"قطفُ الزَهْرَة البرِّيَّة" وأسْطرةُ الواقِع

Printer-friendly versionSend to friend
د. إبراهيم خليل*
 
تعتمد رواية جمال أبوحمدان "قطف الزهرة البرية" (2002) على حكاية يمكن أن نطلق عليها وصفا يذكرنا بالقصص البوليسي وهو " لغز الفتاة المختفية " وهي تذكرنا ببعض الحكايات الشعبية التي تدور حول اختفاء الشخصية ثم البحث عما يفسر ذلك الاختفاء، وإضفاء المزيد من التغيير، والتحوير، لتبدو الحكاية من بدايتها إلى النهاية من مُتخيَّل المؤلف، ومن نسجِهِ السردي، ولا علاقة لها بأيِّ حكاية شعبيَّةٍ مأثورة، أو أسْطورة مرويَّةٍ مشْهورة. فالفتاة التي يُطلق عليها والد الراوي اسم "الزهرة البرية" من أسْرةٍ كانتْ تعيش في منزلٍ قديم، عتيقٍ، منعزلٍ، يتربَّعُ على رأس تلَّة مشرفةٍ على القرية، تحيط بهِ حديقةٌ مزْهرَة.
وهو منزلٌ لا يقيمُ فيه سوى الفتاة، وأخيها، الذي يَعْرف القارئُ، لاحقاً، بأنه ليس أخًا لها في الحقيقة. وأمّا الأبوان – على افتراض أنهما أبوان حقيقيّان- فقد رحلا من البيت في ظُروفٍ غامضةٍ، تزيدها قطراتُ الدمِ المتناثِرَة في المكانِ غُموضًا على غُموض. وثمة روايةٌ يتداوَلُها أهالي البلدةِ عن الأبِ، وأنه جاءَ من الصَحْراء، وأنَّ الأمَّ جاءَتْ من البحر، وأن الفتاةَ اختفَتْ، لأن أخاها قتلها ببندقيَّةِ والدهِ، فيما يمكن أن نعدَّهُ جريمةَ شَرَفٍ:" رأته.. فارسًا على جوادٍ أبيض. نظرتْ إليه، فنظرَ إليْها. وأومأ لها بالتحِيَّة.. فأومأتْ إليهِ بردِّ التحيَّة. ابتسمَ لها فابتسَمَتْ لهُ.. لولا رصاصةٌ مَرَقَتْ بينهما، وفجَّرت الدماءَ على حافَّة شفتيْها .. أما الفارسُ، فارتدَّ مذْعورًا، وانطلقَ بجوادِهِ نحوَ الغرْب، ليختبئ في جوْفِ الليل.. لحظة هوى جسدُها وسَطَ الحقْل.. وغطَّته الأعشابُ، والأزْهارُ البريَّة " (1).
على أنّ هذه الرواية عن مصرع الزهرة البرية تكذِّبُها رواية البحَّار التي استمَعَ لها الراوي بنفادِ صبْر " إذا كانت ماتتْ، فلا بدَّ أنها ماتتْ غرقًا في البحْر. بين طيَّات الموْج الذي كانتْ تحبُّه.. وأدْركَ البحَّارُ أن روايته هذه ليست مُقنعَةً لي ..(2) "وتفنِّدُ هذه الروايةَ روايةُ الفارس الآتي من غُبار البيْداء، مؤكدًا أنَّ القبْر الذي يتحدَّثُ عنه الراوي، على الرغم من وجودِهِ، إلا أنها ليْسَتْ فيه، ورواية الأبِ وليدةُ الخيال، وكذلك رواية البَحَّار متأثرةٌ بلا ريْبٍ بالأساطير. أما روايَة ابن الصحراء، فلا أسْطورة فيها، وهي أقرَبُ للواقع، فقد زَعَمَ هذا الصحراويُ أنه رفَعَها بيَدهِ إلى ظهْر جواده، وأرْدَفها وراءَه، منطلقًا بها إلى جوْف البيْداء، مدعيًا أنها هيَ التي خطَفَتْه، وليس هو الخاطِفَ. ويختتِمُ الصَحْراويُ روايتهُ هذه بتأكيده: " إنْ لم تكن ماتتْ في جوْفِ الصحراء، فإنها حيَّةٌ هناك.. امرأةٌ.. أوْ .. واحَةٌ.. أوْ ما لا أدْري (3) " وممّا يزيد هذا اللغزَ غموضًا أنَّ منْ يُدْعى شقيق الفتاة سلَّمَ نفْسَه للشرطة بصفتِهِ قاتلَ أخْتِه، وحوكِمَ، بعد السِجْن، وبُرِّئَ من تلكَ التُهْمَة، على الرغم من اعْترافِهِ، وهذهِ التبْرئةُ، في رأيه، ظلمٌ، لا يعْني إلا شيئًا واحدًا، وهو أنَّ دَمَ شقيقتهِ ذهبَ هَدْرًا.
وإزاءَ هذا الغُموض، يقوم أربعة من رفاق الراوي بمغادَرَة البلدةِ، كلُّ في اتجاه، بحثًا عن الفَتاةِ. لكنَّ رحلتهُم التي لن تطول كثيرًا لا تُسْفر عن نتيجَةٍ،  وعندما يعودون يطلبون من الراوي أن يحدِّثهم عَنْها ، فقد يكونُ في غيابهِمْ قد توَصَّل لما هو جديدٌ: " لا تقلْ إنها قُتِلتْ. ودُفنت. فقد هُيئَ لكُمْ ذلك. ولا تقل إنَّ البرية اخْتطفَتْها. أوْ البحر. أو الصحراء. فكلُّ هذه أقوالٌ سمعْناها، ولم نصدِّقْها، ولنْ نصدِّقها.. جئْنا لنَسْمعَ منكَ أنتَ...(4) " .
وهذا يوحي للقارئ بأنّ ما يأتي من متوالياتٍ سرديَّة عن اختفاءِ الفتاة، بُعيْدَ هذا الحوار، هو ملفوظُ الراوي. وهذا صحيح. على أنَّ الفَصْل الموسومَ بعِنْوان " الفَجْر " يعودُ بنا لبداية الحكاية، ورؤية الراوي للفتاةِ، ونهْيها إياهُ عن اقْتلاع الزَهْرة البريَّة كما أوْصاهُ أبوه. فهي تحبُّ الزهور البرية، ثم تتواصلُ مرْوياتُه عن اللقاءاتِ المتكرِّرَة بينهما، وعن قطفهِ وردةً قدَّمها لها هدية ذاتَ صباح، فقبلتها، قائلةً " لا أحبُّ قطْفَ الزهور (5) " وتظلُّ الفتاةُ تراقبُهُ منَ النافذة، وهو يواصل عمَلَه في الحديقة المزْهرَة. ويعْهَدُ إليه من يوصفُ بأخيها بحراسَة البيت، وتفَقُّده في غيابه، لأنَّ مَنْ تُسمى أختَهُ لم تتعوَّد البقاء فيه وحيدةً في أثناء غيابهِ: " اسمعْ. مُضْطرٌ للتغيُّب هذا المساء عن البيْت. وأنتَ ترى.. بيتُنا مُنْعزلٌ، ووحيدٌ على رأس هذا التل. وما اعتادتْ أختي أنْ تبْقى وَحيدةً. فأرجو أنْ تبْقى الليلةَ ها هنا تسْهَرُ في الحديقةِ.. وإذا أردْتَ النوم، هناك فراشٌ نظيفٌ، وجاهزٌ، في الغرْفةِ الصغيرة قرْبَ البوَّابة... وقبْل أنْ أنطقَ بالموافَقَةِ.. كانَ قد اسْتدارَ، وابْتَعَدَ ثانيَةً إلى بابِ البيْتِ، واخْتفى فيه ..(6) ".
بين الرغبةِ في قضاء الليْل في الغُرْفة، والسَعْي لمعرفة الجواب عن أسْئلته الملحَّة: أين ذهبَ الذين كانوا يَعْمُرونَ البيت (7)؟ يداهمُه خوفٌ غامضٌ في ليْل المكانِ الموحِشِ. ثم إنَّ الفتاة (الزهرة البرية) تقتَحِمُ عليهِ الغُرْفَة فيما كان مُلتذًا بمُلاوَة من الكَرى " على أبوابِ الكرى أحسَسْتُ ببابِ الغُرفة يُدْفعُ من الخارج. فيَنْفتِحُ. وكانتْ هي تقفُ بكلِّ بهائِها الليليِّ على الباب.. قويَّة، صلْبَة، مُتماسِكة (8) ". ويقعُ عرْضُها المشاركةَ في الغرفةِ وقوعَ الصاعِقَة عليْه (9): " نحنُ اثنانِ الآن.. وفي داخلِ البيتْ متَّسَعٌ لكليْنا . وإن نَعِسْتَ لكَ مكانٌ تنام فيه . تعال (10). " 
 
تساؤلاتٌ
وتعاودُ الراوي نوْبةُ التساؤلات. ويتذكرُ رواية البحَّار غيرَ المقْنِعَة، ورواية الفارس الصَحْراوي، وحكاية الوالديْن اللذيْن جاء أحدهما من البحر، والآخرُ من الصَحْراء (11) والابنة التي جُبلت من زبدٍ وسَرابٍ.. ومن اصْطخابِ الموْج وبرودة المياه .. ومن لسَعات الرمالِ الممْتدَّة.. وزرقة السماء الشفيفَةِ البَعيدَة.. هكذا يراها الراوي، ويصفُها لأبيهِ (12) فالحوار بين الراوي وأبيهِ يوحي لنا باتّقاد شرارة الحبِّ في فؤاده، فقد بدأ يجنح للعِشْق، والتعلُّقِ بالزهرة البرية تعلقًا لا يقلُّ عن تعلقِ رفاقِهِ الأربعة الذين غادروا البلدة للبَحْث عن الفتاة مثْلما يدَّعون(13).أما الأبُ، فلمْ ينكر أنه في يومٍ ما تشهَّى التواصل معها في مخْدعِ حبّ، مع أنَّه لا يتعدّى كوْنَهُ بستانيًا مأجورَا " اشتهيتُها لنفْسي، وفي قَلْبي .. وما أفصَحْتُ.. وما دريْتُ إنْ كانتْ عَرَفَتْ باشْتهائي .. اذْهَبْ أنتَ بدلاً منّي (14) " 
بعد ذلكَ يلْتقيان، الراوي والفتاة، في جوٍّ يكتنفُهُ ضَبابٌ شفيفٌ " كانت تقفُ وَسَط ضوءٍ باهتٍ ينفثُه داخلُ البيتِ خارجًا .. كَرَبَّةٍ خارجَةٍ للتوِّ من رَحِم أسْطورةٍ لمْ تروَ منْ قبْلُ (15)".
بُعيْدَ ذلك، وفي جوٍّ يملؤهما بالهوَس، والجنون، منحتْهُ جَسَدَها دون الروح " أنتَ تريدُ جَسَدي ، أما روحي فلنْ تقوى عليْها إلا بالاغْتصاب، فهلْ سَتَغْتَصِبُني؟ (16) " وفي ذرْوة النَشْوة تتَفتَّحُ وردةٌ وحشيَّة قانيَةُ الحمْرة، وتتَّسعُ، وتمتدُّ، حتى تضمَّهُما معًا.. وإذا بمنْ هوَ أخوها يقفُ بينهما مُصوِّبًا بندقيَّة أبيه إليْها، وهي تقولُ: " تقدرُ الآن أن تقتلَني . تقتلُ فتاةً بلا بَكارَةٍ.(17) " ذلك كانَ آخرَ عهْدِهِ برؤية الأخ قبل أن يراه أخيرًا تحت الشَجَرةِ بعد خروجِهِ منَ السجْن. وكانتْ آخرَ ليْلةٍ رآها فيها ، أما النَهاُر فلَهُ شأنٌ آخَر (18). " 
وَتُتاحُ للراوي- في الواقع- رؤيتُها مرَّةً أخرى، في المكان نفسه، عند شجَرةِ الورْد. شجرةُ الوَرْد التي سبق لهما أن تجاسَدا في ظلالها الوارفة. ولكنَّه، في هذه المرة، تجاوز امْتلاكَ الجسَدِ إلى الطمع بالاسْتحواذِ على الروح، وهي – أيْ: الروحُ – تتأبَّى عليْه، يقول: " أريد روحكَ " فتردّ " ما جَدْوى أن تغتصِبَني الآن؟ وقد قبِلْتَ مِنْحَتي (19) " وبتأثيرٍ منْ جُنون الرغبة في امتلاكِ الروح، طرحَها بعنفٍ على التراب، وراحَ يَضْغطُ بيديْن حديديَّتيْن على العروق البارزة في العُنق، وظلَّ يضغط.. ويَضْغطُ بلا رحمة حتى شهَقَتْ.. ثم تراخَتْ.. وراح يتأمَّلُ سُكونها الأبديَّ . ثم حفَر لها قبرًا على عَجَل، ودَفَنها فيه، وبعد تسْويته للتراب، عادَ إلى المنْزل، ليفاجأ برؤية البندقيَّة التي قيلَ له: إنها الأداةُ التي قُتلتْ بها الفَتاة " الزهرة البرّيَّة " فما كانَ منه إلا أنْ غامَ بَصَرُه، وأغْمَض عيْنيْهِ، وترك نفسَه نهبًا لرؤى غريبةٍ تملؤُه (20).
مثل هذه الحكاية تقوم على مخطَّطٍ سرديٍّ دائري، فما بدأتْ به، وهو التساؤل عن اختفاء الفَتاة، تنتهي به، أيْ: بالسؤال نفْسِهِ، فما هي حقيقةُ هذا الاخْتفاء؟ تبدي الأحداثُ المتتاليَةُ قناعة الراوي- الذي يقوم أيضًا بدوْر البطل في الحكاية- بأنَّهُ هو من قامَ بخنق الفتاةِ بيديْهِ، ودفْنها في قبر حَفَرَه وسوَّاه، فيما يَسودُ الاعتقاد بخلاف ذلك. وتُتَخَذُ البندقية دليلاً لا يُفند في إثباتِ الجُرْم، وأنَّ منْ هو في منزلة الأخِ هو القاتلُ، فيما يعود الأربعة الذين توجَّهوا للبَحْثِ عنها بخُفَّيْ حُنيْن، وهمْ يُنكرون جلَّ ما يجري تناقُلهُ منْ رواياتٍ.
 
أجواءٌ مشْتركَة
وما يفصلُ بيْن كتابةِ جمال (أبو حمدان) روايته الأولى " الموتُ الجميل "(منتصف كانون الأول – ديسمبر 1993) والثانية لا يتعدَّى بضْعَة أيام، فقدْ ذكر في نهاية الروايةِ أنَّه فرغَ من "قطْف الزَهْرة البرية" في النِصْف الأوَّل من كانون الثاني(يناير) 1994. وفي هذا تفسيرٌ لذلكَ الانطباع الذي يُداهمُ القارئ عن وحْدةِ الأجْواء، وَالمناخاتِ النفْسيَّة، والوجْدانيَّة، التي تُغلِّفُ الروايتيْن، فضلا عن التجانُس في طرائق السَرْد، وفي النسيج اللفظي، وفي وُجوهٍ من الشبَهِ لا تفوتُ القارئَ ملاحظتُها. فهو يُكرِّر الحديث عن الدرْبِ مثلا، ويوشكُ أنْ يُكرِّر الحديث عن الدار المهجورَة، التي كانت عامِرةً بالآهلين، ويكرِّرُ الحديثَ عنْ الأب الذي تستخفُّهُ روايةُ الأخْبار، والحكاياتِ، عن القريةِ، وعن الناس الطارئين عليها من الصحراء، ومن البَحْر، في شيءٍ من التذكير بالجدّ، في رواية " الموْتِ الجميل ". والفتاةُ التي سماها الزهرة البرية تقابلُ الفتاةَ المسمَّاة فتاة النيون. علاوةً على أنَّ التشابُه يتجلى أيضًا في تجاهل الكاتب لتَسْمِيَة الشُخوص، والأماكن، في الروايَتَيْن. ولا نسْتَبْعدُ أن يكون هذا التشابهُ قد تنبَّه إليهِ المؤلفُ؛ فقد جاءَ على لسان الراوي (الابْن) الذي يشبهُ الراوي الحفيد في روايته الأولى قولُهُ: " إنه بحثَ عن ميراثِ الذين نأوْا، فلمْ يجدْ في أكْفانهم ناصعةِ البياض غيرَ قصائدَ ممزَّقةٍ عن "الموْتِ الجميل " وهذا هوَ عنوانُ الروايةِ الأولى. (21) 
وتزيد الأمرَ وضوحًا تلك النفحاتُ الشعْريَّةُ التي تسْترعي الانتباهَ، في المتواليات السرْدية عمومًا، وفي الحوار، الذي يجري بين الراوي والزهرة البرية خاصَّةً، عدا عنْ تلكَ المقاطع التي يَسْتهلُّ بها بعضَ الفُصولِ منْ حينٍ لآخَرَ، فهْيَ لا تختلفُ عن الشِعْر إلا بافتقارها للوَزْن. ومصْداقُ ذلكَ هذا المقطَعُ الذي يستهلُّ به فصْلا بعنْوان الصَباح:
المرأةُ التي ترْنو إلى الوَرْدة، كاملةُ التفتُّح
الوردةُ التي تميلُ على المرأة، كاملةُ التبَرْعُم
الوردة ُماضي المرأة
المرأةُ مُسْتقبَلُ الورْدَة
بينَهُما حاضرٌ مفْعَمٌ بالأسى (22)
ومن وجوهِ الشَبَه التي تخيِّم على الروايتيْن شغفُ الراوي الدائِمُ في تحرّى الخفايا، والأسْرار، التي تلفُّ البيتَ القائم على التلة بالغُموض، تمامًا مثلما يتوقُ الراوي الحفيد في الرواية الأولى لمعرفة أسْرار الدّار المهْجورَة، ولمَ هيَ مهْجورة. وكلَّما سأل الراوي الزهرة البرية عن ذلك، زعَمَتْ أنَّ والده هو الذي لديه الجواب. وكلَّما سأل والدَهُ عن ذلك، لاذَ هذا الأخيرُ بالصَمْت. أما إذا تكلَّم، فإن كلامَهُ يذكرنا بالجدِّ في "الموت الجميل": " أزاحَ عُكَّازهُ، واسْتوى في جِلْسَته، وقال: ويلَكَ! ألا ترى أنَّني أحدثُكَ عنه؟ أنتَ تفقِدُ إدراكَك. (23)" .
ومن الأشياء التي تتكرَّرُ في الروايتين البندقية (24). وأما الفارقُ الكبيرُ بينهما، فنجدُهُ في الاتِّصال الشَبَقيّ بين الراوي والزهرة البرية، وما يتخلَّلُ سرْدَه عن هذا الاتّصالِ من مشهَدٍ شعريٍّ متَّصل يُمسِكُ بأنْفاسِ القارئ من بدايته إلى منتهاه (25). وعلى الرغم من أنَّ ذلكَ هو آخرُ عهْده بها، إلا أنه يلتقيها مرة أخرى، لكنَّها تلاقي حَتْفَها خنقًا على يَدَيْه. في الوقت الذي يدَّعي فيه أخوها- وهو ليْس أخاها فعْلا- أنه قتَلها، بعيارٍ ناريٍّ بُعَيْدَ أن رآها تتحدَّثُ إلى فارس يمْتطي صهْوَة جَوادٍ أبْيَض.
ومن هذه الإشاراتِ يتَّضحُ لنا أنَّ " الموت الجميل" هي القاعدةُ الأساسيَّة التي انبثقت منها رواية "قطفُ الزهْرَةِ البرِّيّة"، والحديثُ عن هذه الرواية، إذا أريد بهِ التفصيل، سيَتَضَمَّنُ - بلا ريْب - الكثيرَ من التكْرار، والإحالاتِ للروايَة الأولى، لذا لا يُقلِّل اكتفاؤنا بهذه الإشارات عن قطف الزهرة البرية من قيمتها الروائية، ولا منْ موْقعِها في مَشْروع الكاتِبِ الإبداعي.
 
الهوامش:
أبو حمدان، جمال: قطف الزهرة البرية، ط1، دار أزمنة، عمان، 2002 ص  ص14- 15
قطف الزهرة البرية، ص 17 
المصدر السابق، ص 20
السابق، ص 26 
السابق، ص 33
السابق، ص 36 
السابق، ص 39 
السابق، ص 42 
السابق، ص 43 
السابق نفسه
السابق، ص 54 
السابق، ص 55 
السابق، ص 66- 67 
السابق، ص 73- 74 
السابق، ص 75 
السابق، ص 81 
السابق، ص 83 
السابق، ص85
السابق، ص 87 
السابق، ص 94 
السابق، ص 96 
السابق، ص 23 
السابق، ص 30  
السابق، ص 60 
السابق، ص 84 
 
* ناقد وأكاديمي من الأردن.