علاقة الشكل بالمضمون في رواية "ظل الريح" لكارلوس زافون

صالح الرزوق*

تتداخل في رواية "ظل الريح" للكاتب الاسباني كارلوس زافون* حكاية خوليان كاراكس، الكاتب المغمور، مع حكاية دانيال الراوي الشاب. وإذا كان الثاني يستمد أساسا المبرر لوجوده من متابعة ملابسات الأول، فهذا لا يعني أنه ليس رقما صعبا في المعادلة. فمنذ البداية وحتى قرابة النهاية يقدم لنا هذا الشاب شهادة عن حياة الشوارع في برشلونة وعن مهازل الفاشية وعيوبها، عن أهمية الحياة الحافلة بالعطاء والحب. لكن لا يفوتنا أن ندرك أن الحب لديه مجرد رغبة. وقد خصص زافون للحب، ببعده الجمالي والأخلاقي، حوارات متعددة تدور بين دانيال وزميله الصعلوك المتشرد فيرمين. ونفهم بالنتيجة أن الغرام هو أفضل طريقة لكسر اليأس ص 77. وأن المرأة لغز يزيد من حجم المعاناة التي تعقد حياتنا. وبهذا المعنى يقول فيرمين: "إن أحدا لا يفقه شيئا عن النساء. بمن فيهم فرويد". ويضيف للتأكيد: إن النساء يجهلن أنفسهن ص 106. وإن قلب المرأة آلة معقدة ص155. ولا يبتعد زافون بهذه الرؤية عن ملعب روايات الواقعية السحرية. فهو مثل ماركيز وأليندي وأستورياس يباشر الواقع من جانبه العملياتي، وينظر للحب على أنه طاقة مكبوتة ولا بد من تحريره، وأنه على شاكلة  بقية الممنوعات يجب اختلاسه في الوقت المناسب. وعلى حد تعبيره: إن الرجل الحقيقي يشتعل في لحظة مثل القنديل، ويبرد في اللحظة اللاحقة فورا ص154. 
ولكنه يختلف عن بقية كتاب الواقعية السحرية بعدة نقاط.
*الأولى رهاب الخصاء. فقد انتهى حب دانيال لكل من كلارا العمياء وبيا الأرستقراطية، بدرس في التهذيب وبالضرب المبرح. وهذا الضرب لا يرمز لسلطة الأب فقط ، ولكن أيضا لمشكلة الحرية مع المجتمع البطريركي. وهو ما يفسر الطبيعة الافتراسية لبعض اشكال الجنس الذي تجد أدلة عليه في عدة مواضع. مثل قول زافون: إن المرأة لحم مكتنز (ص106). أو قوله: نحن نعري المرأة مثلما نقشر حبة كستناء (ص107).
*الثانية مستوى نسائه. فالمرأة عند ماركيز عبارة عن ضرورة مثل الطعام للجائع. أما لدى زافون فهي معاناة وصراع مع الذات. وغالبا ما تكون نساء ماركيز من الغواني الصامتات. لكن نساء زافون أشبه بكنز المغارة، مودعات في صندوق محكم الإغلاق وأمامه حارس. وهذا الصندوق هو مفهوم الشرف القروسطي الرومنسي. فلكل امرأة ملاكها الحارس. وهو غالبا من الطغمة البطريركية.. أب أو أخ أو مايسترو. أنا أعلى متسلط لا نختاره بل يفرض علينا بالقوة.  
*الثالثة والأخيرة هي الكلام. فالحوار مختصر جدا في أعمال ماركيز، ويحتل الوصف كل المساحة. بينما الكلام في "ظل الريح" غاية بحد ذاته، وليس جزءا من الأحداث. كما أنه لم يكن ضروريا دائما. إنه ثرثرة لتمرير الوقت، نصفه للتواصل، والنصف الثاني للتعبير. وبلغة باختين كانت الحوارات موضوعية وذاتية، مثل الفعل الإنساني. وهي توسع اللغة من خارج اللغة، وتشكل واقعا لفعل التخاطب. وقد وضعت حياة العمل على حدود وعيين وذاتين، أحدهما مستقل عن الآخر**. ولذلك اهتمت بمسائل ذهنية مثل: أهمية المحرك الجنسي والطعام وسلوك المجتمع، والأهم أنها لا تخلو من التبجح والادعاء. وهذه هي إحدى أهم صفات الرواية، أن شخصياتها استعراضية وذات بعد واحد. 
وقد تأثرت بنية الرواية بذلك. فقد أتت بشكل حكايات عن ذاكرة حاضرة وأخرى غائبة. و بينهما مساحة رمادية هيأتنا للتعامل مع الوهم وكأنه خيال. بتعبير آخر لقد كان زافون يبادل بين النسيان والذاكرة  لإلغاء مفعولها السالب. ويمكن القول إنه استعمل النسيان لتنظيف جروح شخصياته. حتى أن البنية التي اختارت أن تكون جزءا لا يتجزأ من العقل المفتوح لما بعد الحداثة حاولت أن تلغي ذلك وتنساه ، بواسطة تصورات تعود أساسا للسرد البدائي كالرسائل والمفكرات والتفكير بصوت مسموع، وهناك فصل كامل (من صفحة 399 إلى صفحة 480) هو مذكرات نوريا مونفورت عشيقة خوليان. 
وليس معلوما بالضيط ماذا يحدو زافون لاستعمال هذه الكولاجات أو الملصقات. لقد استعملها بطريقة رواية داخل رواية، أو تجاوزا ما يشبه تكنيك الأصوات. لكنه لم يعمل على توزيع نشاط كل صوت بالتساوي داخل البنية، وخص شخصية أو اثنتين من أصل حوالي عشرين شخصية بهذه الميزة. لقد قدم لهما إمكانية الإعراب عن صوتهما الخاص في حين كمم أفواه من تبقى.  وكانت هذه الأصوات الدخيلة ذات مفعول مثمر، فقد عملت على إلغاء الحقائق التي ذكرها بطل الرواية دانيال واستبدلتها بحقائق بديلة. وإذ لا مشكلة في اكتشاف الحقيقة الفنية، على دفعات، فإنه يصعب فهم لماذا أصر زافون على بيع الحقيقة وكأنها وهم.  ولنأخذ مصير خوليان كمثال. لقد قدمه زافون منذ الصفحات الأولى على أنه ضحية لمبارزة في إحدى المقابر. ولكن كشف في الصفحات الأخيرة أن الميت هو صديقه ميغيل. ولهذه المفاجآة حيثيات تزيد من عبثية المشهد. فخوليان يسرق هوية ميغيل، ويعاشر زوجته، ويعيش بمكانه وكأنه يحاكي سيناريو الكونت دي مونت كريستو. فكلاهما استغل موت زميله للهرب من ظلام الزنزانة إلى الحرية، وكلاهما بدل هيئته، لكن أحقاد كريستو زادت من وسامته، في حين أنها ضاعفت من بشاعة خوليان. وهذا هو الفرق الأساسي بين ألكسندر دوما وكارلوس زافون. أحدهما يجد الحل بالتصعيد، والآخر يجده بالسقوط. وبهذه الطريقة لم يفقد المعنى مغزاه، ولكن تبدل الدال فقط، أو الجزء الخاص بعالم المظاهر. وهو ما يفسره دريدا بالعنف المطبق على وجه اللغة. 
والسؤال الآن: ما ذا أراد زافون من وراء هذا التحويل؟. هل كان يود ترميم الذاكرة أم تقشيرها؟.
الواقع أنه لا يوجد شيء مثبت. فقد أغرم زافون بحجب الشخصيات والكشف عنها، مثلما أغرم بتبديل المصائر (انظر آخر فصل بعنوان: المآلات – ص 515). ولم يكن معنيا بخط واحد في أسلوب الكتابة. لقد مزق العقد بين الكاتب وروايته، واختار لها أن تضيع في متاهة من الأساليب.. حواريات نصف درامية وكأننا على خشبة مسرح، وثرثرة بلا معنى ولا تضيف معلومة واحدة لما يجب أن نعرفه. بالإضافة لرسائل طويلة ومذكرات أطول وبالتناوب مع مطاردات بوليسية. 
إن كل خط من هذه الخطوط له ذاكرة فنية، سرعان ما يمحوها الأسلوب اللاحق. وتناوبت مع هذه الحيلة كذلك هندسة المباني. فقد اختار زافون أن تكون على النمط الباروكي، كثيرة الزخارف، ويخيم عليها الظلام وباردة، بعكس جو البلاد الحار والذي يغلي بالصراع السياسي والعسكري. ورمز زافون لهذا المحور بشخصية فرانشسكو خافيير المحقق السادي، وهو إنسان مجزأ دون موقف أو إيديولوجيا، وكل ما يهمه إلقاء القبض على الضحايا وتعذيبها، حتى أنه عمل بخدمة السلطات الأناركية وحكومة الجنرالات وقبل ذلك مع الكومونة. وفي كل معسكر كان هو نفسه، بلا طعم ويلعب دور العصا التي تضرب لتؤلم أو لتقتل. 
لقد عرف زافون كيف يجعل الذاكرة تغسل نفسها وتنسى معناها، ولم تعد تمثل مرحلة من التاريخ بقدر ما تمثل طورا من أطوار التهيؤ للإلغاء أو النفي، وكأنه يعيد بناء حاضر إسبانيا على أساس من التثبيت والتنظيف. وإسبانيا أو شبه الجزيرة الإيبيرية أساسا هي ملتقى عدة أديان وحضارات، بدءا من الإسلام، وحتى النازية والفاشية. ولذلك فصل زافون الوعي عن المعرفة، مثلما كان عليه أن يفصل معنى تسلسل التاريخ عن ثوابت الحضارة وإدراكنا لها. وترتب على ذلك اختراع سلسلة لا متناهية من الرواة، فلكل حكاية الراوي الخاص بها. وعليه تداخلت الضمائر بشكل متاهة من وجهات النظر، مع تعويم ضمير المتكلم لإلغاء أي مساحة تفصل بين الرواية والحكاية. وبهذه الطريقة أعادت "ظل الريح" للرواية الحديثة أنفاسها الميتة، وخلصتها من مشكلة التقشف بالسرد ومن عيوب موت التاريخ كما يقول الناقد الأدبي حمزة عليوي***.
وتبقى عدة ملاحظات لا بد من ذكرها.
أولا أن المباني الباروكية في الرواية تخلو من السكان وتضم رفات الأحياء فقط، ولذلك خيمت عليها حتمية لا تلائم مبدأ التشويق. 
ثانيا الحبكة مفتوحة والشخصيات مغلقة. وهذا يخل بمبدأ الشكل المكاني للشخصيات (حسب افتراض باختين**). بمعنى أنه يضع الشخصية خارج وعي المؤلف بها.   
وثالثا إنه يمكن إلغاء أجزاء من المحاورات دون الإضرار بالمعنى أو الحبكة. ومثل هذا الخلل العضوي أدى لعدم تساوي وحدات السرد والفصول وعدم تبني صوت شخصية واحدة مسؤولة عن ترتيب الأحداث والتفاصيل. فكل الروايات الجديدة إما أن (1)- تلجأ لتناوب الأصوات، أو (2) لشخصية مركزية يدور الآخرون من حولها. أما "ظل الريح" فقد فرضت نفسها على الأصوات، إذ  كانت أصواتا موجهة وليست بريئة ولا محايدة، وفي الوقت  نفسه وضعت الشخصية المركزية بمساواة البقية دون أي تميز أو علامة فارقة. لكنها في النهاية تبقى من أهم البكائيات التي كتبت مرثية موجعة لمصير الإقطاع الوطني، بشكليه الزراعي والصناعي، والذي دمّر إسبانيا بآلته العسكرية وبطموحاته. 
 
* ظل الريح. ترجمة معاوية عبد المجيد.  مسكيلياني للنشر. تونس. 2016.
**النظرية الجمالية. ترجمة عقبة زيدان. دارنينوى. دمشق. 2017. ص 20-21. وص 40-41 ، وص79على التوالي.
*** من رسالة بتاريخ 6-1-2019.
 
كانون الثاني 2019 
* أديب ومترجم من سورية.