لماذا لا يُعتبر باولو كويلو كاتبا برازيليا؟

Printer-friendly versionSend to friend
ترجمة: صالح الرزوق*
 
لا توزع  كتب باولو كويلو، أنجح الكتاب البرازيليين المعاصرين، في الأسواق على أنها بضاعة برازيلية. ربما هذه النقطة هي أهم نجاح حققه كويلو: لقد عرف كيف يكون في نطاق التوقعات التي تميز مؤلفي البرازيل الوطنيين. واستقلالية كويلو بأرضه جعلت منه كاتبا برازيليا شهيرا خارج حدود بلاده. فقد ترجمت مؤلفاته لأكثر من 81 لغة ونشرت في 170 بلدا. وبيع منها ما يزيد على 120 مليون نسخة.
ويميز كويلو نفسه بوضوح عن سواه من المؤلفين البرازيليين. فكتبه لا تصوّر الجو الاستوائي الذي تتصف به كتابات خورخي أمادو، ولا العنف المديني الذي يتخصص به الكاتب، الأكثر مبيعا، وهو  باولو لينس مؤلف "مدينة الله" والتي تحولت لاحقا إلى فيلم سينمائي.
 
رحلة البحث عن الذات
أوائل مؤلفات كويلو ارتكزت على انطباعات شخصية مثل "رحلة الحج إلى سانتياغو دي كومبوستيللا" و" طريق سانت جيمس". وحينما صدرتا في الثمانينات، لم يكن هناك ما ينبئ بالنجاح الذي حازته "الخيميائي"، المنشورة في البرازيل عام 1988، والتي سرعان ما أصبحت الكتاب البرازيلي الأكثر مبيعا في تاريخ مهنة النشر، واحتلت رأس القائمة لأفضل المبيعات في 18 بلدا.
ولد كويلو في 24 آب عام 1947 في ريو دي جانيرو، ومر بعدة أطوار تقلب خلالها روحيا. فقد عاش في عائلة كاثوليكية، ولكنه عارض الدين منذ شبابه. وفي فترة الدراسة تناول العقاقير ومارس الطقوس. وبعد فترة عمل قصيرة بصفة مخرج لشركة تسجيلات في البرازيل هي  (CBS) قرر التركيز على الكتابة. وفي هذا الوقت عاد إلى العقيدة الكاثوليكية.
تراوحت اكتشافات كويلو، في الدين، بين التصوف والتوحيد. وقد استقبلها العالم الغربي بترحاب. وأصبح كويلو رمزا أدبيا في المجال اللاهوتي. وكانت الوصفة بسيطة وفعالة. لم يضيع الوقت في الترصيع اللغوي أو التحليل النفسي، ولكنه قدم للقارئ سردا مكتوبا بفنية عالية مع نصائح تشبه حديث النفس للنفس.
 
الخرافة المعاصرة
الناقد الأدبي إدلبير أفيلار، وهو أستاذ الأدب الأميركي اللاتيني في جامعة تولاين/ نيو أورليانز، لخص هذه الظاهرة بقوله: " أحضر كويلو جنس الخرافة وأدخله في الأدب التجاري الحديث". وتقليديا، طالما سحرت الخرافة القراء، لأنها بسيطة وسهلة الفهم وفي الوقت نفسه غامضة. وهذا هو حال المسيح في الإنجيل وكذلك منشدو القرون الوسطى.
ينشط كويلو في هذه المستويات الغنية: فكتبه لا يمكن تصنيفها كلها على أنها تعليمات ترشد الذات في طريقها، وهي تتجاوز حدود الأدب. لقد أفلحت أعمال كويلو في ضمان مكان لها في قائمة الكتب الأكثر مبيعا، وتحولت لطاولات نقاش في المؤسسة الأدبية البرازيلية.
 
الراهب العالمي
بعد سقوط جدار برلين، انحدر الاهتمام بأدب أميركا اللاتينية في كل أرجاء أوروبا، ولكن احتفظ باولو كويلو بمكانته واستمر واحدا من البرازيليين القلائل الناجحين تجاريا. وتجاوز مبيعات أهم كاتب برازيلي وهو خورخي أمادو.
يقول المترجم وأستاذ الأدب بيرتولت زيلي:" لا يصنف باولو كويلو بين أدباء البرازيل في الخارج. كويلو كاتب عالمي. ولو نظرت لثيمات كتبه، يمكن أن تبدو كأنها مكتوبة على يد مؤلف أوروبي أو كاتب من شمال أميركا أو مؤلف عربي".
ماذا يفسر نجاح كويلو في بلد مثل ألمانيا تغمره موجة من التشكك بالدين؟.
يقول أوليفير بريشت الذي ترجم للأمانية أعمالا معقدة لكتاب برازيليين مثل أزوالد دي أندرادي، إن نجاح كويلو يرتبط بالطموحات الكونية، مثل البحث عن معنى الحياة، والحقائق العامة، والمصائر الشخصية.
ومؤلفات باولو كويلو تتحرك أحداثها خلف السياق التاريخي الوضعي المتفق عليه. والحكايات تقع بين "طريق سانت جيمس" و"بادية الصحراء". إنها تعمل من أجل حركة إيديولوجية تفصل النجاح عن الظروف الاجتماعية، وتربطه بمشكلة الإلتزام الشخصي والمعتقدات الفردية.
هكذا تبقى أسطورة الرجل الذي خلق نفسه ككاتب بنفسه هي الخرافة الأكثر نجاحا على مستوى العالم..
 
* أديب ومترجم سوري ، والترجمة عن موقع دويتشة فيلة الألماني.