عـبـد الكريم اليافي .. موسوعة معرفية 

د.عـبدالقادر حسين ياسين*

تعـود معـرفـتـي بالدكتور عـبـد الكـريم اليافي إلى شهر آب من عام 1987، 
كان ذلك أثناء نـدوة دولـيـة في مـوسـكـو. 
كانت معـرفة من طرف واحد، وقد حصلت ونحن في متحـف بوشكين ، نشاهـد معرض صور تجريدية وتكعـيـبـيـة لـبـيـكاسـو. 

كان اليافي يقـف عـند كل لوحـة متأملاً ، وأمارات الاندهاش والبهجة تـبـدو على وجهه. 

وقـف أمام إحدى اللوحات، تأملها طويلاً ثم قال : "يا سلام... كأني آكل بـقـلاوة!". 
أما أنا فكنت أتفرج على اللوحات ولم أفـقـه منها شيئاً. 
كنت كمن يأكل شيئاً آخر لا مجال لذكره الآن.
وتوطدت صداقـتـنـا. 
أصبحت أزوره في البيت. 
كنت أستمتع بالإصغاء إليه وهو يتحدث في شتى المواضيع الأدبية والفكرية. 
كان موسـوعة بكل معـنى الكلمة. 
كنت مرَّة في زيارته. 
سألته عـمـَّا إذا كان عـنده كتاب "الفـصول والغايات" لأبي الـعـلاء المعـري. 
قال : "نعم، لكني لا أستطيع إخراجه بسهولة من المكـتـبـة. 
ماذا تريد منه؟"
قلت له أريد أن أكتب زاوية عن الفصل السابع ، الوارد في ميثاق الأمم المـتحدة، 
الذي يـنـص على استخدام القـوة لـتـنـفـيذه. 
ضحـك وقال: 
"ما علاقة "الفصول والغايات" للمعـري ،
بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة...؟!"
قلت له: أستطيع أن أجد رابطاً بأسلوبي الخاص.
قام وأحضر ورقة وقـلماً قال لي: 
"أكتب ما أملي عـليك."
وبدأ يملي عليَّ. 
أملى ما يقارب نصف صفحة. 
قلت له يكفي ذلك.
ما هـذه الذاكرة العجيبة التي يتمتع بها هـذا الرجـل؟! 
قـلـت له : وكيف تحـفـظ بذاكرتك كل هـذه الأشـياء؟ 
قال : "أنا أستذكر ليلاً وأنا مستلقٍ على الفراش ما قرأته نهاراً. 
وما يعجـبـني يعـلق في ذاكرتي..." 
قال لي مرة : "أتمنى لو أن أحدهم يحاورني وأملي عليه. فـلدي الكثير، وأخشى أن أموت فـيموت معي". 
قلت له: يمكن استخدام آلة التسجـيل. 
قال : "آلة التسجيل جامدة. الحوار يستخرج الأفكار." 
سألته مرة، وكانت ابنته سـوزان تعـزف مـقـطوعة لبيتهوفـن: 
ألا يمكن أن يتكرر موسيـقـيون مثـل بـيـتـهـوفـن وموزارت وشـوبان؟ 
قال : "هناك رجالات في التاريخ خالدون ولا يتكررون. 
فهل يتكرر المتنبي والمعـري وسـقراط ومايكل أنجلو...؟!"
سـيـبـقى اليافي في ذاكرة الأجيال، واحداً من عمالقة الثقافة العربية.
 
(الصورة المنشورة للمفكر عبدالكريم اليافي).

* أكاديمي وكاتب فلسطيني مقيم في السويد.