في عشق السينما (شهادة)

حسن حجازي*
 
وأنا بعد طفل صغير، كان يحلو لأخي اصطحابي إلى السينما،كانت تسمى"Camera" كذلك ظلت حتى رصدتها كاميرا القبح فتمّ اقتلاعها من الأساس، حدث ذلك وأنا بعد طفل صغير لايفقه المحيط، جرفت السينما والحديقة الجميلة والسوق البلدي ومقهى السفراء والسوق البلدي ووو...تمهيداً لاقتلاع ما تبقى من ذاكرة مدينتي الصغيرة. .
حدث ذلك غداة ميلاد حزب سياسي خلاسي أراد له أصحاب الحل والعقد أن يلعب كل تلك الأدوار الرديئة التي خلق من أجلها،ولعل أبرزها تحجيم الأحزاب التاريخية ومحاولة تدجينها وإعدادها للدخول في معترك السلطة والإنصياع لأوامرها مقابل حصول زعماء تلك الأحزاب على إمتيازات كثيرة، ولقد تحقق بالفعل ما كان يراهن عليه أصحاب القرار بحيث تهاوت كل الأحزاب التاريخية من دون أن تسعفها أية مرجعية سياسية أو تاريخية. 
كان أخي يصر على اصطحابي إلى السينما بعناد غريب، فيما كنت أبدي اعتراضا سرعان مايتلاشى أمام تلك السلطة الأخوية. .
غالبا ما كان أخي يتركني منزويا في ركن ما ويدلف مزهوا إلى البيت نفسه، هناك في حي "الصابون" الذي سار بذكره الباحثون عن لذة عابرة. .
لم أكن أدري السبب الذي كان يجعل أخي ينهرني كلما استفسرته عن حقيقة ولوجه ذلك المنزل، لاحقا أدركت السبب حينما بدأت بعض الخشونة تميز نبرات صوتي ، حين بدأت اتحسس نبوت شارب زهوت به أنا الآخر في البيت الواقع في ذلك الحين الشهير! 
وأنا بعد طفل صغير، لم يكن يربطني أي ود بالسينما لسببين اثنين،أولهما أن تلك القاعة كانت توجد بين "كماشتين" الأولى عبارة عن حانة، أما الأخرى فمتجر أنيق وواسع، كنت أهاب السكارى وهم يترنحون بشكل غريب، لطالما رايتهم بحتسون الخمر غير بعيد من منزلنا، يتساجرون ويتلاعنون ويتبولون أينما اتفق، أما المتجر الأنيق فكان في ملكية صديق لوالدي الذي كنت أخاف أن يشي بي عنده لو رآني ألج السينما...
وأنا بعد طفل صغير لا يتبين الملامح إلا بصعوبة، كنت أكره السينما لولا ذلك الحادث الذي غير نظرتي إليها  بشكل تام، فقد حدث أن كنت أهم بولوج صالة العرض رفقة أخي، فإذا بسيدة أجنبية تطبق على شفتي الصغيرتين بقبلة ملتهبة، غمرتني لزوجة غريبة ونكهة نبيذ كنت أمقت وأرهب شاربه، أحسست حينها بلسانها يتسلل كثعبان صغير داخل ثغري، توجهت رأسا عند أخي فيما الأجنبية الشقراء المكتنزة تطلق ضحكة مدوية وتدلف إلى البار من جديد. ..
استعصى علي الفهم حينها، بقيت نكهة القبلة الأقرب إلى العض عالقة بلعابي. .
كانت قاعة العرض مظلمة تنتشر بها رائحة التبغ والعرق وأشياء أخرى، كانت فرائصي ترتعد وأنا أسير خلف "صاحبة المصباح" تلك المرأة البدينة التي كانت مهمتها إيصال مرتادي الصالة إلى أماكنهم مستعينة بمصباحها اليدوي. .
تلك القبلة الملتبسة الغريبة جعلتني ألح على أخي في اصطحابي إلى السينما، كنت اجول بنظري عسى أن أهتدي مرة أخرى إلى قبلة محتملة لم تتأتى لي إلا بعد. .بعد سنوات! 
عشقت السينما مذ عشقت الجمال، هي تجسيد حي له، لحظة ثقافية، فلتات إبداع جميل. ..تلاشت القبلة التي لم تكن سينمائية، تهدمت سينما "Camera" الجميلة كما تهدمت أشياء أخرى لا تقل جمالا ..
في مرحلة لاحقة كان ثمة ناد سينمائي وما كان يفرزه من نقاشات غذاة احتقان اجتماعي ويمين ويسار ومد إيديولوجي وإخواني ووهابي. ..
كان ثمة قاعة سينمائية في الرباط"Septieme art" ثمة صالة اسمها"Eden club" بالدارالبيضاء. .وطبعاً ثمة سينما "Camera" وقبلة حارقة منفلتة من عقالها. ..
طوال  الأشهر المنصرمة من هذه السنة لم ألج صالة السينما إلا مرتين، بالمقابل اقتنيت عدة أفلام لكنها لاتشبه الأفلام إذ تنقضي جاذبيتها المخادعة بمجرد الانتهاء من المشاهدة، فيما العرض هناك في الصالة يبقى راسخا في الذاكرة كلحظة إبداع لاتشبه على أية حال تلك.
 
* اديب من المغرب.