شكري حياً وميّتاً..

محمد مختاري*

"نعم إنه حيّ. ليس ميتاً. حسبوه فقط ميتاً" محمد شكري

في ذكرى مؤلمة ومسعدة، في الآن ذاته، وللمرة الخامسة عشر (توفي: 15 نوفمبر 2003)، ها نحنُ نعود لتمجيد رحيل الروائي العالمي "محمد شكري" عنا، كان ذلك يعني رحيل شحرور يغوي، بتغريده، أسراباً لا تحدّ ولا تُعدّ من الطيور المهاجرة! أهكذا يمكن لنا أن نصف أدباً استقطب عدداً لا يُستهانُ به من القرّاء والترجمات...؟

في محاولةٍ لاختيار عنوان مناسب للمقال، انفتح انتقاؤنا على خيارات عديدة كـ"قراءة في قصة قصيرة لمحمد شكري"، أو "تجليّات الموت في قصة "بشير حيّا أو ميّتا" لمحمد شكري"... وخيارات أخرى نمطية بشكل مهول.. لكن تأملنا الطويل لبنيات القصة و"أعماقها" أدّى بنا إلى اختيار عنوان "شكري حيّاً وميّتاً" باعتباره نابعاً عن قناعة تسمدّ مبرّرها الأساسي من كون الشخصية "الغريبة" التي تمحورت عليها قصة "بشير حيّا وميّتاً" كانت تُمثّلُ، ولو نسبيا، فلسفة الكاتب المغربي محمد شكري ونظرته إلى الموت.
*                     *                       *
 
لا يمكننا المرور إلى دراسة القصة القصيرة "بشير حياً وميتاً"، الواردةِ في مجموعته القصصية "مجنون الورد"، دون الإشارة إلى الأحداث التي جعلتْ من الكاتب لا يرى في "الموت" أمراً عاديّاً لا مفرّ منه:
"أخي يبكي، يتلوّى ألماً، يبكي الخبز. يصغرني. أبكي معه. أراه يمشي إليه ... الجنون في عينيه. يداه أخطبوط. لا أحد يقدر أن يمنعه. أستغيث في خيالي ... الدم يتدفّق من فمه. أهرب خارج بيتنا تاركا إيّاهُ ... اختفيتُ منتظراً نهاية المعركة. لا أحد يمرّ. أصوات ذلك الليل بعيدة وقريبة مني. السماء. مصابيح الله شاهدة على جريمة أبي. الناسُ نائمون. مصباح الله يظهر ويختفي"
وهكذا، فإن أهم فعل للموت يرد في أعمال شكري إطلاقاً، هو موت الأخ الأصغر له: عبد القادر، الطفل العليل الذي لم يتجاوز السابعة، والذي جاء من طنجة هروبا من المجاعة والريف. يسرد الكاتب الحدث على أساسٍ منْ أنّ الأبَ هو الذي كانَ سبباً في حتف أخيه، ولو أن محمد شكري يؤكّد في سياق آخر أن الطفل مات من تلقاء ذاته، ولا يهمنا، هنا، كيف تمّ الحدثُ بالقدر الذي ننشدُّ إلى الفلسفة التي تحكمت في الكاتب وهو "يكتُبُ الموتَ".
إذن، يعد انطفاءُ الأخ الأصغر، في حالة من السّوء بحيثُ تضيقُ له الأنفُسُ، مرحلة مفصليّة، شكّلت، باصطلاح التحليل النفسيّ، عُقدَةً تجاهَ "هذا الموت" لاحقتْ الكاتب إلى آخر رمق من حياته.
*                 *                 *
 
تستحوذُ موضوعةُ "الموت" على سرود كثيرة عند محمد شكري؛ فابتداءً بالأشكال السير الذاتية (الخبز الحافي، زمن الأخطاء، وجوه) مروراً بالرواياتِ (السّوق الدّاخليّ)، وصولاً إلى قصص قصيرة كـ"الجثة الغريبة" و"التّابوت" و"بشير حيّا وميّتاً" التي أثارت انتباه التحليل إلى حد كبير.
يفتتحُ شكري سردَ قصّتِهِ، كما يفعلُ غالباً، بوضع السّرد على منصّة الإدهاش: "أخرج حفنة من مسحوق التبغ وبدأ يلّفها في قصاصة ورقة يانصيب"، ثم يواصلُ سردَ حياة شخصية غريبة الأطوار، شخصية بشير، بنوع من السّخرية الممزوجة بالجدّ؛ وهو ما يمكن لتصرفات "بشير" الغريبة أن تفسّرَهُ: "آكل بقول المقبرة" و"حامي القطط وكاره البشر" و"آكل الدّجاج الميّت" (ص: 226)، و"يأكل كل ما يؤكل حيّا أو ميّتاً" (ص: 231)...
لكن بعد متابعة خيط السّرد "الغريب" المنسوج حول شخصية "بشير"، يُكتشَفُ من إحدى شخصيات النصّ: "شيخٌ اسمه بشير. رأوه يترنّحُ ويسقط"! (ص:231)، هكذا يقف النّاسُ مشدوهينَ أمام المُسجّى أرضاً، الميتِ بطريقة "غير طبيعية"؛ إذ إنّ أمس ذلك "اليوم الشّمسيّ" فقط، كان "بشير" يذرع المقبرة جيئة وذهابا بتصرّفاته المثيرة للاستغراب، حيث كان يدفنُ قطّاً‎!‎ فما الذي وقعَ حتى سقط ميتا من دون سابق إنذار؟‎! مما جعل الكاتب يقول على إحدى أهم شخصيات النصّ، وهي شخصية بدري، "ما أسعده‎!‎ مات دون أن يتألّم." (ص: 231) (وهذا الذي يعيدُ إلى الأذهان، الموتَ الأليم جدّا للأخ الأصغر عبد القادر).
بهذا الشكل، تتوالد الأقوالُ السّردية حول شخصية "بشير"، فمنهم من تأوّلَ أنه "مات بالسكتة القلبية"، ومنهم من أرجع سبب الموت إلى "الطّعام الرديء الذي يأكله"؛ إلاّ أن فريقاً ثالثا أخرج نفسه من معمعة التأويلات وأردف قائلا: "إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" و"أينما كنتم يدرككم الموت" (ص:232). فيحق لنا أن نتساءل: لماذا كل هذا التوتّر في النصّ حين يتعلّقُ الأمرُ بالموت؟ 
ولكي يضع الكاتب حدّا لهذه "المشاكل"، لم يجد بُدّا من أن يجعل إحدى الشخصيات تصيحُ: "إنه حيّ. ما زال حيّا" فـ"تحركت الجثّة"‎!‎ (ص: 232)، فبعْثُ بشير مرّة أخرى، بعثَ في النص الأملَ، وأبعد مسافة الموت عنه، ليجدد الموعد مع الجنون والغرابة. فهذا هو بشير، "نعم، إنه حيّ. ليس ميتاً. حسبوه فقط ميتاً"، و"سيعيش من جديد بعد أن مات" "إنه محظوظ"‎!‎ (ص:223).
*                   *                     *
 
وهذا ما يجعلنا نتأكد من أن "الموت" مسألةٌ تشكّل هاجساً متواصلاً في النسيج السردي عند الكاتب المغربي "محمد شكري"، فبالإضافة إلى ما أشرنا إليه من أقوال سردية، ارتأينا أن نقوم بعملية إحصائية، في قصة "بشير حيا وميتا"، للمفردات التي تنتمي إلى معجم الموت كـ(موت – مقبرة – جثة – دفن...)، والمفردات التي تنتمي إلى معجم الحياة كـ(أحياء – حيّ – عاش...)، فتوصّلنا إلى النتيجة التي يمكن للشكل (1) أن يُبيِّنَها. فالكاتبُ يوظف خمساً وسبعينَ مفردةً للتعبير عن الموت، بينما لا يوظف إلا خمساً وعشرين مفردة للتعبير عن الحياة وصورها، ولعلّ في ذلك دليل على أن "هاجس الموت" كان متحكّماً في السرد منذ البدء حتّى آخر جملة في القصة، وهو ما يتواءمُ وتصورنا حول فلسفة الكاتب في النظر إلى موضوعة الموت؛ كونها فلسفة متوتّرة، مسكونة بأمل الخلود، ساعية بكل ما تحمل من تعابير إلى الوقوف في وجه "المصير" الذي لا مفرّ منه، على الرّغم من أن الموت آخذٌ في الاستحواذ على رقعة السّرد في القصة.
وهل عاش شكري بعد أن مات؟
"نعم"، عاش "لأنه حي. ليس ميتاً" حي بما تركه لنا من سرود شاهدة على أصالة الأدب العربي الحديث، "حسبوه فقط ميتا" عندما وارى جسده الثرى.
فرحم الله الراحل: محمد شكري.. 
 
 
هوامش
1- محمد شكري، الخبز الحافي، ضمن الأعمال الكاملة، ج:1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2008، ص: 12.
2 - الأمين العمراني، الرغبة والموت عند شكري، كتاب نصف الشهر من سلسلة شراع، طنجة، ع: 58، 1 يوليوز 1999، ص: 43.
3- الأمين العمراني، الرغبة والموت عند شكري، نفسه، ص: 44.
4- محمد شكري، مجنون الورد، ضمن الأعمال الكاملة، ج:3، م. س، ص: 223.
 
* أديب من المغرب.