"في الشعر المغربي المعاصر/سبع خطوات رائدة" للميموني.. عتبات التحديث ونصوص منسية

عبدالجبار العلمي*
 
يتألف كتاب "في الشعر المغربي المعاصر" للشاعر المغربي محمد الميموني من مدخل وقسمين، وسم الأول منهما بعنوان "عتبات التحديث" ، والثاني بـ "نصوص منسية من الشعر المغربي المعاصر".
يقدم المؤلف في مدخل الكتاب نظرة مركزة عن ظهور الحركة التجديدية التي عرفها الشعر المغربي ابتداء من الثلاثينيات، وعن الظروف التاريخية والسياسية التي أفرزتها . ويعتبر سنة 1930 ( سنة الظهير البربري ) ، بداية حقيقية للنهضة المغربية بصفة عامة ، ثم يستعرض المراحل التي مر بها الشعر المغربي المعاصر كما يلي : 
ـ المرحلة الأولى ( الثلاثينات ) ، يمثلها علال الفاسي وعبدالمالك البلغيثي .
ـ  المرحلة الثانية ( الأربعينات ) ، يمثلها  عبدالمجيد بن جلون وعبدالكريم بنثابت .
ـ المرحلة الثالثة ( ما قبل الاستقلال وبدايته )، يمثلها عبدالقادر المقدم ومحمد السرغيني وعبدالكريم الطبال.
ويشير المؤلف إلى أنه واكب من خلال هذه المراحل ، الإنتاج الشعري المغربي ابتداء من سنة 1930 إلى بداية عهد الاستقلال ، محاولاً إبراز مميزات شعر كل مرحلة . وقد تبين له من خلال دراسته للشعراء الذين كانوا ينشرون شعرهم في مجلة تطوان على الخصوص، بروز نزعتهم إلى التجديد والتخلص من الأساليب الشعرية التي كانت سائدة في مرحلتي الأربعينيات والخمسينيات ، ويخص بالذكر الشاعرين : محمد السرغيني وعبدالكريم الطبال.
ويلفت نظر القارئ إلى أنه عمد إلى اختيار المتن الشعري مجال دراسته ، انطلاقاً من اقتناعه بتمثيليته للمراحل المنوه إليها أعلاه، وأنه لم يتبن منهجاً نقدياً معيناً في دراسته له ، وإنما اعتمد في ذلك على ذوقه الفني، وعلى ما اكتسبه من طول معاشرته للشعر قراءة وكتابة . وقد كانت النصوص هي منطلقه، والبحث عن شعريتها غايته.
يحتفي هذا الكتاب بسبعة شعراء مغاربة من المؤسسين الأوائل للشعر المغربي  المعاصر ، بعضهم لم ينل حظه من اهتمام الباحثين والنقاد المغاربة ، أمثال الشعراء : عبدالمالك البلغيثي صاحب ديوان " باقة شعر " ، وعبدالكريم بن ثابت صاحب ديوان " الحرية " المنشور بعد وفاته ، وعبدالمجيد بن جلون صاحب ديوان " براعم " ، وعبدالقادر المقدم صاحب ديوان " لمحات الأمل " . بقية الشعراء السبعة : علال الفاسي ومحمد السرغيني وعبدالكريم الطبال ، رغم ما كتب حول إنجازهم الشعري من أبحاث ودراسات متفرقة تم نشرها ضمن أبحاث جامعية أو كتب أو مجلات أو ملاحق ثقافية ، فإنها مع ذلك لم تواكب بما فيه الكفاية تجاربهم الشعرية الغنية التي اجتازت مراحل متنوعة ، وعرفت تطوراً ملموساً إن على مستوى البناء أو الدلالة أو رؤيا أصحابها إلى العالم ، وأخص بالذكر هنا الشاعرين محمد السرغيني وعبدالكريم الطبال. ومن الأبحاث والكتب التي اهتمت في سنوات السبعين بدراسة تجربة هذين الشاعرين المغربيين المجيدين ( ولا أقول الرائدين لأن شاعرنا عبدالكريم الطبال لا يقر بهذا الوصف  ) : 
ـ كتاب " ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب " لمحمد بنيس الذي لم يكتف بالدراسة والتحليل ، بل ضمَّن كتابه الأكاديمي حواراً قيماً مفيداً مع الشاعرين ، تحدثا فيه عن تجربتهما الشعرية والمراحل الفنية والفكرية التي مرا بها في هذه التجربة الخصبة ( انظر حوارالمؤلف مع محمد السرغيني ، ص : 407 ؛ وحواره مع عبدالكريم الطبال ، ص :  414 
ـ كتاب " المصطلح المشترك " للناقد المغربي إدريس الناقوري في دراسته الموسومة بـ " هجرة الألم إلى المساحات المضيئة " حول الشاعر عبدالكريم الطبال ( ص : 275 وما بعدها )
ـ كتاب " درجة الوعي في الكتابة " للناقد المغربي نجيب العوفي الذي نجد ضمنه دراسة حول شعر السرغيني بعنوان " محمد السرغيني : التفكير باللغة " ( ص : 61 )
كتاب " في الشعر المغربي المعاصر" لمحمد الميموني الذي نقدم لمحة موجزة له ، يتميز بخاصيتين : الأولى أنه عني بدراسة تحليلية لشعر شعراء يعتبرون في حكم المغمورين ،إذ لم يحظ شعرهم بالدرس والتحليل من لدن الباحثين والنقاد المغاربة. الثانية : أنه عاد إلى نصوص منسية للشاعرين محمد السرغيني وعبدالكريم الطبال ، نشرت في مجلات أدبية كانت تصدر في تطوان أواخر سنوات الأربعين ( 1948 ) وسنوات الخمسين من القرن الماضي ، هي مجلة " الأنيس " ومجلة " المعتمد " ومجلة " كتامة " ، وقد عمد المؤلف إلى دراستها دراسة فنية من حيث لغتها وصورها وإيقاعها .. والمعروف أن الشاعر محمد السرغيني كان ينشر أشعاره الأولى الرومانسية في تلك الحقبة باسم مستعار هو ( محمد نسيم )، أو كما أذكر لدى تصفحي لمجلة " الأنيس " ذات زمن ( محمد نسيم السرغيني ) ،ولم يعد إلى نشر هذه الأشعار الرومانسية الجميلة في أي ديوان من دواوينه . أما الشاعر عبدالكريم الطبال ، فقد أعاد نشر أغلب شعره المبكر ـ إن لم يكن كله ـ المنشور في المنابر المنوه إليها أعلاه ، في ديوانه الأول " الأشياء المنكسرة " ، وحسناً فعل ، فلولا ذلك لما أتيح للقراء المغاربة الاطلاع على أشعاره الرومانسية الجميلة المنشورة في تلك المجلات الرائدة المنسية بدورها ، العصية على الوصول إليها ككنز من الكنوز مخبوء في زوايا المكتبة العامة للكتب والمخطوطات بمدينة تطوان ، ولحرم النقد الشعري المغربي من نصوص شعرية مهمة تمثل مرحلة من مراحل التجربة الشعرية الغنية للشاعر عبدالكريم الطبال. 
إن كتاب "في الشعر المغربي المعاصر" للشاعر محمد الميموني ، أعاد الاعتبار لشعراء منسيين ، ونفض غبار النسيان عن شعر منسي متفرق في مجلات رائدة كان لها الفضل في نشر الأعمال الشعرية المؤسسة للقصيدة المعاصرة بالمغرب.  
 
* شاعر وباحث من المغرب