عقوبة الفيفا

Printer-friendly versionSend to friend
منصف القرطبي*
 
تنهض أختي لتعجن الرغيف على القسرية. أمّي تحمل ملعقة وتحرك التوابل وهي ترفع يديها إلى الأعلى وتتذوق الشوربة. أختي تقلي الرغيف على المقلاة. أجلس في المطبخ. أنهض لأشرب الماء. وأمرّ بجوار الرغيف فأسرق بعضه، وأخفيه تحت إبطي. أمّي لا تراني لأنّها تدير ظهرها إليّ؛ وتحرّك الملعقة يمينا ويسارا. أجلس في الركن منعزلا، خيفة أن..
تناديني أمّي، أقفز، والذعر يـسير على شوارع نفسي. أخفي الرغيف تحت المائدة. أخال أمي علمت بـ...أهبط مع الدرابزين وأعود بدرهمين من العدس، وأنا أدّق بقدمي درج السطح. وأحـمدُ اللّه.
أتلذذ بالرغيف وأعصر نعناع إبريق الشاي في الكأس الذي وَضعتهُ أمامي. أرفع الإبريق إلى مستوى وجهي، وأعصره لعلّني أحصل على كوب أو نصف كوب أبلل به هذا الرغيف الناشف كالتبن. 
"الكَـابْتـِنْ مَاجِدْ..الكَـابْتـِنْ مَاجِدْ عَادَ إِليْكُـمْ مِنْ جَدِيدْ..".
الرسوم التي أحبّها ستنطلق للتو. تركت الكابتن ماجد أوّل أمس، معلّقا في السماء. وأترقبه أن ينزل في هذه الحلقة. أفكّر في أشياء كثيرة : لربما يموت من الجوع وهو يصعد إلى فوق. إذ لا أحد سيمنحه كسرة خبز أو شربة ماء على الأقلّ. سيموت ماجد إن لم يقف على قدميه نازلا من السماء. تسديداته ستثقب الشباك هذه المرّة أيضا؛ لذلك فهو يتعذّب ويصرخ حين يركل الكرة : ضَرْبَةُ مِـخْلَبِ النَّـمِرْ. لكن ما علاقة مخالب النمر بكرة القدم؟ على كل حال الكابتن ماجد أدرى منا بهذا الأمر ! 
أمّي تنادي إخوتي وتترك لأخي صحنه وحيدا على الكونتوار؛ لأنّه لا يطيق رائحة السْمْنْ. أنهض لأشرب الماء؛ أحمل قنينة السمن، وأضع كمية في صحن أخي. سأشتاق إلى  أكلة الرْفيسة في المساء؛ لذلك عليه أن لا يأكل هذا الصحن ويتركه لي، وحدي...
"يَّــعّعّ يَّعّعّ يَـــعّععّعّ تفُّو..."
يتفل أخي ويولول. يبصق ويتقيأ الرفيسه. أضحك؛ وأحبس ضحكة مجلجلة.
تنظر أمّي لإخوتي وإليّ بنظرات عميقة. أنظر إلى إخوتي. يحمر وجه أخي الصغير. ويحمر وجه أخي الأكبر منه قليلا. لكن وجهي لا يحمر. يصفرُّ على الدوام حتى في مثل هذه المواقف. أملأ يديّ بلقمة من الرفيسه وأرسلها إلى شباكي الداخلية على شكل كـرة تنس. وأتلذذ بطعم الرفيسه. وفي البال صحن آخر منها  سآكله مساء حين يخرج الجميع.
مساء أصعد إلى المطبخ. وأتجه إلى الصحن. يا للكارثة !إنّه فارغ !من من أكله؟
سيغمى عليّ؟ لعابي يسيل! شهيّتي مفتوحة ،مفتوحة جدا..
ألتفت ورائي. أتفاجأ بأمّي تحمل صندلة في يدها اليسرى وتُقَلّْـزْ(تشير بإصبعها الأوسط) باليـمنى :
-لَـحْتُو أَنا ودَابَا نتَا غَتْخَلْصُو عْصَا !
أجري حافي القدمين وأمّي تردّد :
-مَعَدّْكْ فِينْ تْهْرُبْ. ستعاقب بالحرمان من الرفيسه لـخمس مباريات متـتالية.. هههه !
 
* قاص من المغرب.