عُزلة

Printer-friendly versionSend to friend
مريم القحطاني*
 
وحدك، ولا رفيق لك غير نجوم مشنوقة  في عرض ليل حالك، وهسيس الأفاعي الرابضة أحياناً والزاحفة أحياناً أخرى تحت فراشك المهتريء.. "هسسس" تشق قطرات عرقٍ صدرك بينما قلبك يروح بكَ ويجيء دون أن تتحرك من مكانك إذ تحدق في رأس شبح واقف أمامك بلا وجه. صوت الجدجُدِ المتنامي يرفع أنفاسك ويهبط بها - عيناك شاخصتان. أنت لستَ  في قبرٍ بالتأكيد، ولا في كابوس. أنت في بيتك، وبيتك هذا عبارة عن أطلال بيت ضارب في صميم الماضي والقِدم. نصفه الأسفل ليس إلا "سِفِلْ" ترتع فيه الأبقار والجواميس والخيول التي كانت ورحلت مع كل ما رحل، ولم تخلف وراءها إلا الأقذار والبراغيث والسواد وحطام ما كان. 
تحتل منزلك ـ أو بالأصح آثار بيت جدك الأول ـ بقعة غير استراتيجية لا تحسد عليها، في منطقة مبتورة تسمى "العُزلة" تعتلي سفح حيدٍ جاسر، تناثرت بيوتٌ أخرى على عاتقه بشكل عشوائي منحدر. 
يخترق الصفير الحاد وأصوات الميكرفون بشكلٍ مفاجيء مسامعك وجدران الصمت التي تلف العزلة يتبعها أذان الفجر المثخن بخوف القرية وحزن مبهم لا تدرك كنهه، "اللهُ أكبر اللهُ أكبر" لتنبشك من وسط رعبك الذي أحدثه الهسيس المنتظم والرأس الصامت، وتقذفك إلى رعب أكثر إبهاما: "هل يعقل أن يتواجد هذا الكم من الطاقة بينما العزلة يلوكها الجوع والنسيان؟" تتساءل في نفسك.
" قوموا صلوا، قوموا صلوا!" يطلقها المؤذن بلهجة آمرة لم يسلم منها الحقد، بعد أن يقوم بتعديل وطرق "الميكرفون" بإصبعه الجافة ليؤكد لك أن البطارية ما زالت جديدة وأن أصابعه خشنة، أما المذياع فهو من خيرات التكنولوجيا التي لم تتعرف عليها إلا من أفواه السياح والأجانب عندما يطلبون منك بحركات غريبة أن تقف على صخرة وتبتسم للكاميرا والتي تنفجر أشعةً شمسية في وجهك. كل هذا لتصبح صورة ثابتة يطوف حولها أناس لا تعرفهم ولا يعرفونك. 
ينتابك إحساسٌ غريب بالخيانة، إذ كيف لهذا الجهاز أن يتوفر بـ"بطاريات" في قرية خرجت من اللاشيء إلى اللاشيء؟ كيف لهذا التناقض أن يكون وأنت تصبح وتمسي ببطن خاوية؟ 
تخرج. نعم، تتجرأ على الخروج  والمشي على أرضية هشة، مفخخة بالقرف والقرف أيضاً، وتوجه وجهك صوب المسجد! لستَ متأكداً ما إذا كنت تتذكر موقع المسجد، والذي هو عبارة عن ركن من ضريح لولي يدعى "مِغفران" تناجيه النساء في أوقات الشدة واليأس، خاصة الطاعنات في السن منهن، ويبتهل إليه الرجال في أوقات القحط  والكسوف.
تدكُّ الأرض بخطواتك العسكرية الصغيرة الثابتة ـ رغم علمك المسبق أن الطريق تطول وتطول وتنقطع في بعض الأحيان بمجرد خيانة خطوة واحدة لك ـ وتسير رغماً عن الحجارة والأشواك والمطبات، في تحدٍ بالغ لكل الحفر والإنزلاقات، معلقاً ناظريك على ما يشبه الشمعة من بعيد لتضمن وصولك إلى ضريح الولي الصالح "مِغفران" أو كما يسميه أهل القرية "الولي". 
إذا اقتربت الشمعة البعيدة منك فأنت في الطريق الصحيح. هكذا تواصل المسير، ربما لتنفض شيئاً من اليُتم عنك. 
في "الولي" أناس يعرفون الله، كالحاج حسن. ستشعر بالدفء معهم لا شك وسيصيبك صوت الشيخ، وهو يتلو القرآن، بالأمان.
ـ استقيموا يرحمكم الله..!
لا تدخل. تتوقف تماماً عند الباب...فأنت مأخوذ بهيبة النور الذي يكتظ به المكان. تقول في نفسك: وكأن الشمس تنام هنا. الضريح شامخٌ في الزاوية، تلفه هالة عجيبة، ينعم بدفء الشموع المحيطة به بشكل مرتب ودائم، مصبوغ بالـ"جص" ومدثر بالسجاد الأندلسي المطرز الذي تحتار في كيفية وصوله إلى هذه الأرض المهجورة المقطوعة التي تضيع فيها يومياً رغم أنها كل ما تعرف. يعود الفضل في ذلك إلى الحاج حسن، وهو رجل على عتبات الخمسين، يتمتع بوجه أسمر وسيم، وكأنه أحد أقرباء عُمر الشريف، يتسرب من ثنايا معطفه الواسع دفءٌ أبويٌ لذيذ. له لحية مهذبة بيضاء ناعمة، وعينين مثقلتين تهملان المحيط وتسهران على راحة الضريح العتيق. 
تأخذك قدماك شيئاً فشيئاً إلى الداخل حيث يسحبهما الدفء، ورائحة الكاذي المعززة بالفُل. تجد نفسك تقف في صفٍ قصيرعمودي حيث يستقيم أناس تعرفهم بالفطرة:
" أبو تحفة" الحاج الطيب الذي تراه كل يوم وتحدثه وتعطيه إسمك لينساك في الخمس الدقائق القادمة. "سلكح" الذي تكرهه أكثر من أي شيء في الوجود. "بعليل" الذي لا يأتي إلا ليرضى عنه أبوه ويزوجه. " قاسم" الذي كان عقيداً ذات يوم فأطاح به العجز وخذلته الوساطات." سرورالأعمى" قيل أن الجن أخذت بصره ولم تعد به لأنه كان يعشق كتابة الشعر فوق القلاع وحده، و"أمين الفقيه" المجنون إثر انتحار زوجته أو قتله لها، من يدري فالقصة حول هذا تطول، ورجال هامشيون آخرون تراهم في "الولي"، يعرفون اسمك واسم أبيك ـ وأمك أحياناًـ ولا تعرف أسماءهم:
"إنت ولد الصوفي؟"
يباشرونك بهذا السؤال عندما تقترب منهم وهم في حالة ركود كلامي على الأزقة المنحدرة، يهشون الذباب ويدفعون سهام الشمس الحارقة بخرقة بالية، فتصبح أنت بمثابة "الغواث" الذي يأتي قبل "التخزينة" المقدسة في ملكوت ديوان القات المجيد. تجيب وقد انتابك شيء من الغرور البريء وغمرت طفولتك رجولة دافقة: "أيوه، أنا ابن الصوفي!"
لا يتحدثون معك أو حولك لأن أبوك وزير الداخلية الذي لا يشق له غبار، مثلاً، بل لأنه مجرد مغترب. المغتربون عندهم هم تلك الطبقة الإقطاعية عند الأوروبيين أيام ما قبل الثورة الصناعية. حتى وإن كان هذا المغترب مجرد إنسان فاشل، أو منحرف. المهم أنه يعيش بعيداً عن هنا، حيث النقود والعمل أو العمل والنقود، هذا يكفي لجعله رجلاً مهماً. 
"الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم... ولا الضالين"
يصيح المصلون ـ والذي لا يتعدى عددهم أصابع اليد ـ في نعاس بصوتٍ مقطع "آميـ نـ آآآآ يــ يـ نـــنّ". يركعون بينما أنت مستقيم، ليس من فعل النعاس بل لأن منظرهم يشعرك بأنك أطول قامة منهم. وتبقى على حالك حتى "اللهُ أكبر، سمع الله لمن حمده" وتسجد قبلهم، يلحقونك واحداً تلو الاخر، فتشعر بالقيادة. ويستمر الحال على هذه الشاكله حتى "السلام عليكم ورحمة الله، السلامُ عليكم و رحمة الله." 
يستغفرون لثوانٍ معدودة، ويحمدون الله ويطلبون رضاه في يومهم الجديد، ثم ينصرفون إلى مآرب أخرى. عدا الشيخ الذي ينسى إسمك، فقد سبح لله حتى أحاق به النوم، والحاج حسن، يسبح ويسبح وأنت تنتظر في الخلف كالتلميذ النجيب، تراقب في هدوء شفته السفلى الممتلئة وهي تعد الحروف الناحلة، وأصابعه المنبسطة الجافة وهي تمر من بين حبات السبحة برفقٍ وخفة. 
يلتفت إليك ليشعرك بأن وجودك محل إدراك، ويرمي لك بإبتسامة مضيئة، ثم يطلب منك أن تجلب له الكوز المجاور لك. تتقدم إليه حاملاً الكوز برشاقة نعجة، وأنت تتمعن في عينيه أكثر وأكثر. لم تكن تعرف من قبل أن رجلاً بهذه الوسامة والطيبة من الممكن أن يتواجد في أرضٍ كهذه. 
ـ ليش إنت وحدك هانا؟ وين أخوك؟
ـ أخي في صنعاء
ـ ليش في صنعاء؟
ـ سار يشوف أمي
ـ أمك في صنعاء؟
ـ لا أمي.. مدري وينيه، بس مش في صنعاء.
يعلق الحاج حسن في همّ هازاً رأسه، مع أن الأمر لا يعنيه  فلم تكن يوماً ذا قرابة: " خير، خير.."
رغم أن كل واحدٍ من هؤلاء التعساء قد استنزفته الحياة وأخذت منه أكثر مما أعطت إلا أنه مستعدٌ لأن يقدم لك شيئاً من إهتمامه  وعونه. لم تتصحر قوالبهم رغم كل هذا القحط الذي يأكل الشعاب. 
تواصل مراقبة عينيه، ويواصل هو إطراقه وصمته. 
تشعر بشيء من الحيرة والألم: "هل أنا حزينٌ وبائس إلى هذا الحد"؟ يجذبك سؤال الشيخ العارض:
ـ تشتي ماء؟
ـ لا.
ـ مش انت ظامي؟
ـ لا.
ـ أحسن. لا نقعشي كلنا ظاميين. 
 
هامش
سِفِلْ: اسطبل أو زريبة
غواث: الوجبة الخفيفة
ظامي: ظمآن
أحسن، لا نقعشي كلنا ظاميين، وتعني: أفضل، كي لا نصبح جميعاً عطشى. 
 
* كاتبة يمنية / أميركية.