"قرية الهدّام "..سيرة المكان والذات للشاعر الياسري

قيس مجيد المولى*

 

السيّر الذاتية عندما تكتب بأسلوب واقعي فأنها تقترب من حياة الناس، من معطياتهم الإجتماعية وأنسقة حياتهم وتقاليدهم وطباعهم، ومن مؤثرات بيئتهم بما في ذلك معتقداتهم الفطرية. هذا التداخل في السّير الذاتية بين الخاص والعام، يعني الخروج من نقطة التمركز الى الفضاء الإجتماعي العام، حيث تسرد الحيثيات ضمن الأجواء العاطفية التي تزخر بها الأمكنة والشخوص والمفارقات الدالة ،من هنا جاءت سيرة الشاعر العراقي حامد حسن الياسري والتي تحتضنها قرية الهدام أحد قرى نواحي الميمونة في محافظة العمارة ، هذه القرية التي نشأ الشاعر بها وتربّى وعاصرَ وهاجرَ وظلت شخوصها وأحداثها تتراءى له من خلال السحب والمطر الماء الجاري في الأهوار وتترأى له تحت أجنحة الطيور، وبين شباك الصيادين وطيور الماء ومسامرات الفلاحين في الليل، وكذا ذكريات ألعاب الطفولة والمشاحيف وسعف النخيل والبردي، والأجواء الساحرة التي تجلب الى النوم الأساطير وأشكالتُ غريبة من الحيوانات والأفاعي، وبالتالي وكما يعبر الياسري عن تلك المرجعيات ويصف الذاكرة فإنها المحفظة المملوءة بشتى الصور المتنقلة التي لم تستطع السنون العبث بها بل زادتها تألقا وجمالاً.  الإصدار الجديد للياسري والذي أتى تحت عنوان (قرية الهدّام . سيرة حياة شاعر الحب العذري ) والصادر عن دار زاكي للطباعة والنشر- بغداد ضمن إصدارات عام2008 وبــ 128 صفحة حيث إحتوى  الكتاب على مقدمة وسيرة لمرحلة الطفولة والشباب وتوجهه الشعري ومجموعة من القصائد التي إختارها الشاعر من إصداراته الشعرية، وكذا ملحق مصور وفصل عن الحياة الثقافية في ميسان .  احتوى الإصدار   على العديد من ظواهر الميثلوجيا ومواجهة الناس آنذاك للقصدية الكونية وللخرافة وقضايا أخرى ذات أهمية يمكن من خلالها إستقراء المكون الفكري للمجتمع العراقي .ولاشك أن توصيف الشاعر لقريته أتى مطابقا لما يجول في باله من أنها "قرية الجن والأنس والنهر الذي تحتفي به الملائكة بمكائد وغوايات مشفرة وخراب طاعن في السّن" .
 
* أديب من العراق.