"في مديح الحب الأول" للعراقي علي خيون رواية تستهوي القارئ من أول نظرة

د. إبراهيم خليل* 
بعد تسع روايات الأخيرة منها بعنوان " رماد الحب " تصدر للكاتب العراقي علي خيون رواية جديدة (ضفاف، بيروت 2017) بعنوان "في مديح الحب الأول". وإذا كان الشعراء قد تغنوا قديما بالحب الأول (ما الحب إلا للحبيب الأول) فإن علي خيون- في تصويره للأحوال، التي تمر بها شخصيات روايته، والمآلات، التي تنتهي إليها كل من مجدولين، وشهرزاد، وسامية، وأميرة، وناهد صبري، ومنال حيران، وغيرهن – يتغنى بحبه هو لبغداد، وحب الآخرين لها، وللعراق، ودمشق، والموصل، وطرطوس، وما بين النهرين، والبصرة، والبوادي، وكل شبر من بلاد العروبة.
غير أن التعبير الصادق، الجميل، وحده لا يكفي، إذ لا بد – مع ذلك - من التضحية، والمعاناة، والتعرض للتهديد بالرصاص الحي وغير الحي، ففي الفصل الأول الذي يفرش ظلاله على الرواية من الألف إلى الياء يستوقف القارئ اغتيالُ سيدة في رابعة النهار، وفي مكان عام من حي الحارثية، ببغداد، ولم ير ذلك الحادث إلا بائع صحف اسمه بشير أبو حمزة، الذي أبصر يدًا آثمة تمتد من نافذة سيارة رباعية الدفع، بمسدس كاتم للصوت، ثم  تطلق النار على مجدولين، فترديها قتيلة في الشارع العام. وأما تعيس الحظ – سامي محمود- فقد وقع بصره على الخبر العاجل لإحدى الفضائيات، ورأى بعينيه سقوط مجدولين مضرَّجة بدمها الزكيّ، فصاح دون وعي:
قتلوا مجدولين. قتلوا حبيبتي (ص9) .
تلك الكلمة التي انطلقت من فمه بلا وعي منه، على الرغم من أنه كان يتوقع لمجدولين هذه النهاية، تثير في البيت زوبعة لا تهدأ، ولا تسْكن. فقد أمطرته زوجته أميرة على الفور، وابلا من الأسئلة ذات الطابع التحقيقي: من هي مجدولين هذه؟ ما علاقتك بها؟ هل كانت حبيبة لك قبل زواجنا إلخ... فيضطر الرجل، تحت ضغط هذه التساؤلات، للادعاء بأنه يكتب رواية بطلتها مجدولين، وأنه كتبها وأجرى ما فيها من حوادث، ووقائع، مروية بضمير المتكلم، فهو عندما صرخ قائلا قتلوا حبيبتي تقمَّص شخصية بطل الرواية، وإن لم تصدق ما عليها إلا أن تقرأ المخطوط.
وتنتهي هذه العتبة – إذا ساغ التعبير- باعتداء على منزل سامي بالرصاص الحيّ. وكان قد تلقى ظرفا بحتوي رصاصة غُلفت بورقة كتب عليها:" غادرْ، أنتَ في خطر، ثمنكَ رصاصة كهذه ". وتهديد كهذا طالما كان ينتهي بجريمة بشعة يلقى فيه مَنْ جرى تهديده الموت. في هذه الأجواء تضاعفت عليه الضغوط من أميرة، وسامية ابنته ليغادر إلى دمشق، ريثما تزول التهديدات. وما إن توجه لمركز الحافلات، حتى شرعت أميرة تتصفح الرواية التي زعم أنه يواصل كتابتها، وأنه لن يقوم بنشرها إلا بعد أن يطَّلع صديقه الصحفي معن السامر عليها، لمزيد من التنقيح. 
وتواصل أميرة قراءة المخطوط حتى ينتهي في الصفحات الأخيرة بما بدأ به أولا. وهو مصرع مجدولين، تضاف إلى ذلك حادثة أخرى ليستْ بعيدةً عنها من حيث الزمن، وهي مقتل عساف النمر(مناور) زوج مجدولين على يدي من يُعدّ ذراعه اليمنى، والمنفذ الرئيس للاغتيالات: عيدان مظلوم، زوج ناهد صبري. ويواصل الراوي العليم سرد الأحداث، والوقائع، فيتذكَّر – بما يشبه الاسترجاع- اللقاء الأول الذي جمع بين سامي ومجدولين، بعد فراق دام خمسة وعشرين عامًا، في دائرة الجوازات في 25 شباط من العام 2006 وهذا يعني أن اللقاء السابق كان قد جرى في العام 1981 وبتَحوُّل السارد العليم إلى سارد مشارك،، أو سارد مُمسْرح، يؤدي دوْريْن معا؛ هما دور السارد، والبطل، تسمَحُ الأقواس بإيراد التفاصيل الدقيقة عن تلك الحكاية(ص50). 
أول الغيث
وعلى الرغم من أنَّ سامي لم يكن يحب الأسفار، إلا أن مناور، وكان زميله في الدراسة، أغراه بالسفر معه إلى الموصل، وهناك رأيا بالصدفة مجدولين مع أمها، وبعض أفراد الأسرة في منتجع للتنزه، وقد لاحت منها إشاراتٌ تنمُّ على أعجابها بسامي، الذي بادلها هو الآخر إعجابًا بإعْجاب، غير أنه تعذر عليه أن يرسل لها رقم هاتفه، واستعاض عن ذلك بأن أرسل إليها رقم هاتف صديقه مناور، الذي تآمر عليه في ما بعد، وأقنعها أنه لا يريدها، كونَه يعتقد بأنها مسيحية، أو أن أمها مسيحية، فقد رآها تعلق صليبًا على صدْرها. ونصب مناور لمجدولين شركًا استطاع به إقناعها بنسيان سامي، والاقتران به هو. وتزوَّجا، وهذا ما اكشفه سامي بعد ذلك، دون أن يعرف ما الذي جعلها تتحوَّل عنه لمناور. وبعد 25 عامًا من تلك المقابلة التقيا بالصدفة في دائرة تجديد الجوازات. وتواصل لقاؤهما في أثناء سفرهما معا إلى دمشق، في حافلة تجمع عددًا من الأشخاص يُخفى كلٌّ منهم في إهابه قصة من قصص العراقيين، ومعاناتهم على أيدي الفاسدين، والإرهابيين، والطائفيّين، في أجواء الاحتلال الأنجلو- أميركي. 
فهذا ضابطٌ متقاعدٌ شملته الأوضاع السائدة من قتل، وتهديد، وترويع (حاتم المعروف) وهذا صحفي (معن السامر) الذي تلقى هو الآخر تهديدًا بضرورة المغادرة، وتلك شهرزاد، زوجة الصحفي الجريء جليل درويش، التي قتل الطائفيون زوجها، وأرغموها على الفرار من العراق، وتلك مجدولين التي دمّرها زوجها مناور عاشور الذي احترف الإجرام والاغتيال، وتدمير المساجد والكنائس على من فيها من مُصلّين، ويعتزم تدمير الكنيسة التي ترتادها أمها عامدًا للتخلص منها، فتقوم بطعنه بسكين لمنعه من ذلك، ثم تغادر هاربة إلى دمشق. 
هذه النماذج من الشخصيات تتصدَّر المخطط السردي في الرواية، غير أنَّ ثمة شخصيّات أخرى يكتفي بالإشارة إليها، من مثل: صباح، وجنيت، ووجدان، وسارة، الذين لقوا حتفهم في تفجير كنيسة، فوق رؤوسهم. ومعهم الفلسطيني الذي يعيش في بغداد منذ العام 1948 وهو في ما يصفه حاتم المعروف: إنسان رقيق، ورائع، كأنه شاعرٌ بالفطرة (ص91) وجليل درويش الذي قتل هو وولداه: عمر وعلي، بهدف إسكات صوته الحر(98) وناهد صبري التي اغتصبها مناور، وأكره مساعده عيدان مظلوم على الزواج منها درْءًا للفضيحة (ص40) ومع ذلك يتخذها عشيقة على الرغم من علم زوجها الشرعي(ص115). والمهندس جلال، الذي اقتحم المسلحون المجهولون مكتبه ذات مساء، واقتادوه إلى " سرداب تحت الأرض، بقي فيه مدة أربعين يوما، خارت فيها قواه، وشُلَّت ذراعه، واتصلوا بزوجته، وابنه سيفًا، وطلبوا منهما فدية لم يقدرا على توفيرها، فاضطرا لبيع البيت، ودفع ثمنه لهم، ثم غطوا عينيه، وأطلقوه في الخلاء، وهرب بزوجته إلى الشام، وهو يفكر بطلب اللجوء إلى دولة أوروبيّة " (ص145).
الحبُّ الأول
في دمشق يجدّد سامي ومجدولين حُبَّهما القديم ذا الحظِّ العاثر، غير أن تحفُّظ سامي وتردّده، يُغضبان مجدولين منه، فتطرده من الشقة التي تقيم فيها، فيذهب مدحورًا إلى طرطوس، باحثاً عمن يسليه، وينسيه هذا الخلاف، ويعثر فعلا على من يسليه في شاليه يقيم فيه الضابط المتقاعد حاتم المعروف (ص155) وتتيح له الإقامة الطيّبة هناك مزيدًا من الوقت للتأمل، والتذكُّر، مستعيدًا حكايته مع مجدولين مرارًا. واستخلص مما مضى أنه ضَيّع مجدولين في الأولى، وخيَّب آمالها في الثانية. وعلى شاطئ البحر يُفْضي لحاتم بسر كان قد أخفاه، فأخبره أنه هو سامي محمود الذي أطلق عليه الرصاص الحي ذات ليلة في أثناء خدمته العسكرية، عندما تأخر في النطق بكلمة السّر، وذكَّره بما أولاه إياه من تكريم على هذا الموقف: " تراجع خطوة وراح يتأملني جيدًا. وصاح وهو يفتح ذراعية على سعتهما: سامي محمود.. وتعانقنا، وظلَّ ممسكاً بي حتى خِلته يبْكي.. "(ص158) 
وتتسع في طرطوس دائرة العلاقات، ويدعوه حاتم المعروف لزيارة صديقه غياث الصالحي، وهو صديق مثقفٌ، ورسامٌ، وكاتب مسرحيٌ، (ص162) ولكن الانخراط في ثلة الأنْس هذه لم يفلح في وقف انثيال التداعيات، وسيال الذاكرة. ففي هذه الأجواء تحلو استعادة الماضي. هكذا يقفُ القارئ على صفحاتٍ من طفولة سامي، ونشأته ببغداد، وجولاته اليومية في شارع الرشيد، وتردده إلى مقهى البرلمان. طه العاني، وجبار الأسدي، ورعد ماهر، وشاكر الزبيدي، وسبع الموصلي (ص164) الذي عن طريقه عرف أميرة، تلك السيدة التي أصبحت زوجته، وأم ابنته الوحيدة. وفي منفاه القسري هذا وَرَد عرضًا ذكر الطبيب ياسين النعمة، وهو طبيب نفسي يمتلك عيادة في أحد شوارع بغداد، اضطُرَّ لتركها واللجوء إلى طرطوس. ياسين النعمة هذا كان قد اصطحب إليه صديقته منال حيران ليعالجها من حالة اكتئاب قبل أن تقدم على الانتحار بالتردي عن سطح عمارة. وياسين هذا هو من يمتلك مفتاحًا يكْتَنِهُ به عالم مناور عاشور فيحلِّل شخصيَّته تحليلا نفسيًا " فهو شخص مُعتلٌ اجتماعيًا، سوشيو باث، يتصف المعتل اجتماعيا بوصفه  متصلبا، متلاعبا، وعدوانيا. ويقوم على نحو متواصل بانتهاك حقوق الآخرين.. وصاحب هذه  الشخصية نادرًا ما يشعر بالذنب، جراء خروقاته.. لأنه يفتقر في معظم الأحيان إلى الانفعالات الاجتماعية.. مثل المودة.. والتعاطف.. والندم.. والإحساس بالذنب. لذا فإنه – مثلما يعتقد علماء النفس- يفتقر إلى الضمير الوافي. "(ص176)
كسْرُ التوقع
ويصرُّ الكاتب علي خيون على كسر توقُّع القارئ، فيذكر على لسان مجدولين ما يُعد مفاجأة للمتلقي، فمعن السامر تستضيفه شهرزاد التي عُينَت لدى إحدى الفضائيات معدَّة برنامج، ليتحدث عن أوضاع العراق المتوترة، فعرج في حديثه على ذكر مناور عاشور المعروف باسم عسّاف النمر، معدّدًا بعض جرائمه واغتيالاته، مؤكدًا أنه استقى هذه المعلومات من زوجته مجدولين(ص196) وهذه المفاجأة تضع كلا من سامي، ومجدولين، ومعن السامر، في قمة الأهداف القادمة لاغتيالات مناور ومساعده. وبما أن مناور أساسًا يسعى للانتقام من مجدولين التي سدَّدتْ إليه طعنة غير قاتلة بسكين، وولت هاربة إلى دمشق، وبما أنه سبق أن هدد صديقه السابق سامي بمغلف يحتوى رصاصة حية ونصيحة بمغادرة البلاد.. (ص203) فإن عودة سامي، ومجدولين، إلى بغداد أصبحت في منتهى الخطورة، بل نوعًا من الانتحار، وقد شوهد مناور على شرفة الشقة التي تقيم فيها مجدولين بدمشق (ص220) فيما يشي بوصوله إلى المدينة لينفِّذ تهديده. ولهذا تفرُّ مجدلين بنفسها إلى بغداد ثانية، يرافقها سامي على الرغم من تردُّده. وبعد مشقةٍ تفلتُ من الاحتجاز على الحدود بسبب الشكوى المقدمة من زوجها مناور، إلى حيثُ يقف بانتظارها عيدان المظلوم الساعد الأيمن لعساف. وتبَعًا لما سبق، يتوقع القارئ، مثلما يتوقع سامي، ألا يكون مصير مجدولين مطمئنا، ولا حتى مصيره. 
وعلى هذا النحو تواصل أميرة- زوْجة سامي- تصفُّح الرواية المخطوطة ذات الغلاف الأزرق. ويختتم السارد العليم، بعد أن  تنحى السارد المشارك عن دوره في رواية الوقائع، الحكاية برؤىً تشبه ما يراه الناس في المنامات. فبشير أبو حمزة، الشاهد الوحيد على مَصْرع مجدولين، ينظر إلى عساف (مناور) وهو وراء القضبان.. ولكن أين هو القضاء؟ وأين هي الحكومة؟ وأين هو صوت الحقّ في العراق الذي فككه الاحتلال، واجتاحته غربان الطوائف، وسماسرة الحروب؟.  
وفي المشهد الأخير لهذه التساؤلات يدوِّي في الشارع صوتٌ قوي يهزُّ المكان هزًا. " تشظَّت سيارة ضخمة، سيارة مناور عاشور. وغدت قطعة من نار، وتصاعد دخان كثيف.. وسمع بشير – الشاهد الوحيد للحدَثيْن- الشرطة تتحدث عن مفعول عبوة شديدة الانفجار ثُبتَتْ بسيارة مناور من الخلف، وأنهم بحثوا عن أشلائه فلم يعثروا إلا على خاتم طَفَر من أصبعه وظلَّ يدور على الإسفلت إلى أن استقر لصق مجمَّعٍ للقمامة" في تعبير رمزي عن المصير الذي ينتظر الخوَنة، والمجرمين (ص253).
البنية المُضْمرة
ولعل سائلا يسأل: من الذي اغتال عاشورًا هذا وقد بلغ من القوة والنفوذ ما بلغ؟ لا يخفى على القارئ ما هو متوقع، وهو أن يقوم عيدان مظلوم بالتخطيط، والتدبير، وتنفيذ هذا الاغتيال، بعد الذي لحق به من إهانات في المخابرة الأخيرة بين الرجلين الإرهابيين. فقد كانت تلك المخابرة تمهيدًا، وحافزًا، يؤديان لوقوع هذه الحادثة لعاشور الذي استمر على علاقته بناهد صبري، زوجة عيدان. (ص 40، وص115، وص 212) ففي تلك المكالمة أوضح عاشور لعيدان أنه يتواطأ مع زوجته على خيانته جهرًا لا سرًا. ولا حقَّ له في الاعتراض. وزاد على ذلك أن كان يتصل به ليرسلها كي تنظف البيت، وتلك حجّة لتغطية هدفه، وهو مطارحتها الحبَّ في سريره. والحوار الأخير بينهما يحملنا على الاعتقاد، والجزم، بأن عيدان هو من قام بذلك، وجلّ ما سبق تمهيد لذلك، مفسِّرٌ ، وحافِز.
وتكتملُ بهذه المتواليات الحلقة الدائرية لبنية الرواية المضْمَرة، فقد ابتدأت بالحديث عن الجريمة التي تخيم على عراق ما بعد الاحتلال، واختُتِمت بالجريمة. وفي هذا نجد ما يحتاج منا لشيء من التأويل، ولو أنه غير ضروري، فنحن نرى في مجدولين، التي قتلت في رابعة النهار، رمزًا لبغداد، بغداد التاريخ، وبغداد الحاضِر. ولهذا هي الحب الأول، وهي الحب الأخير. ونرى أيضا في مناور عاشور – الذي يصفه بعضهم بالمعتل الاجتماعي – نموذجا تتجسد فيه تلك الفئة التي جاء بها الاحتلال الأنجلو- أمريكي لتهيمن على بغداد بعد تسريح الجيش، وتكريس المخاصصة الطائفية في مجلس الحكم، وفي الدستور المبني على فسيفساء الطوائف. ونرى في مآلات المثقفين: الضابط المتقاعد، والصحفي، والإذاعية، والكاتب الروائي، والطبيب النفسي، والمهندس إلخ... رمزًا تتجلى فيه محاولات الفاشيين الطائفيين لتفريغ العراق من مبدعيه، وفنانيه، وعُلمائه. 
وأيًا ما يكن الأمر، فإن الرواية- أي رواية- لا  تعد عملا جيدًا يستحق منا الاستحسان إلا بما يتوافر فيها من دينامية سردية تُضفي على كل من الشخوص، والوقائع، والأمكنة، التي تجري فيها، والزمن الذي تستغرقه، من ابتداء إلى انتهاء، ومن لغة يعبر بها الكاتب عن كل ما سبق، شكلا يغدو لدى القارئ موْضع تأمل، وتدَبُّر ذهني، وذوقي، يسفر عن إحساس بالترقب، وعن تلهُّف لمعرفة المآلات، وما ينتظره من مصائر ونهايات، تقوده إليها الحوافز والدوافع أو تستشرفها الإيماءات والتنبؤات. ولا ريب في أن لعلي خيون، وهو الذي كتب أعمالا قصصية، وروائية متعددة، زادا وفيرا من هذه المحسنات، إذا ساغ التعبير.
التواتُر
فقد أكثر الكاتبُ في روايته من التواتر، فروى بعض الوقائع غير مرة. كاللقاء الأول الذي جرى في الموصل ذات يوم، وترتبت عليه نتائج، ووقائع أخرى؛ كزواج مناور من مجدولين. وتواتر الحديث عن لقاءاته المتكررة بمجدولين بعد 25 عاما من ذلك اللقاء، وفي كل مرة تضاف تفاصيل جديدة، مما ينشِّط ذاكرة المتلقي، ويحقق التواصل الذهني بين ما تقدم من الحوادث، وما تأخَّر، باعتماد تقنية الحفظ مع الاسترجاع، وهذا يوقظُ الإحساسَ بالترقب.
ومن حيثُ المنظور السردي لجأ الكاتب إلى تنوُّع السارد، فهو عليمٌ تارة، ومشارك تارة أخرى، سامي تارة، ومجدولين مرة. ولأن الحوار في هذه الرواية يكاد يكون مكافئًا للسرد، فقد استبعد المؤلف عن روايته هذه شبح السارد المهيْمن. فالشخصيات الأخرى تنافسه على القيام بهذا الدور عبر ما يصدر عنها من أقوال، وملفوظاتٍ، تتضمَّن- في مُطلق الأحوال- سردا لوقائع جرت، أو تجري، وهذا شيءٌ يُحسب لصالح الكاتب، لأننا في المقابل نجد كتابًا كثيرين يجهلون مثل هذه المهمة للحوار، فهم يستعملونه استعمالا يخلو من هذا الجانب، ولا نجد فيه – غالبًا- إلا الحذلقة اللفظية التي تسيء للرواية من حيث أرادوا الإحسان.
التشكيلُ الزمني
وإذا التفتنا إلى استخدام الكاتب للزَّمن، ألفيناهُ يبدأ الرواية بما ينبغي لها أن تنتهي به، وقد يكون هذا النوع من الابتداء مكرورًا في رواياتٍ أخرى، بيد أن من يقرأ الرواية يكتشف أنّ المؤلف علي خيون يتقن هذه اللعبة الفنية، فهو يروي أولا ما حقه التأخير، ويروي أخيرًا ما حقه التقديم. فعلى سبيل المثال يذكر لنا، بإشارة مقتضبة، شيئًا عن علاقة مناور بناهد صبري في موقع متقدم من الرواية، بيد أننا لا نعرف تفاصيل هذه العلاقة إلا في الأجزاء المتأخرة منها. ويعرف القارئ الكثير الجمّ عن حاضر الخمسيني سامي محمود، وعن ماضيه، وأنه انتسب للحزب عن قناعة، وخدم في الجيش، وعرف القارئ شيئًا عن منزل الأسرة الذي تخلوا عنه بعد حكاية الأفعى، ولكن هذا القارئ لا يعرف عن طفولة سامي شيئا إلا قبيل نهاية الرواية بقليل " كنا أربعة موهوبين في درس الإنشاء والتعبير، كريم العربي، الشاعر الغنائي المرموق، وملك جودة القارئ المثقف، وسلوان سكر، فاقد البصر الذي يقلد طه حسين في كل شيء، وأنا " (ص180- 181) وينْسحبُ هذا على شخصية مناور عاشور، فبعد معرفتنا به، وبما يصدر عنه من أفعال إجرامية، وما ينفِّذه من اغتيالات، وما يملكه من سيارات فارهة تتجول في بغدادَ تحت سمع السلطة، وبصرها، وما دبَّره من مكائد للزواج بمجدولين، إلا أننا لم نعرف عنه أنه كان قد سُجن في العهد السابق على خلفيَّة جنائية، وأطلق سراحه بعد الحرب عام 2003 فادَّعى أنه من المعارضة، وانطلت هذه المزاعم على كثير من الناس، وما هي إلا أسابيع معدودات حتى أضحى في نظر هؤلاء بطلا(ص213) .
وعلى الرغم من أن الرواية لا ترْوي من الأحداث الأساسية إلا القليل الذي يقع في مدة قصيرة هي التي تمتد من لقاء سامي بمجدولين في شباط 2006 حتى مصرعها، إلا أنها تعدُّ رواية كبيرةً نسبيًا، أي أن ملفوظ الحكاية يوهمنا بأنه أكبر، أو مكافئ لزمن القصة، ومع ذلك لا يوحي ذلك للقارئ بأنَّ إيقاع الرواية السردي إيقاعٌ بطيء. وإنما الذي يوحي به الكاتب هو الإيقاع السريع، فهو يلجأ للحذْف، والإضمار، كثيرًا، مما يترك في الرواية فجواتٍ يعمد القارئ إلى سدها بما هو مًضْمر، أو مسكوتٌ عنه. والأمثلة على هذا كثيرة (ص144) وفي ضوء ذلك، يمكننا أن نعد الرواية نموذجًا للسرد المكثَّف، الذي لا يفتأ يفاجئ القارئ بتقنياتٍ جديدةٍ : الحوار،  المونولوج الداخلي، الحذف، والإضمار، التذكُّر، التلخيص، الاسْترجاع في مفارقات زمنية قصيرة، وأخرى مديدة.. التواتر، والتبئير بجذب الانتباه دائمًا لكلٍّ من مجدولين وسامي، والتلاعب بأدْوار الشخوص؛ مناور وعيدان، مقابل مجدولين وسامي. 
صفوة القول أنَّ رواية " في مديح الحب الأول " رواية يحبُّها القارئ من أول نظرة.  
 
 
* ناقد وأكاديمي من الأردن.