شوارع الانسحاق الناعم (فصل روائي)

سيف الدّين العلوي*

ماذا يعني أن أنزل المدينة وأرى النّاس في مـَـدِّ جيئةٍ و َـزْرِ ذهوبٍ؟ أيّ معنى في ذلك سوى ما يسمح به المرأى من اختبار بعض آلام العابرين، والباركين على القارعات المترعة غربةً والعتبات النّازفة وسخًا ؟ 
كُثْر هُمُ المنسحقون حتّى لـيُـرى انسحاقُـهم في كلّ تفاصيلهم: وقفة الواقفين ، بَرْكةِ الباركين، منسحقة.. النّظراتُ المنزلقة تغطس في الأشياء ثمّ تخرج دوائرَ وخطوطا وفقاقيع. المعنى الذي يسيل منها، مَـسْحون. البريق منطفئ بصدد الأفول كما لو كان ثمّت مؤثّر ضوئيّ يتخافت خلال لحظة دراميّة عاوية تتدلّى فيها القيمة وتفقد زنَـتَها، وتخفُّ فيها كثافة الإنسان... لوحة المشهد شاحبة، تلاوينها عمياء أو هي تتدرّج نحو امّحاء كبي. 
ماذا أرى في المدينة؟ 
أشباح حقيقيّة حيّة عارية تنتظر الحياة وهي تموت بـسهوم عميق، تموت بتؤدة وهي تحلمُ بديناميّة الحياة من حولها. لماذا الحياة تبدو ههنا خامدة فيما هي في الحقيقة تشتعل؟ كانت الحياة تشتعل بطريقة فاجرة. النّار تصعد من أحشاء المدينة على شاكلة خاطئة. أسلوب احتراقها أخرق. النّاس يحترقون وهم يتوهّمون النّعومة في العالم. الإنسان ينسحق بعفونة. لعفونة الانسحاق صوت أجشّ. ذلك وجه في داخله حيرة متألّمة. أجل. لو لم تكن كذلك لما كان يُحدّق في الشّارع الممتلئ بفراغ فسيح. ذلك الطّـيْــف المقرفص على حافّة القارعة ، بجوار نَصْـبة الغلال المزدهرة ومن خلفه دكّان ملابس مستعملة، تترجم نظراتُه سغبا وصدى.. هو لا يجوع لأكْلةٍ ما، عسى جوعُه لدلالةٍ لم تتبلور للعيان، بل تتحجّم في ذهنه فحسب. ليست تلك دلالة مفقودة، هي منفلتة عن التمثّلِ المتاح ليس إلاّ.. 
نظرات الكائنات حكايات عن ميثولوجيا خصبة، حلم، خرافة، نشيد، أمثولات، نصوص كثيفة تنكتبُ بصمت و ُقْرأ بصمتٍ وتُعاش تفاصيلها بغموض.. أنفاس الكائنات تسريداتٌ موزونة، جُمَلٌ متوازنة، عباراتٍ متكافئةِ المقدارِ على أفواهٍ بعضُها مفترّ و بعضُها موارب ، و أفواهٌ أخرى موصدة، كلّها تروي أساطير الوجود في العالم. في إمكانك أن تصنع حكاية متخيّلة من وجه عبوس أو وجه فرِح، من نظرة زائغة تؤسّس سرديّة قد تكون أصيلة و لكنّها ممزّقة.. 
للمدينة تجلّيات متضادّة. كم ثمّة عريٌ في المدينة! و كم ثمّة ستْر! و كلاهما تعبير عن انسحاق ما في البشر ..
ليس للتعرّي في المدينة قوانين ضابطة، إنّه لا يعني بحثا أو ممارسة للحريّة. هو لا شكّ علامة عدم اكتراث بالعالم الخامد ، كما يمكن أن تكون تجميعا لجذوات ذلك العالم من مناطق مطفأة فيه! التّعرّي حداثيّ جدّا، شهوة لمواكبة عري العالم. التّعرّي لذّة مكشوفة تُمتَحَن فيها أشياء شتّى: كالرّيح، والنّوء و الشّمس وسرعة سيلان لعاب الأفواه وانتفاخ كبد الشّهوة! التعرّي أسلوب فنّي سرعان ما يندرج ضمن حركة من المحاكاة المتعدّدة ويدخل بذلك في نسق العدْوى الأسرع. هكذا يُصبح لا شيء، جمالا موطوءا ومشهدا مُعادا ، حينها تثوى إشعاعات اللذّة.. فإذا الجسدُ الشّيء المباشرُ / المادّة العارضة المعروضة ،لا شيء في حُسبان ملكة التخييل، إذا اضمحلّ الخيال اختلط العالم وتشوّشت أدواتُه المرئيّة.. فخِـذا تلك المرأة العاريان لا يثيران الانتباه. هما فقط يمرّان محايديْن شاحبيْن، ليس لمرورهما همْـسة ، ليس لحضورهما العابر صخب موسيقيّ. و ا بصْمة جمال يستقرّ،وكانت تمرّ لا تلوي على فراغات العالم وامتلاءات الشّارع. 
السّتْرُ في المدينة حركة مضادّة ، لم تكن في مجملها عفويّة قطّ. أسلوب عناد، وهو أيضا أمارة مقابلة لعدم الاكتراث بالعالم. تقول كثير من النّساء المخفيّات في سرّهنّ، ولعلّ تلك المرأة المُحجّبة بطريقة عصريّة هي من تخيّلتها قالت: "أتستّر فأثير الانتباه ، حتما يصرف النّاس الأنظار نحو الشّيء الفريد أو ما يعتقد نفسه فريدا في مساحة المشترك العموميّ".عمليّة ضديّة مبيّتة كأنّهنّ يقـلن( وذلك ما أعتقده جازما أحيانا): "انظروا ، ها أنا ذا ضمن غابة من الخلاعة أحرنُ على الاحتجاب التامّ، حيث يكون السرّ نداء خفيّا"..( لاشكّ أنّها هنا تتحدّث عن السرّ دون فهم ما يقترن به من رمز).
ثمّة إفراط في الجهتيْن. حوار قويّ خافت وجدل ايديولوجيّ لا يجلب المتعة. اللّعبة الماتعة الحقّ في اتّجاه آخر: هو اتّجاه المابيْن، النقطة الفاصلة. النّقطة الدّافعة باتّجاه الطّرفيْن. كما في السيّارة، النقطة الميّتة منها ننطلق نحو حركات تعديل السّرعة زيادة ونُقصانا، تصعيدا و تخفيفا، أماما و خَلْفًا.مع انتباه دائم للفرْملة.. كذلك تتحقّق عدالة المُثيــر. 
المُثيــرُ الفعليّ فقط هو السرّ، البعيد رغم قُـرْبِه، متعدّد الاحتمالات. حيث يوجد الرّمزُ يتراكم المعنى وتحتشد الدّلالات.. يمكن للسرّ أن يمهّد لسرّيّته بالإحالة الصِّرْف. الإحالة هي النّكهة، حيث يجوز أن نضمن بقاء التخييل مشتغلا بصورة حيّة. نشاط الملَكة يُحقّق نشاط وحدة التّأمّل كنسق عامّ قابل إلى ذلك، لاحتضان أنشطة متنوّعة من التّصوّرات.. 
كلّ شيء يمكن صناعته بالخيال، قبضة الذّهـن السحريّة، هذا الفرقُ الأسّ بيننا وسائر الكائنات غير العاقلة، هؤلاء المنسحقين في المدينة وفي كلّ مكان، يكتبون عوالمهم من خلال تلك القبضة السحريّة بلغات مختلفة، بأصناف من حبر متعدّدة.. أنت لا تنظر إلى وجوهٍ ولا إلى عيونٍ ولا إلى أجساد عارية أو مستورة. السّترُ و العُريُ والذّهول و السّكونُ و التّقطيب والانشراحُ و الدّمع والبسمة...الخ، منشورات الباطن. أنتَ تقرأ منشورات القبضة السحريّة في لحظة إلهام كونيّ مُتاحة للجميع. يكتبُ البشرُ حكاياهم ،أو لنقلْ إنّ حكاياتِ البشر تنْكـتِبُ بكلّ اللّغات و الإيماءات.. إنّ الجسدَ بظاهره وباطنه بتجلّيه وخافيه، عبارةٌ، تاريخ من العبارات التي لا يهتدي إليها قَلَمٌ أو لا يستطيعها قلم..
    في الجهة المقابلة من شارع الانسحاق نمطٌ آخرُ من ذعر العالم، حيث الأشياء هي ما ينسحقُ،فوق تلك العربات المرصّعة بغلال الفصول المتشابكة زمنيّا، بعضٌ من الحبّات ينـحَـتُ فيها العَـفَـنُ علاماتِه، وثمّة حبّاتٌ أخَرُ تفوق ذلك الفخذَ العاري العابر دونما اكتراثٍ، صفاءً.. كلاهما العفِـنُ والصّافي يُقاومُ حَشْدا من ذباب و ِزَم من غُـبارِ تتفكّكُ  مع مرور  قطيع السيّارات الزّاعقة ، حوالي العربات، جامعٌ نابت في أقصى زاوية الشّارع، جدرانُه شهباء شاحبة، وله صُمعة سامقة. يُرَى من فتحاتها آثام وبركاتٌ تتبخّر  وهي تنجرف في الغيم إلى جدار عند مدخل الجامع، يقرْفصُ هامشيٌّ يبدو أنّه لا يعي لحظتَهُ التّاريخيّة أو لعلّه كان يعيها بحرفيّة حكيمة بالغة. بجواره مُقعدٌ يُفهم من نَوَسانِ كرسيّه المتحرّك الثّابت في آن، ومنْ هوسِه بالنّهوض، أنّه يروم الطّيرانَ لا يستطيعه. من حين لآخر، كانت تندّ عنه شَخْرةُ مثل تلاطم حديثٍ في صدْرِ أبكم. خلف الجامع تبدأ سلسلة من حوانيت الخضر والغلال و البقول الجافّة و الرّوبافيكيا في الانتشار المتحاذي حول البضائع قومٌ يتصفّحون المعروضات. الشّمسُ عند المدخل تلوّن الظُّلمة الرَّطبة بِلُزوجة شُعاعيّة  ثخنة.   الشمس عند المدخل تجتهد في الدّخول إلى بعض السّلع المنشورة، على السّلع المنشورة يتناوب الضّوء والظلّ، ضوء الشّعاع المتسلّل وظلّ البشر الزّاحفين دخولا و خروجا، تحت ذلك التّناوبيّ ينسحق وجود السّلعِ الحقيقيّ ، وتأخذ هويّتها في الامّحاء واللّمعان على نحو تتابعيّ سريع. في الجهة المقابلة من شارع الانسحاق نمطٌ آخرُ من ذعر العالم حيث الأشياء هي ما ينسحقُ. فوق تلك العربات المرصّعة بغلال الفصول المتشابكة زمنيّا، بعضٌ من الحبّات ينـحَـتُ فيها العَـفَـنُ علاماتِه، وثمّة حبّاتٌ أخَرُ تفوق ذلك الفخذَ العاري العابر دونما اكتراثٍ، صفاءً.. كلاهما العفِـنُ والصّافي يُقاومُ حَشْدا من ذباب و حِزَم من غُـبارِ تتفكّكُ مع مرور قطيع السيّارات الزّاعقة .. حوالي العربات، جامعٌ نابت في أقصى زاوية الشّارع، جدرانُه شهباء شاحبة، وله صُمعة سامقة. يُرَى من فتحاتها آثام وبركاتٌ تتبخّر وهي تنجرف في الغيم.. إلى جدار عند مدخل الجامع، يقرْفصُ هامشيٌّ يبدو أنّه لا يعي لحظتَهُ التّاريخيّة أو لعلّه كان يعيها بحرفيّة حكيمة بالغة. بجواره مُقعدٌ يُفهم من نَوَسانِ كرسيّه المتحرّك الثّابت في آن، ومنْ هوسِه بالنّهوض، أنّه يروم الطّيرانَ لا يستطيعه.. من حين لآخر، كانت تندّ عنه شَخْرةُ مثل تلاطم حديثٍ في صدْرِ أبكم. خلف الجامع تبدأ سلسلة من حوانيت الخضر والغلال و البقول الجافّة و الرّوبافيكيا في الانتشار المتحاذي. حول البضائع قومٌ يتصفّحون المعروضات. الشّمسُ عند المدخل تلوّن الظُّلمة الرَّطبة بِلُزوجة شُعاعيّة ثخنة. الشمس عند المدخل تجتهد في الدّخول إلى بعض السّلع المنشورة. على السّلع المنشورة يتناوب الضّوء والظلّ، ضوء الشّعاع المتسلّل وظلّ البشر الزّاحفين دخولا وخروجا. تحت ذلك التّناوب ينسحق وجود السّلعِ الحقيقيّ ، وتأخذ هويّتها في الامّحاء واللّمعان على نحو تتابعيّ سريع.
 
* أديب من تونس.