فُسحة من الجحيم

أروى الزهراني* 

واحدة من أهم المهمات الإنسانية   التي يحذو حذوها الكائن الذي يستفتي قلبه
في كل ما ظهر وبطن من الأمور: التسامي من بعد التماهي في الاستنتاجات
 والحقائق والمُسلّمات، فالسر في تميز هذه السمة المذهلـة، ونقاء أهلها، يكمن في أنه يحوّر المقاصد  ويقتصد  بالتمعن في المضامين، 
ينخُل الظواهر فينقلها من معنى لآخر
 ومن مقصدٍ لنقيضه،
من دون أن يسبغ عليها المعنى،
بل يقتصر على تفهّمها ومنحها العدالة بجعلها تتضاءل بما يوازي مستواها، حتى تتلاشى وَكأن لم تكن..
 على هذا النحو يخدم المتسامون البشرية، بجعل الأمور تتوازن والإنسان يعتدل ويعتذر ويعتني ويزنالمسائل بميزان الوجدان،  بعيداً عن المنطق المعتل والمفروض..
وعلى النقيض من المماطلـة والمراوغة والمناوشات،
التـي يتعمدها الكائن المُتخذ عقلـه المعطوب دليلـه،
تأتـي السماحة حلًا وحيدًا 
فمهما كانت المعاملة بالمِثل حقًا بشريًّا محمودًا لأحيان،
فإن الآلية التي تؤول إليها مثل هذه الأمور هي دائمًا عبثية وملوثة،
وهذه البشرية تمشي على وتيرة واحدة  في نظام المعاملات والسلوكيات والاستجابات، وستظل على الدوام تنتهج هذا النهج ولن يتعقل أويتبدل أو يتحول أحد،
في مثل هذه الحالة يعد الإفراط في التمعن والملاحظة والتشديد على الاستنتاج والتخطيط لردات الفعل: مُنتهى الجحيمية التي لا يمكن أن ينجم عنها ارتياحٍ وخلاص.
 
لا ضير في أن يتسامى الكائن في ظل الفهم والاستنتاج والألم وانعدام المبررات،
لأن الوعـي والحذاقة والرهافة هي منشأ المأساة في حيوات أصحابها،
فاختيار السماحة وإقرارُ التسامي، يُعطي الوجود معنى،
ويمنح فُسحة مطوّلة من الجحيم..
 
إننا لا نصنع قيمتنا من كلماتنا، بل تصنعها قِيمنا ومدى فرضها في الوقت الذي يُراهننا فيه كل شيء عليها،
يمكننا التمادي  في فرض قناعاتنا ولن يمنعنا أحد،
ويمكن كذلك أن يكون لنا حضور بطريقة مرموقة بما يُعد انتصارًا لكل من يقدّر ذاته ويتحسسها بمسؤولية،
 
أن نتسامى لا يعني الضعف أبداً،
فالحقيقة أن كل الكلمات مجرد كلمات،
تجريدها من الصفة يُعد إنقاذًا لفضيلة اللغـة
وتكريمًا للإنسـان الضال الذي يلطخ اللغة
وتوريةً للوجود مما قد يُعد مجازًا فظيعًا أو عِلة 
 
تحكُم الواحد منا عاطفة ومنطق، 
أن ننتهج السماحة يعنـي أننا نتدافع للظفر
 بالعدالـة لمعالم الإنسانية المترمّدة في الوجود 
هذا وحسب، 
وكل أعطابنا لا تقل ألماً عن الصدمة من إخفاقات البشرية في أن تتصرف برقيّ،
فهناك وهنا تذوب فينا اللغـة ويتجمّر الكلام وينطفئ فيه
  السلام..
 
كل الأمور مؤلمـة ومعقدة وفاسدة،
لكن دافع تحقيق العدالة هو الأكثر إثارة في وجودنا  من المغريات الواهية،
والسعـي وراء الانتصارات التي يُخلّدها الإله بقي مُتاحًا منذ قديم الزمان، يحمل راياته من كانت سيماهم في وجوههم، 
لا في كلماتهم ولا  هفواتهم،
وماعدا ذلك من انتصارات،
 سيظل مجرد نزوة  تخلو من النزاهة.
 
* كاتبة من السعودية.