لطفية الدليمي في ملحمة سردية عن أربعة أجيال محطمة في العراق

صلاح حسن

في ملحمة سردية طويلة وشاقة، عنيفة وحزينة، تعود بنا الكاتبة المبدعة لطفية الدليمي إلى بداية القرن العشرين، قبل سقوط الامبراطورية العثمانية بقليل ودخول الجيش الإنكليزي لاحتلال بغداد وتختار احدى العوائل البغدادية الثرية التي كانت تعمل مع الوالي العثماني حتى دخول الغازي الأميركي عام 2003. أربعة أجيال تتقاطع مصائرها أحياناً وتتشابه كثيراً، وتمتزج فيها دماء من عروق كثيرة خلال قرن من الزمن يتغير فيها الزمان والمكان والمصائر، ولكن في النهاية وطيلة هذه السنوات العجاف يبدو أن الشخصية العراقية لم تتغير إلا قليلاً.

تبدأ الرواية بالشخصية المحورية فيها نهى الكتبخاني وتنتهي بها لأنها تمثل أكثر من دور في هذه الأحداث الطويلة وتقوم بدور الراوي أثناء تدقيق مذكرات عائلة الكتبخاني التي تمتد إلى قرن من الزمن، كتبها أكثر من ثلاثة أشخاص يمثلون أجيالاً مختلفة من هذه العائلة وهي تمثل تاريخ العراق الواقعي والمتخيل والحافل بالأسرار في آن واحد. تفشل نهى في الحصول على الإقامة في فرنسا وفي الوقت ذاته تصلها رسالة من أخيها وليد يرجوها العودة إلى بغداد بعد مرض أبيها الذي ينهي حياته خلال شهور قليلة.
لم تستطع نهى رد طلب والدها بعد عودتها إلى بغداد في مراجعة المذكرات واعادة طباعتها على الكومبيوتر خصوصاً أنها تعود إلى جده صبحي الكتبخاني الشخصية المحورية الثانية في الرواية ويمثل محور الخير والعدالة والحرية ورفض الاحتلال العثماني والإنكليزي، مقابل والده اسماعيل بك التاجر الجشع الفاسد وأخيه نشأت الذي سار على خطى ابيه في كل شيء. أثناء تفحص وتدقيق المذكرات تخبرنا نهى عن تاريخ العراق خلال قرن من الزمن عبر مذكرات جدها الكبير صبحي الكتبخاني، وهي حيلة وتقنية سردية لجأت لها الكاتبة للتخلص من التكرار والفلاش باك، خصوصاً أن الرواية تقع في أكثر من 500 صفحة.
عبر 12 فصلاً هي حجم الرواية، تحاول الكاتبة لطفية الدليمي جمع المتشابه والمتفرق من الاحداث التي مرت على العراق خلال فترة الاحتلال العثماني ومن ثم بعده الاحتلال الإنكليزي وتقارنه بما يحدث اليوم بعد الاحتلال الأميركي خلال عام 2003. في المحصلة النهائية نجد أن الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية تتكرر في أوقات مختلفة خلال القرن الذي تتحدث عنه الرواية وأكثر هذه الأحداث تتعلق بالعنف الذي مورس على المواطن العراقي وعلى المرأة بشكل خاص من قبل المحتل والحكومات العراقية المتعاقبة حتى هذه اللحظة.
الاضطهاد الممنهج الذي كان يمارس على حرية المرأة في زمن الامبراطورية العثمانية والذي كان يدفع النساء إلى الانتحار يقابله اليوم اغتيالات للنساء في وضح النهار وفي شوارع بغداد لأنهن يرفضن وصاية الاحزاب الاصولية. هذا الوضع أجبر بطلة الرواية نهى الكتبخاني إلى الهرب إلى فرنسا خوفاُ من الاغتيال، لأنها امرأة عصرية ومثقفة وتمثل الصوت الحقيقي للمرأة العراقية الحرة. وعندما نقارن حياة صبحي الكتبخاني بحياة نادر الفيزيائي سوف نجد تماثلاً أو تطابقاً شبه كامل بين حياتيهما على رغم فارق الزمن الذي يمتد إلى مئة سنة كاملة، فقد اختار صبحي العزلة والكتابة بسبب العنف والفساد مثلما اختار نادر العزلة والبحث في مبتكرات علم الفيزياء، ومثلما جاء الاحتلال البريطاني بالتجار واللصوص إلى حكم العراق، جاء الاحتلال الأميركي بالقتلة والخونة لتسلم السلطة ليبقى العراق ساحة للقتل على الهوية.
يمكننا أن نورد الكثير من الأمثلة عن تشابه الحالة السياسية والاجتماعية في العراق عبر قرن كامل من السنوات، حيث تحاول الرواية أن تذكرنا بذلك في كل فصل من خلال الشكاوى التي يطرحها أبطال الرواية في كل حوار في ما بينهم تقريباً، سواء كان ذلك على لسان صبحي في الفترة العثمانية أو على لسان نادر في أيامنا هذه.
منحت الروائية لطفية الدليمي في روايتها هذه كما هي حال روايتها السابقة «سيدات زحل» المرأة أدواراً إيجابية كبيرة وضربت أمثلة كثيرة عن بطلاتها السابقات واللاحقات في التحمل والجلد ونكران الذات وقوة الشخصية والابداع في الكثير من المجالات. وفي المقابل، حملت الكثير من أبطالها الرجال مسؤولية خراب البلد من خلال مشاركة الغازي بالظلم والفساد تارة، وتارة أخرى بالضعف واللامبالاة، بالصمت عما يحصل أو بالانسحاب من الحياة والعزلة.
لا بد من ذكر «بنفشة» جدة نهى الكبرى، الصبية المختطفة والمغتصبة من قبل اسماعيل بك والد صبحي ومقارنتها بنساء اليوم من أقران نهى وما يحصل لهن في شوارع بغداد من خطف واغتصاب واغتيال وسبب اختفائها من حياة صبحي الكتبخاني زوجها وحبيبها في شكل مفاجئ. تكتشف «بنفشة» أن اسماعيل بك الذي اشتراها من خاطفها وقام باغتصابها عندما كانت صبية في عمر الورود كانت قد أنجبت منه ولداً سيكون أخاً لصبحي زوجها.

الصنعة الروائية والخبرة هما اللتان دفعتا بالروائية الكبيرة لطفية الدليمي إلى تأجيل الكشف عن هذا السر الخطير في نهاية الرواية لكي يتضح الكثير من الأحداث الغريبة التي ظلت غامضة طيلة فصول الرواية الاثني عشر، وقد نجحت في ذلك من دون أن تضطر إلى استخدام حبكات مرتجلة تضر بالرواية وسياقاتها السردية المحكمة.