صراخ من الأعماق

حسن بوفوس*

 تمدد فوق فراشه بعد أن شعر بالعياء يتخلل جفناه كإبر حادة، فجذب الغشاء وارتاح لثقله ولدفئه في آن وَاحِدٍ. يا لها من سعادة!
ثم استرسل في النوم...
   كان حشد هائل من الناس يحدق به من كل جانب، والشعارات تكاد تصك أذنيه. في يده اليسرى طفلة صغيرة تمرّغ وجهها بالجانب الأيسرمن عنقه. مساحة الدائرة التي يحتمي بها تتقلص شيئا فشيئا. إنهم يقتربون. يحرك عصاه بيده يمينا  فشمالا. ولكنهم يقتربون. فطن إلى حال الطفلة الغريب.. فكأن لها أسنان حادة كتلك التي ينهش بها الفأر الخشب الصلد. شعر بتيار كهربائي متموج يغزو أطراف صدره ورأسه حتى جحظت عيناه واحمرت. أراد أن يُنحّي  الطفلة جانبا غيرأنها ثبتت معلقة، أسنانها المسمومة  مشدودة إلى عنقه. اقترب منه بعض الناس وبهراوتهم طفقوا يضربونه تارة ويشتمونه تارة اخرى؛ يركلونه تارة ويبصقون عليه تارة اخرى لأنه تجرأ... وتجرأ؛ لماذا تجرأ على  ضرب طفلة؟ 
    ضربوه الى ان شُل جسمه. لا! لا! انطلقت من بين طيات لسانه صرخة ثانية معتادة وثالثة غير معتادة، خرساء، استيقظ منها مذعورا، بائسا ومتشائما.
تمشّى قليلا في أرجاء الغرفة كي ينفض ما علق به من أحاسيس سوداوية؛ ولكن عبثا. أسرع إلى كوب ماء عسى يهدأ ما يعتلج بباطنه من مشاعر غريبة ومجهولة المصدر. بل انتابه احساس مفاجئ وثقيل لا يحتمل وزنه مثل صخر عملاق، فبدا له هذا الإحساس شبيها بشظايا مخلفات نيران تتناثر متوهجة أمام ناظريه، فترتسم  حقائق أقرب ما تكون الى أحداث رواية واقعية.
 تداعى إلى ذاكرته حوار دار بينه وصديقا له لحظة مرورهما قرب أبله -مختل- يحاور نفسه؛ لهجته جهورية، يعتقد فِي مَا يقول-كما يقولون- اعتقادا راسخا.
قال لصديقه بنبرة عاقلة: 
- «أمام مثل هذه المشاهد يتملكني ضيق وألم. تَسْودّ الدنيا أمامي حتى إن اخضرار الأشجار واصفرار أشعة الشمس تكتسي بهجتها قتامة وظلاما.»
لا يعرف ما يجري ويعبث بدخيلته. فكأن إنسانا يشبهه لكن لا يتكلم لغته، يتلاعب بأوتارعوده، لا سبيل إليه حتى يقضي عليه.
   تبادرت صيحات إلى أذنيه وبرزت قدامه مشاهد تصور أحمق يقاوم ممرضين وطبيبا؛ يحاولون  حمله عنوة إلى سيارة الإسعاف.
لقد اشتكى مرارا من عويله سكان الحي. يشتمهم.
  إنه يشتم الممرضين وعبثا يريد التخلص من الطبيب. شدوا يديه وساقيه إلا أنه  ما انفك  يصرخ مثل كبش مذبوح.
  استلقى على الفراش. عيناه مفتوحتان. لا يقوى على النوم أو يخاف أن ينام بالأحرى. تملكته قشعريرة. إنه لاشك مس من الجنون. وإذا صار هوأيضا أحمق؟ الانتحار أهون عليه من أن يعرض نفسه ويهمش.سيقولون:-فلان! سيتأثرون. سيشفقون عليه. وبعد ذلك، يعتادونه كما هو فينسوا حكايته. لا محالة سيهمش. تتملكه من جديد رعدة عمت جميع مفاصله. لا يريد شفقة، لا يريد تهميشا. كل ما يطلبه هوأن يبقى سليما، صالحا، محتاجا إليه.
    شعر برعشة مثلوجة تغزو أطرافه. ثم تواتر إلى ذهنه هاجس الموت. تحسس رجليه اذ طفق يستنشق الهواء بكمية كبيرة خوف أن يموت. لا سبيل إلى النوم. مستحيل. ولو ذهب إلى حيث لا رجعة؟ فرق جوهري بين أن يحيا الإنسان مختليا أو منعزلا أو  مختلا ،وبين أن يعاشر الناس. ماذا يفعل حيال روابط العطف التي تَشُدُّهُ إلى أبويه، إلى أصدقائه، إلى من عرفهم وعرفوه؟
    لا شك سيصدمون لنبأ وفاته. ذلك ما لا يريد. حياة الإنسان في المجتمع فيها شيء من السمو. إنه ليتخيل أباه تعسا وأمه ثكلى. سبق له أن اشتم رائحة الهلاك. تلك الرائحة لا محالة منبعثة من جسده الفاني. كلا! ليس سهلا أن يموت الإنسان. كيف يتخلص من هذه الأفكار؟ عبثا حاول مهما فكر في أشياء أخرى.
   أخذ الساعة الموضوعة بجانبه عسى تلهيه رتابة دقاتها المتشابهة والمملة.
   حدد ساعة الاستيقاظ. متى يبرز نور الصباح؟ تملكه شعور نشز لا يفقه له تفسيرا. صمت مطبق وراء الباب المغلق. الأشجار ساكنة. الليل لا نهاية له. لا قمر ولا نجوم في السماء. تقلب إلى يمناه ثم إلى يسراه وبعد برهة انتشرت بباطن نفسه سحابة شؤم سرعان ما احتوتها أنغام فرحة متفائلة  إلى ان اطمأن ونام.
 عادة  يدق جرس الساعة باكرا فيسرع إلى توقيف إيقاعه، أما هذه المرة فقد توالت دقات الالة الموسيقية إلى ما لا نهاية.

* أديب من المغرب/ طنجة.