طفولة مجهضة

محمد بنعمر*

 على ضفة بحيرة هادئة  تجثو مدينة بئيسة . البعض يقولون إنها منكوبة و آخرون يدعون أنها ملعونة . أزقتها تتشابه وعلى جنباتها   تتكدس بنايات ا تفتقد لأي لمسة  جمال معمارية . بنايات تنبت مثل الفطريات . دورها السفلى بمشابك حديدية  التي تتوالى وتتشابه بدورها. منها من استغلت وصارت متجرا  أو ما يشبه مقهى تستقبل روادا أوفياء  ينتظرون مرور الوقت  ، يحتسون قهوة مرة ويملؤون المنفضات بأعقاب السجائر . بعض المشابك ، أدينت بالإغلاق الدائم مع رسم في وسطها لعلامة بالأحمر والأزرق تمنع ركون السيارات . 

وجوه شاحبة تتيه في الأزقة المتشابهة . وجوه لا تبالي بصياح وضوضاء الباعة المتجولين بعرباتهم التي تجرها دواب . عند إشارات المرور ، قاصرون ينتظرون الضوء الأحمر لتتوقف السيارات ، ويتسارعون الى سائقيها   يطلبون مساعدة . ملامحهم و هيأتهم تستدعيان الإحتراز  حيث تغلق نوافذ السيارات في وجوههم . 
أطفال يجلسون القرفصاء على الأرصفة البئيسة،  وجوههم شاحبة ، ملابسهم متسخة ، و عيونهم جاحظة . نظراتهم متوسلة يطلبون ما يسدون به رمقهم . يثيرون الشفقة والحذر في آن. 
أطفال أخلي عنهم  ، أهملوا من طرف ذويهم وتجاهلهم المجتمع . أطفال دفعهم اليأس في مداشرهم المنسية الى الرحيل والمغامرة . يسافرون في القطارات بدون تذكرة ، مختبئين بين المقصورات متجنبيْن المراقب . في المدينة ذات الأزقة المتشابهة ، التي يعتبرونها نقطة عبور ،  يترصدون الشاحنات الأجنبية التي تنتظر الإبحار ليتموهوا في حاوياتها،  أو يختبئوا  في  محورها .  إذا حالفهم الحظ ولَم ينكشفوا  عند نقطة التفتيش ، سيبحرون الى الضفة الأخرى ، الى الأراضي الآمنة .  المحظوظون قليلون ، جلهم يتيهون في الأزقة المتشابهة يتسولون،  الحاجة والحرمان تحولانهم الى جانحين وربها سيكبرون  وراء القضبان . 
 
* كاتب وطبيب من المغرب.