صالح البياتي: الأدب الروسي أقرب لروح الإنسان العراقي

حوار: صالح الرزوق*

الأدب الروسي يتنفس باللغة العربية، هذا  ما يستشفه  القارىء في قصص الكاتب العراقي صالح  البياتي  حيث يجد ملحمة مختصرة لصراع الإنسان مع ذاته. وهذه هي من أهم خصال ليرمنتوف ثم دستويفسكي وتورغنيف وتولستوي وأخيرا سوروكين وشالوموف. فهم دائما على خلاف مع واقعهم الشخصي وليس بيئتهم فقط.

صالح محمد حسين البياتي من موليد العراق، مدينة العمارة عام 1940. درس في جامعة  بغداد العلوم الاجتماعية على يد كبار الأساتذة منهم علي الوردي. عمل بالتدريس في العراق حتى 1981، ثم في الكويت وغادرها بعد حرب الخليج الثانية عام 1990. تنقل بين عدة بلدان قبل أن يستقر في أستراليا عام 1996. والآن يقيم في سيدني. صدرت له في العقد الماضي مجموعة قصص ويستعد لإصدار روايته الأولى. بهذه المناسبة أجريت معه اللقاء التالي.
 
* لا أريد لهذا اللقاء أن يكون تقليديا. فالكاتب في عصر الحداثة لا علاقة له بتاريخه الشخصي ولكن بذاته الإبداعية. أنت كاتب قصة وشاعر. ولديك تجربة روائية. القصص والرواية تعيد تركيب الواقع المحلي لبغداد ولكن من نقطة المواجهة معه. بينما القصائد غنائية وذاتية وتعيد تركيب الذات وهي في مواجهة مع عاطفتها. هل من تفسير لذلك؟.
أتفق معك من البداية، الأولوية للإبداع نفسه، أكتب القصة ونُشر لي بعضها في الصحف الكويتية، و نُشرت قصة قصيرة في مجلة (البيان)، الصادرة عن رابطة الأدباء في الكويت، تحت عنوان : (وجوه على جدران الذاكرة) عام 1988. وأدرجت هذه القصة في مجموعتي القصصية اليتيمة (أرشيف مدينة تحتضر) التي صدرت عن دار الحضارة العربية في القاهرة عام 2008. وتجد كلمة تعريف بها في صفحة الشاعر عيسى حسن الياسري على الفيس بوك. ولي عدد كبير من القصص التي ضاعت بعد الخروج المفاجئ من الكويت، ولم أجد الفرصة لإعادة تدوينها. أما الشعر، فأنا في الحقيقة لا أزعم أني شاعر رغم أني أكتبه، وتجربتي فيه أقدم من القصة، ونُشر لي نص كتبته في مرحلة مبكرة من حياتي الأدبية في صحيفة "المثقف" الإلكترونية، تحت عنوان (نسأل الريح)،. أكتب الشعر تعبيراً عما يجيش في نفسي من مشاعر، فأجد فيه علاجاً نفسيا ناجعا، وملاذا روحيا آمنا يساعدني على ضبط التوازن النفسي، والسيطرة على مشاعري. ودخلت عالم الرواية السحري، في خريف العمر، وبقدم مترددة، رغم أن علاقتي كقارئ متذوق، بهذا العالم المدهش قديمة، منذ مرحلة المراهقة والشباب. ما ذكرته د. صالح الرزوق عن القصة والرواية: أنهما تعيدان تركيب الحياة انطلاقاً من الواقع، ولكن من نقطة المواجهة معه، صحيح، وأتفق معك أيضا، في أن الشعر، يكون من تركيب الذات في مواجهة مع العاطفة. وكما يرى الشاعر الإنكليزي شيلي إن الخيال يجب أن يتخذ جسداً لإنقاذ العاطفة الفانية، وكان الخيال عنده إلها وهو رسوله كما يقول.
في القصة والرواية، يكون الكاتب جزءا من عالمه الواقعي، ولا يسعفه إلا الخيال للخلاص والإفلات من سطوته. وكما قال الكاتب الأميركي هنري ميلر(أثبت الواقع أنه أغرب من الخيال). وهنا تكون نقطة المواجهة، واختلاف المدارس الأدبية، وفي الشعر تكون ذات الشاعر مثل جناح فراشة، أو أستطيع أن أشبهها بورق التصوير الحساس جدا للضوء، فتأتي القصيدة أقرب شبها بإظهار الصورة الفوتوغرافية.
 
*  لماذا لم تنتعش الرواية الريفية في العراق (مثلما حصل في مصر على يد يوسف إدريس والشرقاوي والبساطي والقعيد)  بينما نجحت روايات المدينة (جبرا وفرمان) وروايات الحروب (علي بدر وحميد العقابي)، ولحد ما روايات البادية (برهان الخطيب وعبد الرحمن منيف)؟؟..
على حد علمي هناك تجارب قديمة لروائيين عراقيين كتبوا روايات عن الريف العراقي. أذكر لك على سبيل المثال، بعض أسماء هؤلاء الكتاب وعناوين أعمالهم الروائية، وكان في مقدمتهم من حيث التاريخ، القاص والروائي ذو النون أيوب، وروايته (اليد والأرض والماء)، وعبد الرزاق المطلبي وروايته (الظامئون)، و قد أخرجت للسينما، والشاعر عيسى حسن الياسري وروايته (أيّام قرية المحسنة). في مقابل ذلك انتعشت القصيدة الشعرية باللغة العامية، وأسماء شعرائها معروفة وذائعة الصيت. ويبدو أن السبب في ندرة الأعمال الروائية عن الريف ترجع للظروف السياسية والعرف القبلي بالدرجة الأولى. 
هناك ارتباك في التصنيف. فالواقع الاجتماعي في العراق مثله مثل سوريا ومصر والجزائر. أبناء الريف حاصروا المدينة من كل الجهات بموجات هجرة ونزوح بعد سقوط حكومات الاستقلال وتشكل الحكومات العسكرية بخطابها المعروف. ولم يعد هناك  فارق بين ابن المدينة والريف. حتى أن ظاهرة ترييف المدينة وضخ خدمات مدينية في الريف عملت عمدا لمحو الفوارق. وأعتقد أن هذا مسؤول نسبيا عن معالجة اغترابية لبيئة الريف. وأضرب مثالا على ذلك برواية (في المنفى) لجورج سالم. فهي عن معلم مدرسة يدينه مجلس القرية بجريمة قتل ويسجنه، ويختفي من الزنزانة بظروف غامضة. وأذكر (مكان اسمه كميت) لنجم والي. بطل الرواية معلم أيضا يمضي فترة عقوبته في القرية. وهناك يلعب دور جاسوس إجباري للسلطات على زملائه. ليس لدينا ريف عربي. ولكن مدن صغيرة موزعة في الطبيعة القاحلة. ولهذا السبب لم أسأل عن روايات زراعية وليست ريفية فحسب. عن الفلاح أو المرابي الذي يتاجر بقيمة الأرض القابلة للزراعة مع مصادر المياه. 
أرى أنه قد  كُتبت روايات عن المدن الصغيرة التي هي أشبه بالبلدات، وتقع في خاصرة الريف العراقي. لكن اختراق النسيج المتماسك للريف فيه صعوبة كبيرة لكاتب من أبناء المدينة، والعكس صحيح، في المدينة يكون المجال أرحب وأسهل. 
 
* من الذي يجب أن يخترق؟ الرواية أم شكل المجتمع؟.
هذا السؤال معكوس. الرواية كائن حي مثل الشعر. لدينا عمودي وتفعلية وشعر نثري. ما المانع أن يكون لدينا رواية فلسفية أو تأملية. كما فعل جوستين غارنر في (عالم صوفي). وعلى فكرة صوفي هو اسم بطلة الرواية.
 
* تدين الرواية العربية بشيء كثير للتاريخ الإسلامي كما هو حال نجيب كيلاني وجرجي زيدان. لكن لا توجد تجارب هامة مماثلة في الرواية العراقية. ما السبب برأيك مع أن قادسية صدام كانت تستند على أمجاد العرب المسلمين كما تفضلت بالقول في روايتك المخطوطة (بيت الأم)؟.
لربما يرجع السبب لتخلف الرواية العراقية عن الركب، فقد كان السبق اولا لكتاب عرب من مصر، كالأسماء التي ذكرتها أنت، ولكن مع ذلك لدينا أسماء روائيين كتبوا روايات تاريخيه. أذكر لك منهم الروائي علي بدر، المعروف على نطاق واسع. وروايته (الجريمة الفن وقاموس بغداد) تناولت التاريخ من منظور فكري عن إخوان الصفا في عهد الدولة العباسية. والروائي عبد الجبار ناصر في روايته (أيّام المستعصم الأخيرة). أما فيما ذكرت عن (قادسية صدام) وهو الاسم الرسمي لحرب الخليج الأولى ( 1980 – 1988 ) بين العراق وإيران، فقد وصفتها في روايتي (بيت الأم) التي لم تنشر بعد، بأنها إتكاء أو تعكز بائس على أمجاد الماضي، وأنا كإنسان أنبذ العنف بكل أشكاله، وأدعو لإحلال السلام الدائم في العالم، وأعتبر الحروب، أشبه بالتشوهات أو الأورام السرطانية، ونظرتي الاستشرافية للمستقبل، ترى أن البشرية ستضع حدا للحروب، عندما تقضي على أسبابها، وأتخيل أن الدول ستستبدل وزارات الدفاع (سابقا تسمى وزارات الحرب )، بوزارات السلام، وذلك لتأمين الشعوب من أخطر الشرور التي تهددها.
 
* أسلوبك واقعي. ويعيد للأذهان بقوة المدرسة الطبيعية الأوروبية (موباسان في بناء الشخصيات وبلزاك في متابعة المشاهد والحبكة)، مع شيء من السخرية المريرة كما هي عند تشيخوف. هل تأثرت بهؤلاء عن وعي. أم توجد لديك مؤثرات أخرى تطورت باللاشعور بهذا الاتجاه؟.
كنت وما زلت قارئا نهما للرواية، أقرأ بدأب وبانتقاء، وتأثرت بالأدب الروسي،على نحو خاص، وكاتبي المفضل دستويڤسكي، وأرى أن الأدب الروسي أقرب لروح الإنسان العراقي. أنا أضع دستويڤسكي في قمة الروائيين الكبار الذين تأثرت بهم، وأراه أقرب إلى نفسي ومزاجي، وكوني لم أنشر روايتي الأولى(بيت الأم) بعد، فلا أعلم لأي مدرسة أنتمي بنظر النقد الأدبي.
 
* لكن دستويفسكي كاتب معقد. وأعماله تتحرك برتابة وبطء. ويغلب عليها التأمل وتجارب الإنسان المنكفئ على نفسه. ولا أعتقد أنه القى بالا للحروب التي تورطت بها روسيا. وإنما لحروب الإنسان وصراع البشر مع أقدارهم. ويكفي أن تقرأ كتابه غير السردي (في سردابي) لتعلم ذلك.
لا تنس أن الصراع والقلق ضد الظروف هو الذي يفسر مشكلتنا في هذه المرحلة. والنزاع بين الإنسان ومصيره مشكلة هامة وشاملة. ولا يخلو منها عراقي. لذلك أرى أنه أفضل من يفكر بالنيابة عنا.
 
* أفهم أنك في دائرة دستويفسكي فقط.
تأثرت في شبابي بالوجودية والماركسية. ولا أنكر أنني اطلعت على سارتر، وتعلمت منه دور الحرية. وقرأت دوبوفوار ولا سيما (المثقفون) وسيرتها في (مذكرات فتاة رصينة)، وغير ذلك.   
 
* ومن هم أهم الأدباء العرب الذين تأثرت بهم؟. ماذا قرأت لهم؟.
لم أتأثر بأحد، لأني قرأت الكتاب العرب وعلى رأسهم نجيب محفوظ، في فترة متأخرة نسبياً،(قرأت معظم ما توفر لي من كتبه، وكتب يوسف إدريس وآخرين). وأخيرا وليس آخراً، قرأت ليوسف زيدان، وإبراهيم الكوني، وروائيين مغاربة، ولكن بعد سياحة طويلة في عالم الأدب الغربي المترجم بإتقان  للعربية. أتصور نفسي أقرب لهذا الأدب. وكان لوالدتي أكبر الأثر في حبي للرواية منذ طفولتي المبكرة، ورغم أنها كانت لا تجيد القراءة والكتابة، إلا أنها كانت رحمها الله راوية من طراز خاص، وربما التبس علي الامر آنذاك، هل إن ما كانت تقصه علينا من نسج خيالها، أم أنها سمعته ونقلته إلينا، ولكن تبقى طريقة القص ميزتها المذهلة، وقد ضمنت واحدة من حكاياتها في رواية بيت الأم وهي(دمية الصبر)، أجمل ما سمعته منها.
 
* ما رأيك بواقع الرواية العربية؟. وما تنبؤاتك عن مستقبلها؟.
تمر الرواية العربية الآن في مرحلة الإنفجار، بعد مرحلة النمو البطيء ، وأصبح الطموح لكتابة الرواية الهاجس الذي يشبه النزق، هناك طاقات كبيرة، ومستقبلها واعد جدا.
 
* هل لديك مشروع حالي تعمل عليه؟.:
ليس لدي حاليا مشروع آني أعمل عليه، ولكن أطمح بموضوعية وشفافية، لكتابة رواية عن حياة العراقيين في أستراليا، حيث أعيش، عن صدمة التباين الحضاري، ومدى الاندماج بالمجتمع الأسترالي، وتأثر العراقيين به سلبا إو إيجابا، لي تجربة واسعة، وفي رأسي أفكار كثيرة عن الموضوع.

* أديب ومترجم سوري.