صمت

مونة شفيق*

لا تذكر مما جرى إلا بضع  ذكريات تملأ القلب حبورا ، كانت الفترة الأخيرة  من فصل الخريف حيث الأشجار المورقة  الخضراء  الباسقة  تتساقط أوراقها و كأنها  تخبرها  عن خريف  حياتها، من كان يصدق "امي هنية"بصمتها وبنظرات عينيها الصغيرتين المترقبتين أن يذوب  كل الإصرار الذي  حملته معها أن تترك الصمت أخيرا، كأن قوة خفية جعلتها  تتكلم أخيرا.
تعجّب كل من في الدار، حيث تفجرت في الغرفة جهنم عانقوها بشدة في ظل الصراخ الذي خيم على الدار كلها ، كانت ترتعش..  أحسست أنها تريد أن تقول كل شيء:أطفالها، منزلها، زوجها، لو تحدثت ، لكن حلقها كان مسدودا بغصة عريضة، مدت يدها نحو كأس ماء كان موضوعا  فوق الطاولة، لكن أناملها  المجهدة لم تقاوم ارتعاشها  فسقط الكأس وسقط معه صمتها ، وفي تلك الغرفة الواسعة انفتحت رغبتها الهائلة تدفعها للسؤال عن ابنها عزيز آخر عنقود العائلة ، أحست برغبة هائلة في ضمه إلى صدرها وإخباري حقيقة تبنيه، حاولت أن تقول شيئا ، لكنها لم تستطع من جديد، تزاحمت الكلمات، سكتت وعم الصمت من جديد.
-أمي ....تحدثي رجاءً
لكنها لم تجبه وتواصل الصمت فيهتف:
بالله عليك يا أمي.
لم يسمع منها إلا بكاءها  ، ساوره الشك ، وانحنى مقبلا رأسها ، مد يده نحوها  ، وقال متأثرا غاضبا:
- لعنة الله على هذا الصمت .
تفكر قليلا وقرر أن يتركها وشأنها وأن يتراجع عن إصراره مستديرا نحو الباب ، عازما على الرجوع لكنه سمع صوتا خفيفا يناديه :عزيز ، عزيز....عاد وسأل نفسه ، هل ستتحدث هذه المرة ؟
جلس بجوارها ممسكا بيدها التي أحس أنها تتثاقل  وتنفلت نحو الأرض لمغادرة دار البقاء ومعها  صمتها.
 
* كاتبة من المغرب.