فولتير يستقبل عام التسامح

آن الصافي*

في تمام الساعة السابعة من  مساء الإثنين 12 ديسمبر 2018، أمضيت نصف ساعة في حضرة أستاذي الخلوق فولتير بمتحف اللوفر، أبوظبي. 

بدأ حديثه متسائلاً عن غيابي الذي بررته بإنشغالي بكتابة نص روائي جديد أسميته "خبز الغجر". ضحك وهو يحتسي فنجان قهوة قائلاً لي:
هذه القهوة أتى بها شيخ قبيلة  حبشي يقيم في الغرفة المجاورة. رجل مبهر عزيزتي، تجمعني به أحاديث شيقة. يحفظ أشعار الكسندر بوشكين، ولطالما شبهته به!
تعني تفكيره مثله؟ 
في شكله، وعلى الرغم من أن بيئة الرجلين مختلفة ولكل ثقافته ، لكن بينهما سمات كثيرة مشتركة.
أيهما أقرب لشخصك أستاذي؟
لي عالمي ولكن.. ياله من سؤال! أحترم كلاهما عزيزتي، بوشكين ساحر حرف ويبدو أنه متأثر بثقافة جده الحبشي، وجاري أشبه بشخصية اسطورية مليئ بأجواء أفريقيا، سحر الطبيعة والأساطير والتنوع الغني هناك.
هل جارك شاعر أيضاً؟
(ضاحكاً) كل شيء في موطنه يجعله يحلق في عوالم الشعر. بالنظم الخاص به والحفظ عن آخرين.
باغتني بسؤال:
ما رأيك في القهوة الحبشية؟
لها نكهة خاصة ومنعشة.
سمعنا خطوات شخص يقترب منا، إنه الجار الحبشي. رجل ممشوق القوام كث اللحية، به شموخ وأنفة. يلف جسده بوشاح قطني سميك،  مشهور لدى أهل الحبشة أوالأثيوبيين، لطالما رأيتهم يرتدونه على أرض الواقع.
لديك ضيوف عزيزي فولتير؟ من هذه الفتاة التي تشبهنا؟
آه أهلاً نعم هي كذلك، هي من دولة مجاورة لأرضكم!
تبادلنا التحايا وتم التعارف حول فناجين القهوة الحبشية التي أعدها وسكبها لنا أستاذي فولتير. تمعنت من سحنة السيد زعيم القبيلة الحبشي والذي ما عرفت اسمه، فقط مضيفنا يكرر أثناء حديثه "صديقي السيد الحبشي"، يبدو مثقفاً وزار عدداً من الدول من ضمنها موطني السودان. قال لنا:
نسمي القهوة في الحبشة، بونا دابو ناو .. (تعني بلغة الضاد: القهوة هي خبزنا). 
قوّس مضيفنا أستاذي فولتي حاجبيه عالياً قائلاً:
"خبز الغجر" هو عنوان روايتك التي انتهيتي تواً من كتابتها؟
أومأت له بنعم.
يالها من صدفة ! هل ستدور قصتك حول القهوة الأثيوبية أو ما شابه؟
بل تدور عن عوالم الغجر والمشردين وسكان الأرض الأصليين في كل إقليم وقضايا أخرى.
قال جليسنا السيد الحبشي:
بونا تيوتو..
ماذا تعني يا صديقي؟ 
سأله أستاذي فولتير، فأجاب مبتسماً:
تعبير يعني شرب القهوة وإجتماع الناس لأجل ذلك والحديث. هذا ما أراه الآن أعزائي. كلمة القهوة مصدرها لغتنا المحلية وهي (كافا بن) والتي تعني بلغة الضاد (حبة البن). 
قال مضيفنا أستاذي فولتير وكأنه يحدث نفسه:
كافي، كوفي.. بلغاتنا في أوروبا...
قاطع حديثنا صوت متحدث عبر سماعات المتحف في الثامنة مساء ليعلن عن موعد بدء عرض الباليه الملكي الكمبودي  (The Royal ballet of Cambodia) بمسرح المتحف في الهواء الطلق. 
شكرنا مضيفنا وتوجهنا ثلاثتنا نحو باحة المتحف. جلسنا على مقاعدنا مع بقية الحضور مستمتعين بأجواء خلابة من الأداء والموسيقى والرقص تعج بها خشبة المسرح، عبر أداء قصة اسطورية من كمبوديا. استمر العرض لمدة 90 دقيقة ومن ثم غادرنا ونحن نثني على العرض. توقف أستاذي فولتير وطلب أن نتوجه حيث المنصة المائية ونتأمل القمر، وكان له هيبة كما قال السيد الحبشي والذي دار حديث بينه وبين استاذي فولتير مؤكدين بأنه طقس جيد لكتابة الشعر. أمضينا بضع دقائق هناك ومن ثم استاذنتهم بالمغادرة، قال أستاذي فولتير:
2019 م عام التسامح على الأبواب هنا، أين ستستقبلينه؟ مؤكد شاطئ أبوظبي!
سأكون في موطني حيث النيلين لمدة إسبوعين ومن ثم أعود إليكم.
تأنى السيد الحبشي في مشيته وقال لي :
ستستقبلين العام الجديد حيث ملتقى النيلين؟ تحياتي لأهل كوش.
يصل أستاذي، شكراً لك.
التسامح يعني الكثير... أنظروا حولكم ومادار في هذه الليلة، يالها من قيمة  وثقافة عظيمة.
نظرت  للرجلين أمامي وهم مندمجان في أحاديث شيقة، ودّعتهما وتفكيري منشغل بعوالمهما الفريدة. 
 
ابوظبي - 17 ديسمبر 2018
 
* أديبة سودانية  مقيمة في الإمارات.