كشف القناع عن أسئلة الذات في رواية الشاوي "بستان السيدة"

مريم الجنيوي*

يقول تولستوي : " كل الإجابات تكمن في داخلك ، أنت تعرف أكثر مما هو مكتوب في الكتب ، ولكي تتذكرها يجب أن تقرأ ".
أن تمارس القراءة هو أن تقبل أن يأخذك الكاتب  إلى شواطئ المتعة والموت ، فالقراءة كما يقول رولان بارت وحدها تعشق الأثر الأدبي ، فأن نقيم معه علاقة شهوة ، نقرأ معناه أن نشتهي الأثر وأن نرغب أن نكونه .
أشار عبد الفتاح كيليطو إلى أن لكل قارئ تفسير أو تفسيرات لا حدود لها ، تتحكم فيها سياقات تاريخية واجتماعية وثقافية ، تختلف عن سياقات الآخرين، حيث قال : " فالقارئ يقرئأالنص انطلاقا من اهتمامات تخصه، أو الجماعة التي ينتمي إليها، القارئ يهدف دائما إلى غرض يسعى إلى إثباته " ، وبهذا المعنى تتحقق متعة القراءة ، عندما تنشأ تلك العلاقة المتينة بين النص والقارئ ، من خلال ذوبان كل منهما في الآخر .
ومن هذا المنطلق تأتي هذه القراءة في رواية  بستان السيدة" لعبد القادر الشاوي .
تتميز الرواية بنوع من التقابل ، بين بنية المؤلف والسارد ، إذ نلمس تناوبا ما بينهما ، في التعبير عن أحوال ومواقف الشخصيات داخل الرواية ، فهما بمثابة أقنعة ، ويبدو من خلال أسلوب السرد التناوبي ، أنهما يشكلان صورا متعددة لشخص واحد . لقد عمدت الرواية نمطا تقريريا ، تولد عن انشغال الكاتب بعالم التراسل ، الذي بعث فيه نوعا من الحماس ، استثمره في كتابة رواية تنبني من حيث الشكل على التواصل ، علها تنفث في عالمه الوجداني ما ينقذه من اليأس والإفلاس المعنويين ، اللذين استبدا به حسب تعبيره ، فقد اعتمد الكاتب في تشييده صرحا روائيا ، يتسم بنوع من التعقيد ؛ على عدة مستويات لغوية ودلالية ، أبرزها اللغة والاستيهام والتخييل ، مما جعل بنية الرواية شبه مغلقة .
" بستان السيدة " العنوان المضيء  لعتبة القراءة الأولى، تقدم كنص مكثف، اختزل هذا العمل الروائي بأكثر من طريقة، فالبستان هو الذي احتوى كل أوضاع  البطلة حنان وهفواتها ، من حزن وألم ووحدة ، فقد تقلبت حنان الداودي في أطوار وتجارب ، انتقلت من ضفة إلى أخرى، ومن تعقد إلى تحرر، فشخصيتها متناقضة ،تعيش التناقض بين عوالم اجتماعية ووجودية ، فهي مثقلة بحمولة ذهنية ذكورية  إن شئت، مقابل أنثوي لشخصية ذكورية .
وفي المقابل فإن شخصية سعد  تعيش في وضع ممض وقلق ، تعاني من انعدام الاستقرار، تسيطر عليها أفكار مؤرقة كالعدم والاستحالة. إن العلاقة بين سعد وحنان ظاهرها ملتبس عاطفيا ، وباطنها استعداد للبوح بعاطفة معينة من كلا الطرفين ، حيث إنها كانت مجرد حلم ، فهما لم يلتقيا أبدا ، فهي علاقة افتراضية عن طريق التراسل ، انتهت حنان إلى الانتحار ، وظل سعد في العدمية .
وبالنظر إلى علاقة الحب التي جمعت بين حنان الداودي وكريم السعداني ، فإن مستوى اللاتوازن في هذه العلاقة، قد أدى إلى خصام طاحن بين جسد حنان وروحها ، فجاء الانتحار كرد فعل مازوخي ضد ذاتها ، ومجازيا كنهاية لعلاقة افتراضية.
إن السرد الروائي هنا ، بقدر ما يحكي آلام الشخوص ومعاناتهم الداخلية ، فإنه يفسح المجال على مصراعيه للذات الراوية ، بأن تطرق عوالم وثيمات معينة ، خاصة ما يتعلق بثيمة الألم الحاضرة في الرواية ، والنابعة من عمق ذوات الشخصيات ، تتشظى هذه التثمة إلى أفكار وتأملات ومواقف ملتبسة ، تقول أستاذة علم النفس نانسي هيوستن : " الفن في ذاته ، وربما الأدب بوجه خاص ، رفض للعالم القائم ، وتعبير عن النقصان ، وعن قلق الوجود ، فمن يشعرون بالراحة لأحوالهم ، ويعشقون الحياة عموما ، ويرضون عن حياتهم خصوصا ، لا يحتاجون أبدا لاختراع عالم مواز عن طريق الكلمات " . 
ولعل مجرد البوح هو تخفيف من الضغط النفسي، الذي يقرفص على الذات، ويحجب عنها هواء التحرر والانعتاق ، ويمنع عنها الضوء .
كما اقتحمت الرواية خطوطا حمراء لثيمة الجنس، بأن جعلت الطابوهات والمحرمات موضوعا للنقاش والتساؤل ، مما يدل على أن الكتابة الإبداعية تخلصت في هذه الرواية ، من رقابة قد لا تفصل بين واقعي ومتخيل ، أو ممارسة فهم خاطئ لنصوص إبداعية .
أما عن ثيمة الجسد ، فما أقسى أن يصل الجسد إلى مستوى اشتهاء الموت ، وكراهية الحياة ، إنها أشد اللحظات مأساوية في تاريخ الشخصية الروائية، التي تصل درجة لا تطاق من الحيرة والمعاناة ، أنذاك يصبح الموت خلاصا .
 لقد شكّل الروائي نسيجه من صميم مادة جديدة ومواكبة للعصر، فانشغاله تخييلي صرف أكثر منه أسلوبي ، فقد حور مادته بشكل جعل منه عملا بروح جديدة ، يتضمن أسئلة مغايرة تتماشى مع متطلبات العصر ورغبات الإنسان الحالي ، بهذا غدا النص حقلا ورشيا ، جرّب من خلاله الكاتب تصورا تقنيا ، ينم غالبا عن وعي نقدي .
إن رهان الكتابة في رواية " بستان السيدة " ، هو كشف القناع عن أسئلة الذات ، وكسر الحواجز تطلعا نحو استنطاقها، لأن تصحيح المسار البشري وأحواله  رهين بمعرفة ما يقض مضجع النفس البشرية ، وما يقلق وجودها الأنطولوجي . 
 
* كاتبة من المغرب.