ليديا أو حديث اللهفة

Printer-friendly versionSend to friend
بشير ميلودي*
 
أنامل ليديا لا تعزف الجاز
حتى لا تختلق الأعذار لمريدي الحانة
بأن فصلا موسيقيا قادماً مع الربيع الباهر
وأن طرودا من الفرح ستوزع على منكوبي
القهر في هذه الأرصفة المكتظة بالبق
وأن سلات من الحلوى ستمنح للأطفال  الذين بعد لم يمرحوا ولم يلعبوا
ولم يجدوا وقتا بعد لاقتناص لحظة تأمل واهية
مدينة تلعب النرد
تعري نهديها لأصحاب الليل
تمنح الاورغازم للنصف الأخير من العقل
تبيح قبحها لئلا يفقه الكهول بما هو محيط
بهم من العتمة والضباب
الكلاب الضالة لا تعي ما يفعل هذا الشيخ الهرم أمام منزله
حين يخربش بعود حقير على الأرض فيرسم خطوطا عرجاء
مثل انحناءات مومس لزبون مراهق
لا يحسن (التخمين)
أو ربما لا يحسن الذهاب بمفرده إلى الجنة
رجل لا يسعى 
يذوب في دخان السجائر كلما أفاق صباحا
حتى لا يضطر للخروج مبكرا من كوخه فيقاتل في الطابور اللعين أمام المخبزة حتى يظفر برغيف ساخن لأطفاله الجوعى
يعلم أبناءه الصبر والتأمل في وجه أمهم البلهاء 
ففي تجاعيد وجهها حكمة الإنكا
وعلى ترهلات جبينها خلاص قريب او غريب
مومياء
ذئبة في مخيلة شاعر كادح
تقطع به الوهم عند انتصاف الرغبة
حين وأد شهوة عابرة
واعتلى جذعا ميتا 
ليمنح لقلمه النحيل الحياة
يطارد فكرة ما
ويربي في قلبه كلما مرت من أمامه
العشرات من التأوهات الخالية من الدسم
عثرت به فكرة
فهوى أمام خطوتها 
ليصير  في لمح العثرة خيطا من دخااان
ليديا تخرج من الحانة
منهكة لكن جذابة
تمر على كل الشرفات بمشية ثكلى
رائحة عرقهاااا بعد عناء
تنعش القرية
تزيد رغبة الناس في مضاجعة التأمل
والتأمل
والتوق إلى انعاش الرغبة على صفيح الحزن
القرية مصحة كبيرة
مضادات حيوية لأولئك الحمقى
الذين لا ينفكون يحشرون أنوفهم في شؤون  التلفاز
وأبراج الصحف الرخيصة
وتقاطع الكلمات 
ونقل أخبار الجارات 
وافتراش الطرقات ليلا
وتبرير أزمة انقطاع الكهرباء
ومصادرة كل ما يمت للوعي بصلة
فوق  مستوى الوعي
تصبح التراجيديا أكثر تمازجاً بعقل باهت
لندرك أننا ما انعتقنا من صلاتنا السيسائية لنجابه تفاقم القلق في معين ساخن
بل ربما ما زلنا نتجرع حسرة المضيق
وهوس المائدة المذهبة
وغواية جواري قرطبة الشقروات
ولحن أندلسني على مرأى غابات الرمان
يحيلك إلى الضآلة على حواف كأس من النبيذ الأسود
كلما تذكرت أن لك محرقة قادمة لا محال
أو كمن ينتظر حتفه وهو غارق في اللذات
بكل جنون الكون
لا تقرأ ليديا الشعر
ولا الرواية
ولا تجيد الرقص على أنغام الفلامينكووو
تحب الموسيقى كأبناء الكادحين
لكنها لا تعزف الجاز
حتى لا تنسى من أي عبث قذر جاءت
الموت رحيم
إنه الحلقة الأشهى في كل هذا الكون
يشبه الخلاص الذكي
لكنه يصبح عشوائيا أحيانا
ليساير فرضية الصدفة
(أومن يعش ثمانين حولا لا ابا لك يسأم)
الرصيف/المطر/الزلقة/الحافلة/النادل الأبله/بائع الفطائر الجشع/ وأنا وليديا
وعجوز نتنة تتلفظ بالكلام البذئ كلما مر رجل من أمامها وهي تشرب سجارة بدائية من عرعار 
شيخ طاعن في السن لا يزال ينفث  بصاقه من جراء كالة شمة وضعها بأحكام تحت شفته العليا ومضى يبحث له عن ظل
 
شرود المارة في سواد المدينة المتبرج
غموض يتكاثف في جرة المعنى
تحبل الطريق بي
فألقف ما في صرة الهباء
ليديا شرر في جسد لا يشيخ
عرافة أنبأت بسقوطي في هوة الكمأة
فانتبذت هناك لأقرأ من فيوض المستحيل
ما تيسر من حديث اللهفة
بشير ميلودي
 
* أديب من الجزائر،  والمنشور هنا مقاطع من قصيدة طويلة.