ضفدعة وثعبان عشبٍ

Printer-friendly versionSend to friend
منصف القرطبي*
 
ابتلعتُ ضفدعةً هذا الـمساء. لـم أجد ما آكـله وأسكت بـه صوت الـجوع الصارخ داخلي وهو يئنّ ويعوي كذئبٍ شرسٍ. مزّقني الجوع والتهمت ضفدعة خضراء..
يعّ يعّ... هكذا تقولون الآن، لكن ما رأيكم في وحش الجوع الساكن في داخلي وأعـمـاقي البعيدة؟ في حالة شخص لم يتناول الطعام لـمدّة أسبوع؟.
 مشيتُ في الطريق، أتسكّع وأركل القنينات البلاستيكيّة والبقايا والحجارة والذاكرة اللعينة، ساخطا على هذا الوضع، على كـل الأوغاد.
 وأنا أجرّ ذيول الخيبة على الطرقات، أمزّق سكون الإسفلت. انتبهت لبالوعة فاتجهت إليها، ونزلت إلى أغوارها.
البركة آسنة، متسخة قذرة، لكنّها مليئة بالطعام، بالأكل والشراب، وبالـحريّة أيضا.
 صادفت ضفادع كثيرة، وفئرانا وحشرات وصراصير وأصدقاء كثر، غالبيتهم كانوا بشرا، وتحوّلوا إلى كائنات أخرى على نحو يبدو مثيرا. لكل حكايته التي لا يرويها لأحد، يرويها لنفسِهِ ليلا حين يبتلع الظلام هذه المدينة وتنام عارية إلا من قذارتـها التي لا تنتهي.
لفظتني البالوعة حين بان غسق الفجر. عدت إلى بيتي في حيّ الغربة، ونـمتُ كأيّ رجل يقبع فـي هذه الـمدينة المثخنة ضوضاء وغبارا.
استيقظت صباحا، غسلت وجهي وحدّقت فـي الـمرآة..لم أجدني ! لم أعرفني !لم أفهم، لم أستوعب شيئا.. إنّنـي ضفدعة! أتحوّل.. يا إلهي أنا ضفدعة الآن! ما العمل؟ أتدرون ماذا يعني أن تكون ضفدعة في هذه الـمدينة اللقيطة؟ سيحملك الأطفال بأيديهم ويرمونك إلى القمامات، إلى الطرقات، إلى الخلاء، إلى البرك الـمـائيّة، قائلين:
 يعّْ يَعّْ جرانه خنزَهْ..خنزَهْ...
ستقول الفتيات متبخترات وهنّ يرتدين بيجامات: ويلِـي كـيقزّْزّْ يـخّْ.تـفُو..
 لن تفهموا هذه الأشياء، لن تحسوا بـمـا أحسست به. إنـها كارثة أن تصير ضفدعة نتنة، سيما في هذا العصر السريع العفن. سيتركـك الجميع وستجلب لهم الغثيان، هذا إذا انتبه إليك أحدهم، فالكل منشغل بالهواتف وعصر العنب.
سينشرون صورك على الفيسبوك والتويتـر.ستصير أشهر ضفدعة، أشهر ضفدعة في العالم !يا إلهي !هاهاها !
 جلست القرفصاء، أشاهد التلفاز لعلِّـي أسترجع بعضا من عافيتي وسكينتي. قلبت القنوات باحثا عن القناة المغربيّة، والأخبار التـي تبث دائـمـا.
قالت الـمذيعة الأنيقة :
 يعيش بعض سكـان الـمغرب سنوات من الـمجاعة،ويمرض الناس في المناطق الجبليّة وسبب ذلك هو الجوع، وهذا قدر من اللّه وليس للدولة أيّ تدخل في الأمر !
 دقّ طارقٌ الباب...من يكون؟ لا أصدقاء لي؟ لا حبيبة؟ أنا مجرّد ضفدعة الآن، من يزورني ولِـمَ وعلام؟ أ للشفقة أم للمساعدة أم...؟
فتحت الباب. دفع الطارق الباب..وابتلعنِـي بسرعةٍ، ابتلعنـِي كـمـا ابتلعتُ الضفدعة، وكما يبتلعنـا الزمن ويرمينا إلى بنايات النسيان الـمتـهالكة كـالبقايا.
 الطارقُ الـذي افترسني وابتلعنـي..
 كـان ثعبــــــــــــــــــانَ عشـــــــــــــبٍ !
 
11/05/2017
 
* أديب من المغرب.