ضوء على "أسئلة الكتابة والهوية حوارات مع المديني" لنضال القاسم

د. إبراهيم خليل*

 

 
أحمد المدينيُّ شاعر، وقاصٌ، وروائي، ومترجمٌ، ناقدٌ، علاوة على أنه كاتب سيرة، وذو مشاركات متعددة في أدب الرحلات، وإذا تجاوزنا مولده في برشيد على كثب من الدار البيضاء 1949 ودراسته في فاس 1978 وفي باريس 1990 وإقامته فيها ما يناهز الثلاثين حوْلا، وصف لنا رحلته فيها في كتاب وسمه بعنوان " نصيبي من باريس "2014 نهج فيه نهج من سبقوه من أمثال: رفاعة رافع الطهطاوي؛ ووأحمد فارس الشدياق، وطه حسين، ومحد حسين هيكل، وتوفيق الحكيم، وغيرهم من رواد النهضة الأدبية في الجيل الماضي. نقول : إذا تجاوزنا هذا كله، وتجاوزنا علاقاته بالعديد من الأدباء الذين تتلمذ لهم في السوربون، فإن من اللازم التنويه لنقطتين اثنتين، أولاهما: تنوع نتاجه الإبداعي بين القصة القصيرة: العنف في الدماغ 1971 والرواية " زمن بين الولادة والحلم " 1976 والبحوث الجامعية " فن القصة القصيرة في المغرب؛ النشأة والتطور والاتجاهات " 1980 والترجمة من الفرنسية إلى العربية  " في الخطاب النقدي الجديد " 1987 إلى الحوارات" وهج الأسئلة " 2010 فإلى أدب الرحلات ابتداءً من " كتاب الضفاف " 2002 مرورًا " بأيام برازيلية " 2009 و "نصيبي من باريس " الذي سبق ذكره 2014 و" نصيبي من الشرق " 2015 فإلى الشعر، وهو النوع الأقلُّ عددًا في عطائه الإبداعي الموصول، فليس له فيه إلا ثلاثٌ من المجموعات، صدرت أولاها بعنوان "  أندلس الرغبة " 1982 والأخيرة " بقايا غياب " 2003. 
 
رُسوخ
أما النقطة الثانية التي لا يفوتنا التنويه إليها، والتنبيه عليها، فهي رسوخُ قدميه رسوخًا شديدًا، وعميقًا، في هذه الفنون جميعًا. فإذا قرأ القارئ قصصه القصيرة ألفاه كاتبَ قصة متخصِّصًا في هذا اللون، وكأنه لا عناية له، ولا اهتمام، إلا بهذا النوع الأدبي وحده. ومن يقرأ له رواية" ظلُّ الغريب " مثلا، يحسبه روائيًا في المقام الأول، لا يشغله عنها فنٌ من الفنون.. ومن يقرأ له ما يكتبه من نقد أدبي، سواء في كتبه المنشورة، أو في مقالات قصيرة تظهر من حين لآخر، في هذه الصحيفة السيارة، أو تلك، يظنُّه ناقدًا متخَصِّصًا دلَفَ إلى النقد من دائرة الإبداع، ومن رواق الموهوبين، إذ يبدو في نقده كمن يعِظُ بما يعمل به، ويؤمن فيه. علاوةً على هذا كله، دأب المديني في السنوات الأخيرة، على جمع الدراسات ، وتبويبها، وتحريرها، والإشراف على طبعها، ونشرها، تذكيرًا بالراحلين، أو غير الراحلين، من كتاب المغرب الشقيق، فقد نشر كتابًا جمع فيه دراسات عن الشاعر أحمد المجاطي(2015) بعنوان "شاعر في السماء " وآخر جمع فيه دراسات عن القاصّ، الروائي الراحل محمّد زفزاف(2017) بعنوان " محمد زفزاف صنعة الكاتب ". 
 
قُدْوَة
وكاتبٌ كهذا، قمينٌ أن تلتفت إليه الأنظار، وترنو إلى موقعه الأبصار ليحظى بعناية الدارسين، ونقاد الأدب المتابعين، والمتمكنين، وجامعي السير، ومدوني الأخبار، وناشري الحوارات التي تسبر أغوار الإنسان المبدع ، وتتلمس ما يمور فيها من تيارات فكرية، ونفسية، وراء قشرة الأنا التي تتجلى في العطاء الأدبيّ الموصول، إن ْكان الأمر في شعر، أوْ كان في نثر، في قصةٍ، أو روايةٍ، أو سيرةٍ، أو حتى في نقدٍ أدبيٍّ، أو ترجمة. ولأن الشاعر الناقد نضال القاسم خطا خطواتٍ واسعة عدّة في هذا الميدان، أعني ميدان العناية بالتراجم الأدبيَّة، والكشف عن أغوار الذات، عبر الدراساتِ والحوارات، وأصدر في ذلك كتُبًا بعضُها مشتركٌ مع سليم النجار عن ناجي العلي 2012، وبعضها عن رشاد أبو شاور2013، وبعضها عن الشاعر الشهيد علي فودة 2014، وبعضها عن حميد سعيد، وبعضها عن عبدالله رضوان، 2015 فقد أراد أن يُضيف إلى هذا العقد النظيم لؤلؤةً فريدة، وزمرُّدة جديدة، تزيدُهُ حلاوة، وتربي عليه بالطلاوة، فجاء كتابهُ هذا عن المديني واسطة العقد الفريد، وجوهرة متْنه الحِواريِّ الجديد.
 
الأدب والإيديولوجيا
والكتابُ الذي صدر عن الدار الألفية للنشر بعمّان في 170 ص يتضمن خمسة حوارات مع المديني يتطرق في الأول منها لموضوعات حيوية، كالنقد الأدبي، ومناهجه، وعلاقة الإبداع بالفكر السياسي، وبالإيديولوجيا؛ فالإيديولوجيا، والخطاب السياسي، والمثُل الأخلاقية، خطاباتٌ مستقلة، لها مظانها الخاصة. ولكنها تتخلل النصوص، وتجري في عروقها جرْيَ الدماء في أوردة الكائن الحيّ، وشرايينه. لكن الشيء الذي يُحذِّرُ منه المديني هو أن تُفْرض هذه الخطاباتُ على النصوص فرضًا في غير قليل من التعسُّف، والإكراه، فعندئذ ينقلب الأدبُ إلى ضرب من الترويج السياسي (البروباغندا) التي تضفي على الأدب سطحية تفرغه من مضمونه العميق، وتسيء إلى بنائه الرَّيِّق، الأنيق، وتنأى به عن جماليات الفن السامي الرفيع. لذا، يرى المديني في ما كتبه توماس بافل، وإيان واط، عن الرواية، نهوضًا وفكرًا، دراساتٍ جيّدة، تنم على موقف عقلاني يأتمُّ بها في موقفه من الإيديولوجيا في الرواية، ويحتذيه. 
 
تمدُّد
ويتصل حواره الثاني مع القاسم بأسئلة تنصبُّ أساسًا على خفايا الشخصية الإبداعية المتفردة للمديني، فهو – مثلما ذكرنا سابقًا- يجمع بين الشعر، والقصة، والرواية، والنقد الأدبي، والترجمة، جمعًا يبدو مثيرًا للأسئلة، فكيف يوفق بين هذه التجارب المتشعبة، والأجناس المختلفة، المتباينة، المتعددة، بحيث تبدو منسجمة لا يضعف المبدع في أحدها، ولا تفتر همته في بعضها لحساب بعضها الآخر، ولا يبدو منحازًا لجنس منها على جنس، أو تطغى قدراته على فنٍّ منها دون فن. فهو، بكلمة وجيزة، لم يذهب في هذه المسارات قصدًا، ولا مضى فيها عنادًا، وعمْدًا. فهي مساراتٌ كبيرة، ودهاليز كثيرة، وجد نفسه يخوض فيها خوضَ منْ يوزع ذاته في جُسوم كثيرة: القصة، والرواية، والسيرة، والنقد، والرحلة، والترجمة، وذريعتُه في ذلك كله ما قاله المتقدمون من أنَّ: لكل مقام مقالا، ولكلِّ شأنٍ مجالا، فكتب الشعرَ مندمجًا في النثر، وكتب القصة مندمجة بالرواية، والرواية في إهابِ السرد القصصي، ونزع في ترجمته، ونقْده، لما يتصادى مع مطالب الذات في حُرِّية التعبير، ودقَّته، وهو راضٍ عنْ معظمه، إن لم يكن عنه كله، فإذا شبَّهنا المبدع بالشجرة المعطاءة، كان علينا أن ننتظر منها قدرًا من الثمار بقدْر ما عليها من أغْصانٍ، وأفنان.
 
رواية وتراث
وفي الحوار الثالث يتجاوز القاسم الذات إلى الرواية، بصفة عامة، وإلى آفاق الحداثة فيها بصفة خاصة. وإلى المثقَّف، ومسؤولية الحرف، وعلاقة المثقف المسؤول بالتراث، ومدى تأثره به، وتوظيفه له في نتاجه الإبداعيّ التوظيف الذي يعود على قارئه بالجم الكثير من الإحساس بأصالة الأديب في ممارسته لأي جنس من الأجناس الأدبية نثرًا وشعرًا. وفي هذا السياق ينوّه المدينيُّ لمحاولات التونسي عز الدين المدني في نموذج من سرده القصصي، وهو " ثورة  صاحب الحمار " وأيضا  " ديوان الزنج " وأخيرًا حكايته الموسومة بعنوان " التربيع والتدوير ". وهي محاولاتٌ رصد فيها المدنيُّ أوضاعًا عاشها العرب فيما غبر من الزمان. ولا تفوته الإشارة لروايتي جمال الغيطاني " الزيني بركات " التي تروي وقائع تعود بنا إلى حقبة من تاريخ مصر زمن المماليك. و " وقائع حارة الزعفراني " للكاتب نفسه، فهي تروي وقائع مستوْحاةً من التصوُّف الإسلامي. وتوظيف التراث في السرد الروائي شيء لا تخلو منه روايات المديني، فهو يذكر في حواره رواية " وردة للزمن المغربي " 1978 على أساس أن فيها بعض المرويات القديمة المقتبَسَة اقتباسًا من الموروث الثقافي. ويضيف مشيرًا لرواية " الجنازة " 1997 ورواية "مدينة براقش" 1998 ويومئ لكتاب آخرين عمدوا للإفادة من الموروث السردي، ومن هؤلاء بنسالم حميش، وأحمد التوفيق، إلا أن هذا النسق السردي يتراجع في أيامنا، وينحسرُ، لما نشهده من عناية الروائيين بالزمن الراهن.
وفي الحوار الرابع يدلفُ بنا القاسم لعالم المديني الداخلي، فكيف انتقل هذا الكاتب من القصة القصيرة إلى الرواية؟ وأي النوعين الأدبيّيْن أكثر ملاءَمة لقدراته، ومواهبه؟ وأيها أكثر دقة في التعبير عن أفكاره وهواجسه؟ وهل استطاع أن يحقق في رواياته ما عَجز عن تحقيقه في القصص القصيرة؟ وما هو موقعه- من حيثُ هو روائي- في المشهد الروائي المغربي الذي أطلّ على الساحة برواية عبد المجيد بن جلون " في الطفولة " (1956) وانتهت حلقاتُ سيرورته في منتجع التجريب، وهو مُنْتجعٌ ممْرعٌ وخصيب؟  إذ من المعروف أن التنقُّل بين الفنون الأدبية، والأنواع، ابتداءً، هو بحثٌ عن كتابةٍ ما تلائم الكاتب..عن قالب يحتوي شعوره، ويعبر عنه تعبيرا أصدق، وأدقّ. وقد جاءت الرواية، بما تتصف به من طول نسبي، ملبية لهذه الرغائب، مستجيبة لهاتيك المطالب، فوجد فيها المديني، علاوة على ذلك، منْفَسَحا للتجريب، إن كان على مستوى النسق، والمنظور، والسرد الخطي، وغير الخطي، ورسم الشخوص، والفضاء الزمني، والمكاني، وتمويه الواقع بالتخْييل، والعكس، عدا عن أنّ الرواية بملفوظها، ومتنها الحكائي، تحفِزُ القارئ حفْزًا ليقترب كثيرًا من وعي المؤلف، فالرواية تحتاج إلى قارئ متفهِّم، قارئ مُنْجز، وهذا يروقُ للمديني.
 
الروائي والأنا
في الحوار الخامس يجد القارئ نفسه أمام تساؤلات عدة غايتها اكتناه التجربة الروائية لدى المديني مرة أخرى، وتتجاوز ذلك لاكتناه التجربة عند غيره. فالمديني يلحُّ على ضرورة تحرُّر الكاتب الروائي، وتفلته من أناه، وألا يكون لشخصيته أيُّ حضور في الرواية، مباشرًا، أوْ غيرَ مباشر. وإلا فهي في هذه الحال أقرب إلى السيرة الذاتية منها إلى الرواية. ونحن نرى أن المديني يصيبُ في تصريحه هذا كبدَ الحقيقة، فقد وهم كتابٌ روائيون أن كتابة الرواية لا تختلف عن كتابة القصيدة، فراحوا يغرفون من تجاربهم الشخصية، وحياتهم اليومية غرْفًا، فيجعلون من أنفسهم أبطالا لرواياتهم، وهذه خُطة غَبْنٍ وخيمة العواقب، كثيرة المساوئ والمثالِب، ومن المؤسف أن نرى نقادًا يزعمون أن بلاغة الرواية تتمثل في هذه الجناية، وذلك لعمري لا ينم إلا عن هشاشة النقد، فضلا عن هشاشة الرواية، فقد قرأت يوما دراسة لبعضهم يسعى فيها لحصر عبقرية غالب هلسا، من حيثُ هوَ روائي، في كونه بطلا لمعظم رواياته، ووجدْتُ من يلح على أن مؤنس الرزاز تكمن ألمعيته الروائية في كونه بطلا لبعْضِ رواياته، وأن حنا مينة لا يختلف عن هلسا والرزاز وسواهما من كتاب في ثلاثٍ من رواياته. 
 
نجعة المُنْتاب
ولا يحسبنَّ أحدٌ أن المؤلف القاسم يقتصرُ، في هذا الكتاب على حواراته الخمسة، فقد أضاف إليها مقدمة ضافية، وافية، تجيب عن كثير من التساؤلات التي تساورُ القارئ، فمن هو أحمد المديني؟ وما النوع الأدبي الذي غلب على عطائه حتى أصبح لصيقا به، معروفا فيه؟ وما حجْم عطائه في الشعر، والقصة، والرواية، والنقد، والترجمة، وغير ذلك من فنون؟ فعرض في تقديمه لما جادت به قريحة المديني من قصص قصيرة عرْضًا لا نجافي الواقع إذا قلنا إنه عرض سريع، يتجنب الخوض في المزيد من التفاصيل، التي تقف بنا عند كل قصة، وكل مجموعة قصص. وهذا دأب القاسم في تناوله لعطاء المديني في الشعر والنقد والرحلة والسيرة. وعذره أن التقدمة للحوارت ينبغي لها أن لا تنقلب إلى دراسة علمية شاملة لا تترك صغيرة ولا كبيرة، ولا شاردة أو واردة، إلا وتقف عندها وقفة الدارس الممحِّص، الذي يحلل النصوص تحليلا ينتهي منه بتقويم ينصف فيه الكاتب، فيذكرُ ما له، وما عليه. علاوة على أنه لو فعل هذا، لطال الأمر بالتقديم، وصرف انتباه القارئ عن الحوارات التي هي في هذا الكتاب بمنزلة الضالة المنشودة، والغاية المقصودة. ومع ذلك نجدهُ، في الفِصْلة الخاصّة بالرواية، يعرض لنا عرضا شبه تفصيلي لرواية "ممر الصفصاف" وهذا لا يعني أن ممر الصفصاف أفضلُ رواياته، بيد أن المؤلف- فيما يبدو- قرأ هذه الرواية في وقت غير بعيد من كتابته للمقدمة، وإعداده لهذا الكتاب، وتقديمه له بهذه التوطئة الموجزة، المكتنزة.
وأيًا ما يكُنْ الأمر، فإن لنضال القاسم شاعرًا، وناقدًا، ومحاورًا، ومثقفًا متابعًا يَقِظًا، جزيلَ الشكر على هذه الباقة من الحوارات، وعلى هذه المقدمة التي تعرِّف القراءَ بالمديني تعريفًا نستطيع القول إنه أكثر من كافٍ، وأكبر من شافٍ. وليته – وقد أفضى بما يكنّهُ من إعجاب بالمديني؛ لوفرة عطائه، وتنوُّعه، وتقديمه له تقديمًا فيه الجم الوفير من الإنصاف -  أضافَ إلى هذا السفر المفيد، فائدة أخرى بذكر بعض الكتب، والمراجع، التي توقَّفتْ عند بعض آثاره،إذْ يمكن للقراء الرجوع إليها من حين لآخر، طلبًا للإفادة، وتوخيًا للاستزادة.وبهذه الملاحظة الختامية لا ننتقصُ من قدْر الكتاب، ولا من قيمته، بقدر ما نحرص على تمامه، وكماله، الذي يجعل منه طُلبة أهل الآداب، ونجْعة المتشوِّفِ المنْتاب، ويقينا يُشفي غليلَ المتشكِّكِ المرْتاب.
 
* ناقد وأكاديمي من الأردن.