشي بجوارك؟
أجاب: نعم .
قلت أطمئن نفسي وأطمئن صديقي صاحب السيارة وسائقها: سوف ينبح الكلب الآن، ويتقدم نحو ذلك الشيء.
صديقي سي حسن أبطأ من سير السيارة وأوقفها، ثم أطفأ الأضواء الأمامية، وعاد لإشعالها مرتين بصورة متعاقبة للتأثير على الجسم الأبيض الذي أخذ يرفرف بذراعيه كأنما يود أن يطير وليته فعل، أو لعله يستوقف السيارة وهذا هو البادي والمؤكد. وقد احتفظ الكلب في الأثناء بهدوئه وتوجسه فلم ينبح ولم يتوتّر كما توقعنا. وقد تهيأ لي لحظتها تحت غفلة الارتباك أن الكلاب خلافاً للبشر لا ترى الأشباح!. كل ما فعله الكلب الحارس هو أنه تقدم بخفّة باتجاه الشبح، ووقف على مقربة منه بجواره، بهذا انضم للشبح على مبعدة أقل من عشرة أمتار ووقف قبالتنا مُشكّلاً مع الشبح سدّاً أمام تقدمنا.. صديقي سي حسن انتابه غضب قوي،  ولا شك أن إظهار الغضب هو أفضل وسيلة لإخفاء الخوف وربما تصريفه، أما أنا الزائر فكنت ضيفاً ولا يليق بضيف إبداء سخطه.  تقدّم سي حسن بالسيارة مجدداً فتقدم الشبح يحِفّ به الكلب خطوة الى الأمام نحونا. كان بياضاً في بياض، ويحمل شيئا في يده: عصاً أو قضيباً معدنيا يخفضه الى الأسفل ثم يرفع ذراعيه عالياً به. قلت لصديقي بصوت نجحتُ بصعوبة في إخراجه: اتصِل بسي محمد ، كَلّمْه. مدّ يده الى جيب بنطلونه.  سيقان صديقي السائق طويلة، والحيز الضيق للسيارة جعله يجلس في هيئة أقرب الى القرفصاء لم تسعفه في سحب الموبايل من الجيب المضغوط، فأخذ عِوضاً عن ذلك يخبط المقود خبطات عصبية يزعق معها صوت الزامور. وأنا الزائر لا استغرب ما يحدث، فقد كان يتعين كما يبدو أن نقطع طريقا وعرة طويلة في منطقة لا يعبرها إنسيّ، كي نواجه ما نقابله الآن. وأخذت أسأل نفسي إن كنت أعرف شيئا من فنون القتال التي انقطعت عنها منذ سنوات المدرسة الابتدائية قبل نصف قرن من الزمان. بينما يرسل صديقي  لعنات غيظ عنيفة لا أتبين كنهها. في غمرة لحظات التيه هذه تهادى الشبح الأبيض ،واقترب بخطى غير مسموعة .. هذا إن كان يخطو على الأرض ولا يطير على نحو منخفض، واتجه نحو صديقي السائق، الذي لم يفلح في ذروة ارتباكه بإغلاق زجاج السيارة، وقد خمّنت من جهتي إن الزجاج متوقف عن الحركة نظراً لقِدم السيارة، ووسط الذعر المكتوم خرج صوت نسائي رقيق ومجروح عن الشبح من وراء بُرقع أبيض: أين تذهبون بأمي، أريد أمي، أنزلوها  الآن من السيارة.
سي حسن وقد ارتجّ عليه داخَلَه قدرٌ من الطمأنينة بعدما تبين له أن الشبح كائن بشري. تنهد بصوت مسموع، ثم فتح باب السيارة بتمهل، ووقف في الخارج قبالة من كانت شبحاً قائلاً بصوت عالٍ: إبعدي من هنا. انصرفي.. هيا انصرفي، وشتمها بصوت زاعق. وهي تقف صامدة تلهث وتردد بصوت مبحوح وآسيان: إنزلوا أمي، لا شأن لكم بها. إنها أمي وليست أمكم. وأخذت تلوح وقد تراجعت الى الوراء بغصن شجرة تحمله، فيما الكلب يُطلق نباحاً شرساً على ساق صاحبي. لم يكن لدى الزائر في الأثناء ما يقوله أو يفعله، لكنه نجح في الخروج من السيارة، ووقف خارجها قبالتهم، ورمقها بنظرة متأملة مُحايدة فإذا بوجه صبوحٍ لها يشِعّ حُسناً ورواء وبراءة. وهي لمحت الزائر وأنعمت فيه النظر لهنيهات، وخاطبته بنبرة حزينة لم تفارقها النقمة: شعرك أبيض مثل شعر أبي.. أين تخبئون أمي؟، وعلى الأصوات المرتفعة تقدَم مضيفنا سي محمد مُهرولاً. واتجه نحو الفتاة الغاضبة، ومن خلال لهاثه خاطبها برجاء : ليسوا هم.. ليسوا هم، عودي الى بيتك. وانحنى وسط دهشتنا على رأسها يُقبّلها على عجل داعياَ إياها للعودة معه، فيما هي تردد: دعهم يُنزلونها من السيارة أولاً. أين يذهبون بها. وهو يكرر لها: ليسوا هم.. ليسوا هم، وأمسكها من ذراعها بلطف لكن بحزم عائلي، ومشى بها ببطء عائداً الى البيت قائلاً لصديقي: انتظرني.
 صديقي الذي ما زال في سورة الغضب لم ينتظره، وأقلع من فوره.
في طريق العودة قال صديقي كلاماً كثيراً متناثراً عن حياة الريف وعن صعوبة احوال ساكنيه، واعتذر لي، فاعتذرت له بدوري فقد أراد استضافتي بتعريفي على المزيد من الناس، وعلى وجه آخر للمكان، ولولاي لما حدث له ما حدث. وشملنا بعدئذ صمت مديد، أبحر كل منا فيه الى ذكرياته وهواجسه، وأخبرني قبل وصولي الى فندقي أنه سيتمكن من لقائي بعد غدٍ وليس في الغد، وذلك لدواعي عمله في المدرسة ولظروف عائلية. وقد هبطت غير مصدّق ما حدث لنا، وقد عزوت ما حدث الى الشراب الذي ربما لعب في الرؤوس وخَلَط المرئيات..
.....
اتصل سي حسن بعد يومين معتذراً بحرارة عن ظروف طارئة تحول دون لقائنا، وقد عذرته. في اليوم التالي غادرتُ مراكش عائداً الى بلادي مصحوباً بمشاعر طيبة جداً، وصور زاهية لأشخاص وأماكن ومواقف، تتوسطها صورة شبح أبيض.
وقد مضت سبعة أشهر قبل أن يكتب لي سي حسن رسالة قائلاً فيها إنه فشل في العثور على صفحتي في الفيسبوك، وأنه عثر عليها أخيراً بمحض الصدفة، وسألني اذا كنت ما زلت أذكر ليلة الشبح. وأفاد أن  سيدة  أرمل وفقيرة  كانت تعمل لدى مضيف تلك الليلة في مزرعة سي محمد، وقد اشتد المرض والإعياء على السيدة في إحدى ليالي الشتاء الباردة، وتم توصيلها بسيارة أحد الأصدقاء الساهرين وهي في النزع الأخير الى المشفى الذي لم تعد منه،  وأن ابنتها الوحيدة التي كانت في عهدتها، ابنتها ذات الأعوام الثلاثة عشر آنذاك قبل أزيد من ثلاث سنوات قد تبعت السيارة وهي تولول وتصرخ تريد أمها، لكنها لم تدركها. ومن يومها والفتاة ترتدي ملابس الحداد البيضاء، وتستوقف كل سيارة تخرج في الليل من المزرعة طالبة أمها ظانّة أن السيارة، كل سيارة تحملها. وأن سي محمد عجز عن تغيير هذه العادة لديها.. وأوضح صديقي سي حسن أن زياراته لصديقه سي محمد تتم غالباً في النهار يوم السبت أو الأحد .
فلما سألتُ سي حسن في رسائلنا المتبادلة لماذا لا يصحب سي محمد ضيوفه ــــ لدى مغادرتهم ـــــ الى مسافة كافية لمنع ظهور الفتاة الشبح، أجابني بأن السؤال خطر بباله وقد طرحه على سي محمد بطريقة ضمنية، وقد فهم بصورة ما أن للفتاة حظوة ودالّة على الرجل، وأنه يوفّر لها فرصة متابعة كل سيارة، وإيقافها تهدئة لخواطر الفتاة وإرضاء لها ... هي المتعلقة تعلقاً شديداً وكالأطفال بأمّها، وأن سي محمد لا يروقه الإفاضة في الحديث عنها، وأن أحداً من الضيوف لم يرها في بيت المزرعة بمن في ذلك هو (سي حسن)،  الذي يملأه فضولٌ لرؤيتها في حالتها الطبيعية، وقد زار المزرعة بعدئذ بضع مرات أثنى خلالها سي محمد  بصورة عابرة  لكن بنبرة  قاطعة على سجايا الفتاة وشمائلها.. فلما فاتحتُ صديقي بأن سيرة الفتاة ( لا اسم لها بالطبع!) ناقصة، أجابني من فوره: إن الحياة برمّتها، مهما اتسعت وامتدّت بالمرء.. تظل ناقصة.
 
* أديب وإعلامي من الأردن.