عـــذاب

سفيان سعيداني*

كان يتجاهلها ولكن عمدا٬ وكانت تحس بذلك وتتساءل في نفسها عن السبب الذي دفعه لفعل ذلك. كان يخشى أن يتبدى وراء تلك العينين المرهفتين الحادين٬ ووراء تلك الإبتسامة الباردة الجوفاء ضعيفا وعاشقا٬ كان شيئا أشبه بالخدعة التي ستحطم كبرياءه وأنفته ولكن الخدعة الكبرى هو أن يقول في أعماق نفسه أنه لا يحبها .
كان يعشقها بشدة ولا ينظر إليها٬ يستشعر حركتها وابتسامتها٬ يتمنى لو يطيل النظر في عينيها العسليتين٬ كان يتحطم حينما تطيل النظر إليه، ولا يسعه سوى أن يشيح بوجهه هناك نحو النافذة، يرمرم أنقاض صدر،٬ يرمرم قلبه الذي كان يتساقط في صدره ركاما وفتاتا .
مطر يدق البلور٬ سواد الليل دثار للضائعين الذين يتصرفون بغموض رغم بساطة الحياة٬ هؤلاء الذين لا يقولون شيئا ويقولون كل شيء بصمتهم٬ هؤلاء الذين يدفنون أحبابهم داخل أفئدتهم ولا ينسونهم لحظة٬ هؤلاء الذين يتظاهرون بالقسوة ولكنهم ضعفاء للغاية القصوى .
انتظرته طويلا حتى يبادرها بكلمة٬ لكنها يئس،٬ نهضت وهمت بالخروج٬ فقال لها :
- ما زال الوقت باكرا .
ابتسمت بخفية حتى اغرورقت وجنتاها بالدموع لكنها ردت :
- يجب أن أرحل .
كانت تخادع نفسها أيضاً،  شاءت لو تجلس بجانبه طول عمرها٬ لكن هذا العذاب الذي تترجعه بقربه لا يطاق أبداً، كانت مكرهة على خطواتها٬ تتعثر بين مقاعد المقهى٬ وعندما أدركت العتبة تذكرت أنها نسيت معطفها حذو الطاولة، عادت بسرع.، التفت إليه،٬ تفرس في حدقتيها الرقيقتين
قالت له : 
- نسيت معطفي .
فمد إليها به، حملته وانصرفت، وكانت تبكي بحرقة وصمت .
هناك نحو النافذة مرة أخرى كان ينظر. توقف المطر، ولكن اغتالته دمعة هوت، أشعل سيجارة ابتلع دخانها بلهفة،  تدثر مليا بمعطفه وأشبك أصابع كفه في خصلات شعره،  وقبع يفكر،  كيف لهذا العذاب أن ينتهي ؟ .

 

* كاتب من تونس.