عطش يُكذب الأنهار

فواز قادري*

 

عطش يكذّب الأنهار والمطر ولا يخجل 
يسرق حصص الأشجار والنبات
يفتح يديه ويتبرّم من المطر:
لم أنل نصيبي من الهطول والجريان يقول
جند الطاغية يسرقون البركة وأرواح الناس
ويكسرون أقدام السواقي وينشّفون اكسير الجذور
هذا ذنب العطش الجبار يقولون:
يسرق الندى عن الأعشاب
ويقولون ذنب أمطار تترفّع ولا تهطل
وذنب أرض لا تخرج العيون من باطنها
وذنب ينابيع تتوقف كسلاً ولا تسيل. 
** 
عطش أبديّ يا بنت
هل يستحي المطر؟ 
يتفرج على يباسي ولا يفعل شيئاً
أنا وريثك أيام البساطة والخير
أحمّل صحاريك الذنب وخطيئة الجفاف
 وأحمّل العجاج هجومه على زلال الينابيع
هل تتفرّجين على عنائي وحرقة قلبي؟
أليس لك غيمة في الجوار؟
دعيها تمر بجانبي وتلقي السلام
أو تشير بهطول خفيف من بعيد
أو تزيّنني بحملها الذي يهمي علي
أنا ملقى هناك بآخر تخومي
عند بلاد تحترق
قلبي ساقية يجري فيها الفرات
وجسدي وعل جبليّ
يستقبل الطعنات على أشكالها
من القامشلي النبيّة في عروق الشمال
حتى سهول الخير في حوران.
*** 
أقوالي "على قارعة الطريق"
لا تعيريها اهتماماً مثل أي حجر لا يعي
ودم بلادي أيضاً على القارعة
دوّري فيه عن جمر المعاني
ذاك الذي يشعل الأحاسيس وينبئ بالمطر.
**
عطش أنا
 أمطر وأفيض بالحب
رغم أنني بعيد عن بلادي
أريد أن أقول لأي عابرة: 
صباح الحب 
أحتار أين أدير قلبي؟
أينما التفتُّ
ثمة مجزرة سكرانة بدمنا
وورد حزين في حدائق البيوت
ظلال خطوات من هربوا بأرواحهم
بقايا خبز يابس
وطقم أسنان عجوز مكسور
أينما تدير القصائد عينيها
يسيل دم من الكلمات
وفي الشوارع 
تتراكض جروح فاغرة.
***
لا تغلقي غيمك حين يزدحم الشتاء في قلبي 
الفصول خادعة وتبدّل ثياب شهوتها عندما تريد
الخريف ببنطال الجينز القصير
والربيع يعيّر الصبية بغطاء رأسها
والصيف رقصة الصبابة ودبكة الأعراس
والعطش شيخ يتزيّا "بشروال" وقلنسوة 
ويكثر من الصلوات والدعاء 
دعي أنهاركِ تمر قرب جسدي اليابس والجذور
لا عناقيد في الكروم ولا فاكهة في الدوالي
لا أسرار عند الموتى تحيي بريق الحياة في الأعين
كثر عسلك وتكاثر على الحواكير غريب الذباب
لا رسل يقرؤون عليك سورة الفاتحة
خلص عسلك والثعالب مازالت تحاصر البستان..
***
العطش يعرّي كل شيء 
 لم أستطع أن أخفي أرواح الناس
قلت الأنهار تكفي وقوافل الغيوم
قلتُ السواقي تمرّ بجانب الصبايا
ينظر إليها ويتجدد الفلاح العجوز
وكنت أعرفه يتربص
يعري الأبدان ويمنح هدايا الموت للأطفال
فلا تبخلي بحليب حلمتيك على شفاه الصغار
نهداكِ أخضران ولي حصتي من حقول الجسد
على اتساعي تتسع فصولكِ حين ينهبني العطش
في جعبة المطر بعض ذكريات عن الجفاف
وفي ذاكرة الحقول حريق تاريخ طوائف لا يتوقف 
فُطور الأقدام ونشاف جلد الوجوه
الشفاه مشقّقة وينكر جريمته العطش
لا يد لي يقول:
لم أقرب شجرة ولم أقطع عنق حقل قمح بمنجلي
هذا ما حصده جراد العسكر في ليله الطويل
.
* شاعر من سوريا ــ ألمانيا