صديقتي السيدة ليدكا

صالح الرزوق

 
اشتكت لي السيدة ليدكا من جارها الدكتور نديم، وهو طبيب عيون مشهور، لكنه عازب. كنت أسكن في بناية السيدة ليدكا نفسها، وأعلم أنها بولونية متزوجة من مدرب ملاكمة، وللأسف توفي من شهور خلال التدريب. ولا أحد يعلم هل حدث ذلك عمدا، أم نتيجة خطأ ؟. فالملاكمة مهنة عنيفة، وبصراحة هي مهنة تؤمن بفلسفة الضرب. وأيا كان الأمر، فقد أودت بحياة المسكين لكمة على رأسه، وبقيت الأرملة هنا من أجل أبنائها. حاولت أن أفهم منها ما هي المشكلة. ولكن كانت لغتها ركيكة. 
قلت لها مع ابتسامة: من فضلك سيدة ليدكا؟. كلمة، كلمة.
قالت: يبدو أنك لم تفهم.
للأسف اللكنة ثقيلة.
ردت بتمهل: كنت أشكو لك الدكتور نديم.
وأردفت: ضبطته عدة مرات يضع مفتاحه في باب بيتي.
قاطعتها باستنكار: الدكتور نديم؟.
كانت سمعته عطرة، ثم هو طبيب، وأدى قسم أبقراط حتما، والرجل يحترم نفسه. ثم لديه مريضات بأعمار الورود. فلماذا يعاكس أرملة؟.. 
رغم ذلك اتفقنا أن أتحرى عن الأمر. 
٭٭٭
 
كانت هذه أول مرة أقبل فيها قضية سخيفة، وكانت غايتي أن لا أكسر قلب السيدة ليدكا.. فهي شفافة ورقيقة وبلا ظهر تحتمي به. وللعلم بالشيء، كنت أعمل بالمحاماة، ولديّ مكتب في عبارة التوليدو في التلل، ومعي شهادة بالقانون الدولي من نوتنغهام. لكن ماذا ينفع التفكير بالعالم ونحن في هذه الحفرة؟. نحارب أنفسنا من أجل امتلاك حارة، أو من أجل الاستيلاء على ثكنة. لقد كنت أراقب بلدي وهو يسقط في غبار المعارك، ضحية مسكينة مكتفة اليدين، الدبابات تدخل وتخرج من الحدود وكأنها أسراب من البجع أو عصافير الحب.
٭٭٭
 
أول الأمر فكرت أن أزور الدكتور نديم، وأسأله بدبلوماسية عن وجهة نظره، هل تحرش فعلا بالسيدة ليدكا؟. إنما خجلت، فهو فوق الأربعين، وله مكانته، وقررت أن أتابع تحركاته ليوم أو يومين. لكن لم أجد أي شيء معيب، ببساطة كان متعففا. ويقسّم يومه بين البيت والعيادة، وفي أوقات الراحة بين واحد من اثنين.. السياحي في ساحة سعد الله، قرب تمثال الأول من أيار، يجلس هناك وحده ويفرش أمامه صحيفة اليوم، وينقّب فيها، ثم يقلّب الصفحات وهو يشرب فنجان إسبريسو، وخيوط الدخان تتصاعد منه مثل أنفاس أرواح معذبة. كان وجه الدكتور نديم يحمل آثار صراع نفسي، ولم أستبعد أنه يعاني من غرام فاشل. كلنا في هذا البلد نحمل آثار العذاب النفسي، إن لم يكن لأسباب شخصية فبسبب الأوضاع العامة. أليس الأمبير لونا من ألوان التعذيب؟. وقل الشيء نفسه عن آبار المياه، والمضخات التي تحفر في الرأس ثقبا يعادل بتأثيره المزعج إكليل الشوك الذي أحاطوا به رأس السيد المسيح. لقد وضعونا على الصليب منذ أول شرارة سبقت هذه الحرب. أصبح كل إنسان منا في خندق معركته الخاصة. إن لم تحمل السلاح وتحارب فأنت مزروع في ميدان معركة بالإكراه.
كانت استراحته الثانية في نادي القصر، وهناك يخالط بعض الشعراء الشباب، وأحيانا يتكلم معهم كأنه يلقي قصيدة، يحرك يديه ويعبّر بقسمات وجهه. وقررت بعد أن أنتهي من هذه التحريات أن أبحث عن اسمه في الإنترنت، ربما أجد له قصيدة منشورة، فبعض الأطباء يحبون الأدب، مثل المحامين والمهندسين. كانت الحدود بين الفن ومتطلبات الحياة تذوب. وعززت الظروف من هذا الاتجاه، فمآسي حياتنا تجبر حتى الحجر على أن ينطق.
٭٭٭
 
لم يخرج الدكتور عن هذا الروتين ولو لمرة خلال أسبوع. وكنت أستحي منه حين نلتقي على سلالم البناية وألقي عليه التحية. كيف يواتيني وجداني أن أتلصص عليه وأمثّل أمامه دور الجار المحب؟. لم نخرب بلدنا بأيدينا فقط، إنما لوثنا أنفسنا بهذه الروح المهنية. تكنوقراط.. كذبة جديدة، ولا داعي لتهذيب الألفاظ، لقد أتقنا دورنا على مسرح الحياة، وتحولنا جميعا إلى ممثلين.
٭٭٭
 
غاب الدكتور نديم عن مرمى عيني في مشوار واحد. وكان هذا هو الأخير في سلسلة تحرياتي الخائبة. كنت أتابعه من بعد عدة ياردات. وكالعادة مرّ من أمام بريد الجميلية في طريقه إلى السياحي، ثم انعطف بلا سابق إنذار نحو عبارة التموين (بجانب شعبة العمال). انتظرت دقيقة كي لا ألفت انتباهه ثم تبعته. كان الظلام يرتع في العبّارة مع ضباب المساء. وللأسف ساعده ذلك على الذوبان من أمام نظري. لقد اختفى كأنه شبح ميت. أسرعت نحو المنفذ الآخر. وأيضا لم أجده. كانت حركة المرور خفيفة. ولا يوجد على الرصيف غير خمسة أو سبعة أشخاص. أوسعت خطواتي إلى السياحي، وبالصدفة مررت بمحاذاة مكتبة الأصمعي، ورأيت خيالي المشوه مطبوعا على الواجهة، وخلفه لمحت مجموعة مؤلفات جديدة، منها رواية «كتيبة سوداء» للدكتور محمد المنسي قنديل. صدفة تركت أثرها في قلبي. فهذا الكاتب طبيب أيضا مثل الدكتور نديم. أليس كذلك؟. وهو من السلالة الموهوبة نفسها التي ينتمي لها الدكتور العجيلي مؤلف «قناديل إشبيلية». من منا لا يعرفه؟ وسومرست موم مؤلف «الحجاب الملون»، أجمل رواية عن علاج أدران الحياة بالانغماس في الأوبئة. ولا أنسى هنا فيل ويتاكير مؤلف "خسوف الشمس في الهند"، فقد كان يدرس الطب في جامعة نوتنغهام، وكنا نسكن في بناء واحد. 
٭٭٭
 
بعد حوالي شهر كلمتني ليدكا بالهاتف. كان صوتها يرتعش وهي تحتج، فالدكتور لم يحسن سلوكه، وما زال يعاملها مثل…. وذكرت كلمة باللغة البولونية. طبعا لم أفهم، لكن أخذتها بأسوأ الاحتمالات، ربما قالت: عاهرة. هذا غير ممكن. حزمت الأمر في نفسي، فقد رأيته بأم عيني يعيش بطهارة قديس، وقلت لها: والله يا مدام الدكتور مثل ليرة الذهب.
قالت بامتعاض: هل تعتقد أنني أكذب؟
- عفوا. لم أقصد.
- لكنه اليوم فقط وضع زبالته أمام بيتي.
وشعرت بالدهشة. ما علاقة الغزل غير العذري بالزبالة. لا بد أن السيدة ليدكا تتوهم، ولعلها بحاجة لاستشارة طبيب نفسي وليس رجل قانون. إنما لم أفتح لها قلبي. كيف يمكن أن أضرب سيدة شفافة ومخلصة بحجر من هذا النوع؟. يكفي أنها صامدة معنا في وجه الزوبعة. حتى بنات وأبناء عمي ركبوا قوارب الموت ولجأوا إلى كريت ومالطا وألمانيا، ودخلوا في دورة شتات غريبة وعجيبة. لقد انهاروا أمام المحنة وبقي رأس ليدكا مرفوعا. ولذلك وعدتها أن أهتم بالموضوع. كنت مشغولا بملف بنت جامعة رماها متعصب بماء النار وشوه وجهها. وكانت الأوراق والصور المرعبة أمامي في ملف بلاستيك أصفر. أغلقته وارتديت معطفي، فقد كنا في نهايات الشتاء، والسنونو يدور في سماء حلب بأعداد قليلة، وبحذر لأن الغربان تقف لها بالمرصاد. وتوجهت فورا لاستشارة عدنان، وهو زميل لي في الجنائية، وكنا ندرس معا في نوتنغهام. غير أنه سبقني بالعودة، وحصل على وظيفة في الشرطة. وهو الآن ضابط تحقيقات. أمام باب الفرع عرفني الحارس، وابتسم لي، ورأيت سنه الذهبية تلمع في فمه. 
سألته: هل ممكن أقابل عدنان؟.
وسع ضحكته وقال: تقصد سيادة الرائد؟.
ولم أحب هذه المماحكة، فقلت بنرفزة: نعم. سيادة الرائد.
رد بصوت أوتوماتيكي: ليس الآن. فهو مشغول باجتماع. 
وشعرت بغصة. كل الناس تتطور إلا أنا. ويتاكير ينشر رواياته في دور نشر مرموقة، وعدنان يصل لرتبة رائد، ويقف على بابه حارس. وأنا ما أزال كما أنا. أتسكع على عتبات فروع الأمن وفي ممرات المحاكم. وضعت يدي في جيبي. كانت النسمات لطيفة في هذه الأمسية، وبدأت أسير الهوينى، وبمزاج متألم. الجرح الذي لا يقتل أصعب من الجرح المميت. تخطيت كنيسة جورج سالم في شارع فيصل. ثم قاربت الباب الجنوبي للحديقة العامة. وجذبتني الأشجار القليلة الخضراء. كان نهر المدينة يسيل من بينها بشكل خيط رفيع رمادي أو أبيض، حتى المياه شحب لونها. وكان تمثال المربي خليل هنداوي يواجهني بنظراته الهادئة كأنه يعاتب أبناء هذا الجيل المارق. وهناك كانت المفاجأة، لمحت الدكتور نديم على كرسي تحت ظل شجرة، وبين يديه جريدة يقلب فيها.
٭٭٭
 
استغربت هذا الموقف. وناديت عليه: ماذا تفعل هنا دكتور؟.
نظر لي بوجوم كأنه لا يعرفني وقال: نعم؟.
قلت له: هل تركت جلستك في السياحي؟.
بقي على جموده وقال: دكتور وسياحي. ماذا تقصد؟..
وهنا انتبهت أنه لا يمثل. كان وجهه مثل حجرة أو قالب من الشمع. 
قلت له: غير معقول. هل أنت مريض دكتور؟.
هز رأسه. واكتفى بذلك.
سألته: من ماذا تشكو؟.
قال وهو يعصر رأسه: لا أعلم بالضبط. يبدو أن رأسي صفحة بيضاء.
ثم أطلق ضحكة رنانة وأضاف: هل بوسعك أن تساعدني؟.
وهكذا فهمت مشكلته. وأسباب احتكاكه بليدكا. كان الرجل يعاني من فقدان ذاكرة مؤقت على ما يبدو. والله غريبة. كما يقول المثل: بيت النجار بلا باب. 
***
 
ركبنا أول سيارة أجرة وأنا أحاول أن أشرح له حالته. تخيلوا أين وصلنا.. المحامي يعالج الطبيب!. وفي السيارة وضع الدكتور نديم رأسه على ظهر المقعد، وأغمض عينيه من الارتباك والخجل، وكان الراديو يعزف لحنا وطنيا، ولم أعرف المناسبة. هل بسبب دورة العنف التي لا تبدو لها نهاية، أم أنه عيد نسيت موعده؟. كانت ذاكرتي أنا أيضا تتراجع، أنسى المواعيد المهمة وأرقام الأضابير وتواريخ جلسات الاستئناف، جزء منا جميعا يموت، حتى المدينة تمسح ماضيها، ولا تعرف كيف تشتري شيئا من المستقبل. ثم سمعت صوت تنفس الدكتور. لعله شعر بالأمان وأخلد للنوم. وأخذت منه نظرة، ورأيت أن التعب ما زال يغطي وجهه مثل هذه الشوارع التي يدب عليها الناس بلا أي أمل. 
يا لها من حياة. سيعذبه النسيان مثلما تعذبنا الذكريات المؤلمة. وبدأت أفكر كيف يجب أن أزف هذا الخبر للسيدة ليدكا..
 
* أديب من سورية.