فيلم "تفاحة".. الكثرة في المشهد الواحد

Printer-friendly versionSend to friend
زهير فخري* (النرويج - بيرغن)
 
"المشهد الذي لا يريك الكثرة، لا يعول عليه". أستعير هذه العبارة المراهِنة عن الجَمال لابن عربي وأنا أمام فيلم قصير لا يُبرز من المَشاهد إلا أقلَّها، بحكم هويته كجنس سينمائي محكوم بالاقتصاد والتكثيف، إلا أن مَشاهد الفيلم هذه، على قلتها، تتناسل بالإمكانات التأويلية المتعددة التي تسمح بها؛ وفيلم “تفاحة” الذي يقترحه علينا المخرج الهواري غباري يرسخ عبارة ابن عربي تلك، حتى أن مَشاهده التي تدور في فلك ”التحرش الجنسي” تتضمن، في الآن ذاته، ودون إعلان مسبق، رسائل ترتبط بقضايا أخرى مثل الجهل والأمية وعلاقة السلطة بالمواطن، وما إلى ذلك.
في فيلمه "تفاحة| وهو الفيلم الثاني في رصيده الإخراجي، يوقظ المخرج سكان مدينة الدار البيضاء على خبر مقتل أستاذ جامعي يدعى، قيد حياته، مصطفى الصرّاف. نقطة بداية الفيلم إعلان نهاية حياة. من هذه النهاية المأساوية اختار المخرج أن يبدأ؛ وهذا مؤشر على أن طبيعة تسلسل الأحداث لن تكون خطِّية، إذ سيعتمد المخرج على تقنيات الاسترجاع والتذكر والالتفات...إلخ؛ وهو ما سيظهر من خلال مرورنا على مَشاهد الفيلم. 
بالموازاة مع إذاعة خبر الموت (القتل)، يظهر مشهد لأحد أشهر أحياء الدار البيضاء (المعاريف) ملتقط من فوق، يليه مباشرة مشهد فتاة بملامح غير محايدة كما لو كانت تخفي شيئا غامضاً، وفي الوقت ذاته تُسمع أصداء أصوات مختلفة (تبدو كأنها تلاحق الفتاة وتتعقبها)؛ وهو المشهد الذي يدعو المتلقي إلى مسك الخيط الناظم بين خبر مقتل الأستاذ والفتاة. وفي عملية استرجاعية يعود بنا المخرج إلى لحظة ما قبل حادث الموت (القتل)، ويعرض أمامنا مشهد الطالبة “تفاحة” في مكتب لإحدى الجمعيات النسائية وهي تقص واقعة التحرش الجنسي الذي تعرضت له من قبل أستاذها بالكلية، ثم يستغرق المخرج في التداعي فتظهر “تفاحة” وجها لوجه مع الأستاذ لاجتياز الاختبار. ومن هنا بالضبط ستنحو علاقة الأستاذ بالطالبة منحى آخر، وستتسم بالتعقيد والتوتر، لتؤول في النهاية إلى مصير تراجيدي خُتم بخاتم الموت.
تعقُّد العلاقة بين الأستاذ والطالبة بدأ من مناورات الأول وتماديه في التحرش بطالبته بالإيحاء أولاً ثم باللمس ثانياً، فيما الأخيرة عبرت، بدون تردد، عن امتعاضها من هذا السلوك المشين، وانسحبت بأدب جم لم يتطلبه المقام الذي كانت فيه، بينما الأستاذ “الفاضل” استمر في مساومتها بـ "النجاح مقابل الجنس"... وأمام تمنع “تفاحة” وانسحابها لم يبق أمام الأستاذ سوى تفاحة- بديل، أخذ يشمها ويغازلها مستغرقا في استيهاماته المَرضية. هنا تجب الإشارة إلى أن عنوان الفيلم (تفاحة)، بما تحمله هذه الفاكهة من رمزية في المخيال الإنساني المشترك (الإغراء – الخطيئة – المعرفة والخلود - الشباب الأبدي... إلخ)، جاء ملائما مع سياق الفيلم وإن كان يحتمل إمكانات تأويلية متعددة قد تتقاطع مع رؤية المخرج وقد تعمقها، مثلما قد لا تتوافق معها.
وغير بعيد عن المآل المأساوي الذي انتهت إليه قصة بطلي الفيلم (تفاحة النوري ومصطفى الصراف)، ينعطف المخرج نحو الشارع العام، (عبر الميكروطروطوار) ليصاب ويصاب معه المتلقي بخيبة أمل، نتيجة “إجماع” المستجوبين على تحميل المرأة مسؤولية جرم لم ترتكبه، جرم يرتكبه الآخر (الرجل) وتتحمل هي وزره(!). ومن خلال هذه الانعطافة يبين المخرج (وهذه رسالة ضمن رسائل كثيرة في الفيلم) ضحالة وعي المجتمع بخطورة ظاهرة التحرش الجنسي وبخطورة استغلال النفوذ (حالة الأستاذ)، مثلما يوقظ الغافلين وينبههم إلى أن مجتمعنا يبتعد بفراسخ كثيرة عن القيم الكونية لحقوق الإنسان، وضمنها حقوق المرأة، هذه الأخيرة التي تعتبر، في ملة هذا المجتمع واعتقاده، مصدر كل عاهات الكون(!).
يُرجعنا المخرج من جديد إلى "تفاحة" وهي في مقر الشرطة لتقديم شكايتها، حيث مثُلت أمام رجل سلطة يحمل جينات الفظاظة التي تميز غالبية رجال السلطة في المغرب. يرفض الأخير إكمال الاستماع إليها، وبدا من خلال الحوار، أنه منحاز تماما إلى (الرجل) الأستاذ، بل صرخ في وجه المشتكية مهددا إياها بالتهمة الجاهزة: ”البلاغ الكاذب”. تنسحب الضحية بوجع مضاعف ساعية إلى من ينصفها ويرجع الحق إلى نصابه. ينعطف بنا المخرج إلى أحد مراكز الاستماع للنساء ضحايا العنف، حيث تم الاستماع إلى الضحية وحُملت حكايتها على محمل الجد، ووعدتها المستمعة التي بالمركز بتبني قضيتها عبر المصاحبة القانونية والنفسية... وبهذا المشهد يكون المخرج قد عمد إلى أسلوب تعبيري، يسمى في البلاغة العربية بـ ”المقابلة” أو“التقابل”، ليبرز من خلاله تقابل فضاءين اثنين على درجة عالية من التنافر والتضاد، وهما على التوالي: مقر الشرطة المُفزع ومركز الاستماع الرَّحيم؛ وفي الفضاءين معا نقف عند تقابل آخر على مستوى الشخصيات هذه المرة، تقابل بين شخصية “مرهوبة الجانب” ممثَّلة برجل السلطة العنيف، وشخصية “جاذِبة” ممثَّلة بالفاعلة النسائية والحقوقية المتعاطفة مع البطلة.
يمضي بنا المخرج إلى مشهد آخر تستقبل فيه “تفاحة” مكالمة هاتفية من الأستاذ، وتستجيب على الفور ثم تتزين فتتوجه رأسا إلى بيت الأستاذ؛ وهنا يكسر المخرج أفق انتظار المتلقي الذي استأنس بكون “تفاحة” شخصية مُمانعة ولن تقبل المساومة بجسدها. هل تواطأت “تفاحة” مع الأستاذ، أم هل كانت تضمر له ما لا علم له به؟ كيفما كان الحال، فرنين هاتف الأستاذ كان نداء من أجل الموت؛ وهذا “اليقين” يؤكده مشهد مُوالٍ تبدو فيه الطالبة وهي تجتاز شارعا، وبعد برهة زمنية يُعثر عليها ملقاة بالشارع ذاته، وقد تضرجت في دمائها، دون معرفة ما إذا كان الأمر انتحارا أم قتلا مدبَّراً؛ وهي النهاية التي تقَصَّد المخرج أن يتركها مفتوحة على احتمالات كثيرة، تاركا باب التأويل مشرعا أمام المتلقي، وبهذا يظل (المخرج) مُخلصا لاختيار جمالي يُرينا الكثرة في المَشهد الواحد.
بعد هذه النهاية المفتوحة للفيلم، يضيف المخرج “روبورتاجا” سريعا يمكن اعتباره “ملحقا” يحمل خطابا مَعِيبا ورجعياً عن المرأة، هو الخطاب السائد في المجتمع (للأسف الشديد)، وتظهر في “الروبورتاج” عينات من المجتمع، وضمنها أحد المهربين الدينيين وهو يصرخ مُحملا المرأة وزر فَعلة الرجل، معتبرا إياها، عن جهل وجهالة، وربما لإصابته بحالة الميسوجينية، سبباً وما تحرُّش الرجل بها إلا نتيجة منطقية لهذا السبب(!). هذا الخطاب وضعته نساء المركز المذكور موضع مُساءلة وقابلنه بخطاب نقيض، ينتصر للمرأة ويرى إلى التحرش الجنسي كفعل دنيء غير مقبول ومجرَّم، عاقداتٍ العزم على التفكير في أشكال جديدة لمحاربة هذه الظاهرة ومعتبراتٍ خطاب تجار الدين إزاء التحرش الجنسي خطابا تبريريا.
يبقى فيلم"تفاحة" للمخرج الهواري غباري والذي شارك فيه الممثلون محمد الصوفي وجمال لعبابسي وحسناء مومني وجلال قريوة ومصطفى بنعضايم وبشرى عبده وغيرهم فيلما قصيرا، لكن برهانات كبيرة تبدأ برفع الحجُب عن أمراض المجتمع، وضمنها مرض التحرش الجنسي، ولا تنتهي عند هذا الحد. 
 
* أديب من المغرب.