عن الأحلام .. والأمكنة

زيد الشهيد*

(1)

الحُلمُ .. المفردة الطافية على جناحِ الخفّة ، الرغوةُ المتهللّةُ من انبثاق الطيوف الهائمة ، تجافي النقيض الذي بمثابة عدوٍّ دائمٍ  نسمّيه " اليقظة " ...
فضاءُ الحُلم يُقاسُ بقدرةِ انحسار جسد اليقظة وانتفاضة .
الأحلام مرآةُ ذواتنا ، فيما اليقظة صحائف ترتدي المجاهيل .
   في اليقظةِ تلاحقُنا المجسَّات المريبة وتتعقبنا أذرع الرماد ، تلاحقنا تواليات المرايا المقعرة قصد امتصاصنا ، وفي الحلم نمتلك زمام الرغبة المختلقة ،  نغطس في هُلام عذوبتها النائية عن زوابع الحيف والشعور بالتعثرّ .
أزلياً مارسَ الإنسانُ الحلمَ كردٍّ تفاعلي، ناهَضَ به جيوش الإحباط وتماهيات العدم.
مفكرّو الأزمنة وحالموها تولَّوا مهمّة أحقيّة الحُلم فراحوا يُحلِّقون ، ويحلمون … افلاطون خلقَ جمهوريتَهُ المبتغاة ، واندفع توماس مان يبني يوتوبياه ، مدينته المتخيَّلة .. ونامَ غاليليو فنهضَ على ضربات ايقاع الرؤية الصارخة : وجدتُها ! .. وجدتُها ! .
بانتفاء الحلم يغدو الواقعُ تفاصيل كابوس ، يتجسَّد اهراماتٍ من كمدٍ / سهوباً من ضياع ، أسى متواصلاً / ريبة متناسلة .
بعرفِ ذوي الرِّهاب – المرض العصابي – يتجلّى الحلمُ دواءً ، وتنتقضُ اليقظةُ داءاً بينما حياتهم – كما يرونها – جسدٌ ألفى كينونته بين قاب الخشية التوجس أو أدنى فسحة الانفلات .. يلجأون إلى قِلاع الحلم تجنّب اضطهاد بربرية اليقظة .
في ربوع الحلم تصافحهم كفُّ التحرر وإن بانت من فراغ ، وفي فصول اليقظة توخز خواصرهم دبابيس العسف وإن كانوا يخطون على رفل خمائل غنّاء .
كثيراً ما يراودني حُلم أنْ ألجَّ محارةً وأغلقها ، ومن ثقبٍ أُحدِثُه برغبتي أُطالع ما يجري خارجاً على مدى النظر المُتاح ؛ تماماً كبطل رواية " الجحيم " لهنري باربوس ، ومن هُناك أُدوِّن خطواتي وأملأ المذكرات ، أُلاحق حركة اليقظة المستديمة / المهيمنة على مجريات اللاهثين لأخرجَ بانطباع يرى الحلمَ ومضةً مارقة / نيزكاً هاوياً ويتلّمَّس اليقظةَ دنيا لا قدرة لنا على إلغائها – مهما استنجدنا بأذرع الحلم – مرغمين على الإبحار في تيّارها ، وهيجانها ، ثم جنونها المتواصل .
                  
(2)
الأمكنة بيوت الأحلام – دهاليز التخيّل .. رغبةُ الكائن الباحث بغريزة تحقيق الذات / اثبات الوجود .
الأمكنة أبجديات السعي لنجازة الطمأنينة ،تاريخُ مدوَّن لزمنٍ تحنَّط بعد ما بعثَ جملةَ أحداثهِ لتركن فوق نواصي الذكرىَ ، هي الأمَّ الرؤوم ، نأتيها تهالكاً لنبكي جفاءَ أيامنا علىَ خضيب نظراتها العطوف .
  الأمكنة أعشاش الدفء ، نَحنُّ إليها كلمّا صفقت وجوهنا أكفُّ الصقيعِ ونتندّىَ بخثرة هوائها الرطيب كلمّا رمانا قيضُ الوحدةِ إلي برّية الضياع . نفتش جيوب اللحظة بحثاً عن ابتسامةٍ كتبها عينا حبيبة ، وبعثتها شفتاها اللامعتان بالشهد ندوُّن نصوصنا لنؤرخ أماكن ذاكرتنا !.
نستحلفُ براءتنا أنْ تمدّنا بأنفاس الزوايا الخبيئة لذكرياتنا الهاربة لتجعلنا نِقرُّ بأننا ومهما أخذنا التية تحدّراً ، وأقلَّتنا عربات النسيان رحيلاً نبقىَ مشدودين لعطر الأمكنة .. لا قدرة لنا علىَ تجاوز دهاليز التخيل ، وليس من حقنا طمس تضاريس العقل المتخفي / الباطن ، ولا استهجان الشاعر الجاهلي وهو يستهل نصوصه باستهاض المكان ( لكأنَّ الأمكنة تراؤه الذي يمدّه بديمومة الأمل وأسلحته، ويعاقر جيوش الرؤىَ الرمادية / المحتدة عند تخوم العتم ) .
قد نؤنسن الأمكنة ونورثها لهفتنا ، نزرع علىَ صفحات خدودها أبجديات قبلاتنا التي هي حصيلة دواخلنا الجياشة بالوله :
أمرُّ علىَ الديار ديار ليلىَ 
أقبلُ ذا الجدار وذا الجدارَا 
وقد نرىَ إلي الأنسان / الفرد مكاناً محتفظاً بخصائص تكوينه ، وليس لنا قدرة تغير معالمهِ ،، فالمخصوص هوَ .. هوَ ، رُغمَ تهافت الأيام .، ورُغمَ تراكم السنين : 
لمْ تزلْ ليلىَ بعيني طفلةً 
لمْ تزُدْ عن أمس إلاّ إصبعا 
روحُ الأمكنة يُناهض غباء القناعة، ويتضاد معها .. المكان مهمّاً بما حوى من لمسات، وما خبّأَ من أنفاس يغدو مرفوضاً لحظة مواجهة قرارات القناعة. تعلو هيمنة القناعة الرافضة وجبروتها الحامل لطمس حب الأمكنة واستنكار احتضان الأبعاد التي كانت يوماً ما أُمنيةً ومُراداً – لحظة رفع العين صوب ناحية الأفلاك .
عندما نصبح قادرين على امتلاك مكان نراه بحكم القناعة الخادعة أفضل ، سريعاً نتنكَّر لمكاننا الأول ( وإن حملَ ما حمل من ذكرياتنا وآثار خطى أحلامنا ) ولكن هل تتم حيازة كل ما يُبغى من أماكن ، وما نسعى لأجل النَيل ؟!  ذلك ما يعيدني إلى أسطورة " امرأة القارورة " عن تلك العجوز التي مرَّ بها ساحر فوجدها تتذمّر من وجودها الضيق ، وتتشكّى لأنها تعيش حياةً في عُنقِ قارورة  فأخرجها إشفاقاً ليمنحها كوخاً وسط كلمات كالمطر خلقتها تعبيراً عن شكر وعرفان ، وتصريح أن المكان وسيع ، وسيع لن تضيق به بعد الآن ، حتى إذا فات العام وقات الأيامُ الساحرَ إلى المرور قرب الكوخ ألفاها تتذمر وتئن …
وصراحةً، صراحةً أفضَت العجوز بأكوام الشكاوى عن ضيق الكوخ وقلّة المتطلبات ، وبرأفة تقربُ من اليسر والسهولة ضرب الساحرُ عصاه المكينة فاستحالَ الكوخ قصراً مهولاً / نيّراً تحيطه الجنان ، وتتفانى إزاء انفتاحه سهوب اليناعة شتى أنواع الضباء تحت سحر كركرات العصافير وسيمفونيات الكناري، وكانت كلمات الامتنان تلك المرة جديدة لا يحتويها قاموس ، فأُضيفت له لغرابتها ، وعودةً إلى الأمكنة ورفضها ؛ واقتراباً من القناعة المحمّلة بالإغواء وتأثيرها عاد الساهر بعد عام فلم يرَ إلا الشكوىَ  ذاتها التي جابهها يوم كانت العجوز في عنق القارورة .. عندها تفجرّت بذرةُ الغضّبِ داخله ، معيباً علىِ الأنسان تنكرّه لأعشاشه ومكامن دفئه لاهثاً وراء خديعةٍ لا تمنحه سوىِ صكوك التوبة ، فأعادها إلى العنق الحسير . ولاتَ ساعة الندم .
 
* أديب عراقي.