على سفر

أروى الزهراني*

الإنسان مشكاة لكل ما يَعبُر منه ويُعاينه وَيعتريه،

وحياة الإنسان إما منفى وإما ضفاف، وبينهما يتخبط كيانه، مرةً مثل موجة غاضبة،
ومرة مثل حطام سفينة  تستعيد في هوادة البحر حيواتها.. 
ولهذا؛ فالكل منا تكمن فيه تلك "الآمال النقيضة لمصائره"
التي تتلخص في أن ننسلخ عن هنا 
ونلتحم بهناك.. 
نحن الذين نعيش في تخيلاتنا  أكثر مما عايشناه هنا قسرًا
واكتسبنا إثر ذلك البقاء..
مصائرنا تصنع آمالنا الخاصة وخيالاتنا
والإنسان مُتفانٍ جدًا بما يخص تخيلاته..
شرعتُ أسأل نفسي:
لمَ يتحتم على الإنسان منا أن يُسافر بعيدًا عن كينونته بينما يعرف جيدًا بأن كل ذلك 
بلا جدوى؟
ولا تُسفر عنه أي نقلة نوعية وتحولات،
مع هذا لازمتني ضرورة السفر!
إنني ثقيلة ومُتعبة ومزدحمة وأعاني،
لذا كان لي نصيبي أيضًا من الإبحار
في كل تلك التأملات والصور الخيالية الحالمة..

 

أملك سجلًا هائلا من الانفعالات ، والانفلاتات 
كنتُ مشغولة بكوني ألملم تفاصيل ترحالي المستميت في سبيل النجاة والخلاص، 
بينما للوقائع رأي آخر،
كنتُ جوّالة في ذهني نحو الحياة الأخرى
التي سلّمتُ بهيئتها،
من قبل أن أرتحل لاهثة نحوها،
كنت لا أتوانى عن تذكيري بوجود الحياة الأخرى، كلما تأذيت، 
كانت ملاذي الآمن الذي لا يشهده سواي،
زكنت الوحيد الذي سجّل حياته الأخرى
قبل أن يحياها،
وقد كان لأثر توثيق هذا في نفسي سكينة عجيبة،
تتضاعف كلما أدركت أني الآن في الحياة الأخرى وسأفعل الآتي..
- في حياة أخرى، سأبذل قصارى جهدي
 لأنتهي إلى الصفر عوضًا عن البدء منه
كعادة الأحياء،
ستكون النهاية هي بدايتي،
وبينما الجميع يبدأ.. أكون انتهيت، 
تخففت وتخلصت،
الصفر الذي يعني أنني بلا أعباء ولا أهوال
أخيرًا أعود الى طينتي،
مجض  روح خفيفة بالكاد تتسع للهواء، 
تتسكع في التفاصيل المدونة على الأرض،
كي تسمو بعيدًا مثل بالون يزهو بخفّته 
ويتلاشى مثل نشوة..  

 

في عالم ليس بهذا، سأكون إنساناً 
يُعرف بسيماه، بلا اسم وقبيلة، 
بلا بصمة ملطخة بعبث الأجداد، 
لا سيرة ذاتية مُستنسخة لي،
سأحتفي كل مرة، 
أشعر بالازدهار بدون اجتهادات،
أحترم فيّ الإنسان الذي أسكنه، 
وتصبح المسميات والتصنيفات جنحة!
كم أبدو رتيبة هُنا وبلا أثر
كم أبدو زاهية وَفعالة عندما أكون على سفر!
كيف نُحقق غاية ارتباطنا بهذه الأرض إن بقينا في سبيل النجاة نهرب فقط ونسافر،
 بينما أجسادنا متيبسة في بقعة واحدة بلا انفعال
اجتهدتُ دومًا لأن تكون لي تخيلاتي، 
برغم كوني متعقلة وواعية لجديّة الوقائع وعبث التصورات الذهنية،
لكنني كنتُ جادة تجاه كل ما يعتريني منها،
 إثر المرور بها ولمسها 
واحتكارها لرأسي،
مع ذلك كنت أُجَن حنينًا لها كلما اصطدمتُ بالواقع النقيض عنها،
 أُحِس كمن سُلبت إرادته، أتخبط كالمسعور كأن المكان لا يخصني،
أكاد ألمس تخيلاتي، أُعايشها، 
أشعر بها حية مرئية تحوطني،
لكن ما من شيء هُنا يمنحها استمرارها في مداي،
كل شيء عرضة للتفرقع سريعًا 
في هذا الوجود المتشوك!
تخيلاتي كفراشات  لا تدوم طويلًا لدواعٍ وجودية،
وكسنابل عرضة للوأد بغتة، 
الفكرة الأولى التي تخطر على ذهن الفلاح..
إنه الإنسان كلما زادت جدية حياته
بما يخص اختباراتها له، 
كلما أصبح مهووسًا بإفراط
لأن يُخلّق وجودًا آخر في ذهنه، 
شديد البساطة وشاسع، 
ومن خفّته تهزّه فكرة صغيرة واقعية ومُلحّة،
 مثل عود ثقاب صغير
مقابل غابة كبيرة أعظم مخاوفها شرارته الصغيرة،
تمامًا مثل هذا تتسع تخيلاتي 
و تبدو باسقة وَكثيفة،
ولذعة ألم حقيقي واحد، 
وفكرة صغيرة حوله، تُبدد كل شيء
حتى أسقط ،
وأبحث برهبة عما أواري به سوءة فجيعتي،
أتشبث بأكتاف الحياة
كي لا تذهب رجاءاتي سُدى
وأن أحظى بقليل من الهدنة
لأجل هشيمي ورماد حطامي،
يعز علي أن تذروه ريح غابرة،
ومثلما تؤول تخيلاتي إلى زوالها 
تؤول روحي نحو منفاها،
ومن فرط التخبط دون استراحة،
بين السمو والارتطام 
بين السفر والمنفى؛
 تتشكل في القلب ندبة غائرة مثقوبة
 تنفذ منها فظاعات الوجود فتُعاود النزف،
وكمثل ندبة أظل في هذا الوجود محجوبة 
حتى يهزني ما يضطرني لأن ارتطم فأتجرح وأنزف وألتحم بجسدي هناك ، 
كلانا على فزع تذرو الحياة غنائم ترحالنا .
 
* كاتبة من المملكة العربية السعودية/ جدة.