طنجة.. حوار الأزمنة والأمكنة

د. محمد شداد الحراق*

قديما قال الشاعر المغربي محمد بن ابراهيم هاجيا ساخرا:
إن كان في كل أرض ما تُشانُ به    
فإن طنجة فيهــا المطعم البلــدي
أخلاق أبنائها كالمســـك في أرج       
بعكس أخلاق رب المطعم البلدي
 
كان لهذه القصيدة - بدون قصد ناظمها- دور إيجابي في توجيه بوصلة انتباه القراء نحو مدينة طنجة، وفي زرع الفضول في أعماق محبي الإثارة ومقتنصي المتعة. فقد ظلت كلماتها الرنانة المستفزة لاصقة بجدار أذهان الناس زمنا طويلا، بل دفعت الكثير منهم إلى البحث عن ذلك المطعم اللعين المشين ، للتأكد من صحة ما قيل في حقه من هجاء ووصف وتعريض. لكن الزائر حينما يقصد هذه المدينة الآسرة المدهشة ما يفتأ أن يتيه في سراديب الجمال، وينجذب إلى مغناطيس ذلك الأفق الساحر المستبد بالقلوب المتحكم في الأذهان، فينسى دافعه الأول الذي جاء به من الآفاق البعيدة، ويتنكر لحافزه على الزيارة والتقصي. يجد نفسه أسيرا في مدينة دافئة ساحرة ملهمة مثيرة للخيال مستفزة للحلم والإبداع، تسلب منه إرادته وتنسيه قصة المطعم البلدي وصاحبه، فينجرف مستسلما مع سيول المتعة، هائما في أكناف جنة عائمة ناعمة حالمة لا حدود لمفاتنها.  تتعالى حوله النداءات المرحبة الصادرة من كل الزوايا المنزوية والأركان المعتمة. تستقبله البسمات الوديعة المرسومة دوما على الوجوه المسالمة. يحتضنه الزمن الخالد المطل من الأسوار القديمة،  فيسافر مرغما نحو ضفاف الماضي وإلى حواف المستقبل بلا جواز سفر وبلا تأشيرة مرور. يسبح بروحه المسحورة المتطلعة للخلود في حوض من الجمال السرمدي، وتهيم نفسه  مع مناخها المتوسطي- الأطلسي المعتدل الوديع، ويحلق خياله بعيدا مع هبات رياحها الثائرة الغاضبة، ويستحم كيانه برذاذ شواطئها الممتدة في كل اتجاه، وكأن (هرقل) الحارس الأسطوري قد أوصى الرياح العاتية والأمواج الهادرة في تعاليمه المحفورة على الصخور بحماية مدينته البحرية الغالية من كل شر مستطير ومن كل أذى محتمل. 
هكذا ظلت طنجة على مرّ التاريخ، تكتب ملحمة التميز والإثارة والبهاء، وترسم لوحتها الجميلة بريشة بساطتها التي لا حدود لها، وتخط سيمفونية الخلود بمداد أخلاق أبنائها الطيبين البسطاء. تقدم للعالم رصيدا ثقافيا باذخا ونموذجا حضاريا متفردا في التمدن الراقي والانفتاح المتزن بالموازاة مع تقديس الذات واحترام الخصوصية. مدينة لها أكثر من تاريخ، حبلى بآلاف الحكايات والأحداث. تحرسها إلهات الحسن والجمال، وتمدها بأكبر نصيب من الإثارة حتى صارت جميلة في كل الفصول وفي كل الأحوال؛ جميلة في مظهرها وجوهرها، في تصوّفها وتحررها، في صمتها وصخبها، في هدوئها وتمردها. في خشوعها وعبثها... فيها تبرز ألوان الأصالة المتجذرة متجانسة مع صور الحداثة الوافدة، وفيها يتشكل نسيج الماضي والحاضر في ثوب فضفاض لا حدود لبهائه، وفيها تتداخل الأزمنة برفق ودعة، فيعيش المقيم فيها أو الزائر لها أكثر من حياة، يطل عليه الماضي من بين الأمكنة الناعسة والزوايا المشبعة بالأسرار، ويسحره عبق التاريخ، وتدغدغه حكايات الأسوار المنتصبة والبنايات الشاهدة. هكذا هي طنجة.. مدينة الاستثناء والتميز. ترفض التنميط المُملّ، وتتعالى على الرتابة القاتلة. ترحب بالجديد ولا تلغي القديم ولا تتنكر للموروث. تنصت إلى ألحان الحياة كلها وتتفاعل معها بأذن حساسة محبة للجمال وبوجدان إنساني يقبل الجميع بلا تمييز أو إقصاء. تعزف على أوتار الحب والخير والقيم الخالدة، وتفتح ذراعيها لتحتوي العالم، ولتترك بصمتها المؤثرة في كل نفس.
بهذا الزخم الجمالي اللامحدود صارت طنجة علامة دالة على التفرد الاستثنائي. فهي مجمع البحرين وملتقى القارتين ومصب حضارات العالم ومهوى القلوب والأفئدة. مدينة حاضنة للجميع.مفتحة أبوابها، مشرعة ثغورها على العالم منذ زمن بعيد. كانت دائما وما تزال مسرحا أوبراليا كبيرا معدّا لتلاقح ثقافات الشرق والغرب والشمال والجنوب، لتكتسب صفة المدينة الدولية سياسيا وثقافيا وإنسانيا، تتزاحم فيها اللغات على ألسنة سكانها، وتتجسد فيها القيم الحضارية جليّة في سلوكيات أبنائها، وتتكسر فيها الحواجز النفسية والاجتماعية والثقافية بين عمارها المسلمين والمسيحيين واليهود وغيرهم ليعيشوا حياة هادئة، في لُحمة واحدة، مترفعين عن كل تصنيف عنصري أو تمييز عرقي أو ديني. يجمعهم المشترك الإنساني، ويؤلف بين قلوبهم الانتماء القوي لهذه التربة البهية الندية، حيث يسود السلم والتعايش والرقي.  
عاشت طنجة تاريخها المجيد المتجدد لحظة بلحظة، وفي كل تفاصيل هذا التاريخ الطويل الممتد ظلت مؤثرة ملهمة، تستقطب بسحرها الآسر أهل الأدب ورجال الفلسفة ومشاهير الفن ونجوم السينما، كما تهيئ  فضاءها الفاتن للمبدعين والأثرياء والسياسيين، ففضلها كثير من هؤلاء على مدن العالم الأخرى. استقروا بها وعاشوا بين أهلها وأبدعوا تحت سمائها قبل أن يدفنوا في باطنها. ويكفي سرد أسماء المقيمين والزائرين ليعرف القارئ حجم السحر الذي مارسته هذه المدينة على زوارها، فقد أغوت بمفاتنها: (بول بولز). (وينسطن ترتشل). (شين كونري). (جيمي هندريكس). (كوفي عنان).  (مجموعة بيتلز).  (مجموعة رولينغ ستون). (تينيسي وليامز). (ألبيرتو مورافيا). (فريديركو غارسيا لوركا). (صامويل بيكيت).(جاك كيرواك). (جان جيني). (دي لا كروا). (ألان غينسبيرغ). (خوان غويستيلو). (كلاوديو برافو).  ونختم هذه اللائحة بالثرية الأمريكية (باربرا هايتن) التي جعلت من طنجة مستقرا دائما لها، فقالت عنها: (الجنة هنا ..الجنة هنا.. الجنة هنا.)
ويكفي طنجة ذكرا في الخالدين أنها مدينة الانطلاق والعبور والاستقرار، اقترن اسمها بأحد كبار الرحالة العالميين (ابن بطوطة) الذي حمل اسمها في قلبه إلى بقاع العالم وإلى جزره ومحيطاته. وظلت أمّا ولودا تنجب التميز في أبهى صوره، وتحضن التفرد بجميع معانيه، وتغذي البلاد بأثدائها الخصبة،  فصنعت كبار علماء المغرب، ووضعت أكاليل الخلود فوق رؤوس رجال السياسة والفكر والسينما والأدب، وألهمت بجمالها حاسة الإبداع فيهم وحركت عزائمهم وأمدتهم بتلك الشعلة المتوهجة لإثبات الذات وفرض الوجود وتحقيق التميز، ويكفي أن نذكر أسماء موشومة في سجلات التاريخ والذاكرة، في مقدمتهم (عبد الله كنون)، و(محمد شكري)، و(مومن السميحي)، و(عبد الرحمان اليوسفي)، و(علي يعتة)،  و(فريدة بليزيد)، و(جلالي فرحاتي)، و(الطاهر بن جلون)، و(علماء البيت الصديقي)...وغيرهم كثير...
وأخيرا، أختم هذه الورقة التعريفية العاشقة بعبارة بديعة بليغة مقتبسة من التراثّ، جادت بها قريحة أحد أبناء طنجة الأوفياء، حينما كتب بالنيابة عن كل عاشق لهذه المدينة ما نصه:" أموت وفي نفسي شيء من طنجة".
 
(اللوحة المنشورة " خيج طنجة" للرسام الفرنسي هنري ماتيس)
 
* كاتب من المغرب.