عـشرون عـاماً في ظلام دامس تحـت الأرض

د. عـبد القادر حـسين ياسين*

 

تـُعـتـبـر روايـة "تـلـك العـتمة الباهـرة" للروائي المـغـربي الطـاهـر بن جـلـون، إحدى أجمل روايات أدب السجون، وأكثرها اختراقاً للنفس ،ومساساً بشغاف القلب، وقدرة على توصيف واستبطان خـفـايـا  النفـس البشرية، عندما تتعرض لتجربة الانحباس داخل قضبان السجن واستلاب الحرية، ودخولها مرغمة في عـزلة إجبارية ، تتعرض فيها إلى مواجهة دائمة مع النفس، مع كل ما يتجاذبها من مدّ وجزر ،وأمل ويأس، ورجاء وقـنوط. 

 

وعلى الرغم من  أن الإنسان يجد نفـسه دائـمـاً سجيناً  داخل حدود جـسـده وداخل حدود الزمان والمكان ، تبقى قـضبان الزنازين وغـياهـب السجون أكثر ضيقا ، وأشد قـتامة وظلمة من سجن الجـسـد والزمان والمكان، الواقفـين أبداً في وجه رغبة الانسان في الانعتاق والتحرر. 
فمن ظلمات عـتمة مدلهمة بهيمة اختزلها الطاهر بن جلون في عـبـارة باهرة ، كتب روايته المستوحاة من قـصة حقـيـقـية لأحد سجناء مـعـتـقـل  تـازمـامـرت في عـمـق الـصـحـراء بالمغرب ، حيث أمضى ذلك السجين عـشرين عاما في ظلام  دامس تحت الأرض، في أوضاع أقـل ما توصف به أنها بعـيدة كل البعـد، عن أدنى ما تستطيع النفس البشرية أن تتحمله!. 
وبلغة قادرة على الوصول إلى خـفـايـا النفس البشرية ، وقـدرة مذهـلة على فك شفراتها ، يصف الطاهر حال ذلك السجين، الذي كان يرى رفاقه يتساقـطون واحداً إثر الآخر، بعد أن فـقـدوا القدرة على المقاومة والاستمرار في العـيش، داخل الكهف وفي غياهـب سجن العزلة ،  والبقاء وجها لوجه أمام مرآة الذات. 
ولا يـمـلـك الـمـرء إلا أن يـعجب من إرادة الإنسان ، وقدرته على التشبث بالحياة والانتصار لها، رغم القسوة والألم والعـذاب الذي يحدق به من كل جانب،  ولا يملك إلا أن يـتعجب من قدرة هذا الكائن الساحر، على ابتكار الحـيل واختراع الوسائل، التي يستطيع أن يقاوم بها البشاعة والظلم والألم والقسوة، وكيف يحاول إجـتـراح طرق تمكنه من المقاومة والاستمرار في البقاء، محاولا عـزل نفسه من ماضيه ، فهو يدرك أن الذكريات أمضى الأسلحة ، التي تقـضي على الارادة والقدرة على المقاومة. 

 

ينظر السجين في ذلك الـمـعـتـقـل الصـحراوي الرهـيب ، إلى حياته الماضية كأنما هو ينظر إلى حياة شخص آخر،  فهو يتعرف على تلك الحياة ولكنه لا يعرفها ، وكأنه لم يكن طرفاً فيها ،حتى لا يهتف به الحنين ويجرفه إلى هـوة اليأس. 
ويستعـين بالصلاة حتى تستطيع روحه أن تنسل من داخل جسده ،  وتبتعد عن آلامـه وعذاباته،  فيتم له الانفصال التام عن الجسد المنهك بالأمراض،  فيتحرر من تلك الآلام ، فالتخلي عن الارتباط بالماضي أو التعلق بالأمل ، يجعلانه قادراً على تجرع الصبر 
يأتي خلاص سجناء تـازمامرت الذين هلك منهم قرابة الثلاثين، عبر تسرب خبر السجن والممارسات اللاإنسانية فيه ، إلى منظمة حقوق إنسان في فـرنسا! وحينها فـقـط تسعى الحكومة المغربية آنذاك لاطلاق سراحهم، ومن ثم ردم السجن وانشاء حديقة فوق أرضه، تخفي تماماً معالم الجرائم اللاإنسانية ،
التي كانت ترتكب في داخله. 
يبدو أن الهاجس الذي يعـربد داخل كل سجين، هو محاولة الاحتفاظ بقواه العقـلية وعدم فقدان السيطرة على وعـيه، فيجـترح كل منهم وسيلة تمكنه من السيطرة على عـقـله ، ومنعه من الدخول في متاهات الهـذيان والجنون... 
فـالـدكـتـور عـبـد الرحـمن الفاسي كان يشغل عقـله بمراقبة النمل، والتعـرف على المتغيرات في سلوكياته ، ويمرن ملكاته بالأنماط التي تحقـقـت في خيط مسيرة النمل، الذي يمر من خلال فـتحة الزنزانة! 
وفي مـذكراتـهـا تـقـول المناضـلـة اللبنانيـة سهى بشارة ، التي قضت عشر سنوات كاملة في معتقـل الخيام ، بعد أن حاولت اغتيال الـعـميل انطوان لحد، أنـهـا كانت تمارس الرياضة حتى وهي في الزنزانة الانفـرادية، حتى تقوي جسدها المنهك من التعـذيب، ومن جرعات الكهرباء التي تنفـث فيه، كما كانت ورفيقاتها في السجن يحاولن ممارسة بعض الهوايات الفـنية،  بطرق بدائية جدا كصنع المسابح من نوى الزيتون. 
وتتفجر في السجون كثير من المواهب الأدبية والشعرية والفـنية، والتي يبدو أن تفجرها يأتي كوسيلة لمقاومة الوحدة والعزلة،  التي يجد السجين نفسه يغرق في ظلماتها. 
جـاءت فضائح  ذلك المـعـتـقـل لتؤكد أن الوحش الكامن داخل الإنسان، يظهر عندما تتاح له الفرصة، ليمارس التعـذيب الوحشي ، وانتهاك الكرامة الإنسانية والبشاعة بكافة أشكالها وصورها . 
ولكن تبقى الديموقراطية قادرة على تصحيح ذاتها ، وكشف النقاب عن الفضائح التي تتم في السجون الـعـربيـة .

 

وبـعــد ؛
 أن العـتمة الحقـيـقـية تكون دائما بين ثنايا النـفـس ، وليس بين قضبان السجون ... 
تجارب قاسية تغـور بـنـا حتى مكامن الوجع ، ولكنها جـديرة بالتعلم منها وتطرح سؤالا ملحا: 
أيهما أشد قـسوة وأكثر إيلاماً : ظلمة النفس أم عـتـمـة السجـون الباهـرة؟ 

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.