شـَيْءٌ من طـَنجة القديمة

Printer-friendly versionSend to friend
ادريس الواغيش*
 
 
أبواب بعض المدن مُـوصدة، رغم ما يبدو في ظاهرها وكأنها مشرعة للزائرين على مصراعيها، ومفاتيحها، عكس ما قد نعتقد، ليست مُعـَلقة “على الغارب“ كما يقول المثل المغربي الدّارج، لذلك لا بد من البحث عن أحد حاملي هذه المفاتيح، كي تتمكن من ولوج هذه الأبواب وتكتشف أسرارها وكنوزها، وإلا ستظل زائرًا عابرًا مَهما تواتـَرت زياراتك لها وتكرَّرت وأخذت فيها من صوَر.
طنجة واحدة من هذه المدن الغامضة، زُرتها في أكثر من مناسبة، كانت أوَّلها قبل أربعين سنة تقريبا في رحلة مدرسية، مع ذلك لم أعرف منها إلا شوارعها الرئيسية وساحاتها العامة وشواطئها المشتتة بين البحر والمحيط، فهي لا تبوح بكل أسرارها للوهلة الأولى، إذ يلزمك من يحمل أحد مفاتيحها حتى تتمكن من العبور إليها حتى وأنت تتجول فيها، هذا المفتاح الذهبي لن يكون إلا الأديب المغربي محمد البغوري، هو وحده دون غيره ، عاشق مُحبٌّ لها، حافظ لأسرارها ومـُدَوِّن لكنوزها المشتتة بين جديد أماكـن المدينة وقديمها. 
كان محمد شكري إلى عهد قريب مفتاحا لطنجة وعرافا لها إلى أن توفاه الله، حفظ شبكة خريطتها ومَمـَراتها ومسالك أسواقها القديمة والجديدة، حاناتها وفنادقها ولائحة زائريها من الأدباء عن ظهر قلب، وحين غادرها إلى دار البقاء، استعصت على الجميع حتى خـَفَّ نـُواحـُها، وامتنعت أن تبوح بأسرارها لأحد من بعده، إلى أن جاء  البغوري مقتفيا خـُطاه، لا تمرُّ معه من مكان(فندق، زقاق، حانة، مكتبة، مقهى، حي، قصَبـَة، شارع، سور...) إلا ويستوقفك للحظات، كي يحدثك بحُبّ عن تاريخه وذاكرته وأهم الشخصيات التي مـَرَّت منه، دون أن ينسى أصغر التفاصيل.
 طنجة مدينة ساحرة، لكنه وَاهمٌ من يعتقد أن سحرها يكمُن في إطلالاتها الرائعة على الأزرقين، حيث يلتقي المحيط الأطلسي مع البحر الأبيض المتوسط، في مشهد نادر قبالة “رأس سْبَارْطيل“ قد لا يتكرر في العالم مـَرَّتين، ومن جهة الشمال على خليجها النـِّصف- دائري الطويل أو مراقبة النـَّوارس وعـُبور السُّفـن بمختلف أحجامها ومَهامها عبر مضيق“جبل طارق“من مقهى“الحافة“ ملتقى العُـشاق والمَشاهير والنـَّوارس والجواسيس والشعراء والحالمين بالعبور إلى الضفة الأخرى على بُعد نظرة واحدة من إسبانيا، ومن جهة الشرق على امتداد لازوردي وشواطئ فاتنة ذات زُرقة فاقعة، ومن جهة الغرب على امتداد أزرق يتماوج مع لون رماله الذهبية. 
جمال طنجة أيضا ليس في تعـَدُّد حاناتها أو كـُورنيشها المُمتد على طول خليجها، ولا بعماراتها الزجاجية العالقة في السماء على غرار المدن العالمية الكبرى، ولا بأسماء شركاتها العملاقة التي حطت فيها مؤخرا، ولا بمقاهيها ومطاعمها الرديئة والراقية التي تعج بالفتيات المِلاح ليل- نهار، ولا بأموال باروناتها التي تعبر البحر المتوسط إلى الضفة الأخرى أو تجيء منها، ولا بفيلاتها الفخمة وقصورها المترامية على روابيها، ولا بالتسكع في ليلها الذي يبدأ مُبكرًا ولا ينتهي أبداً، طنجة إن شئنا وباختصار، في أسماء المشاهير الذين افتتنوا بها وأهمية ثقافتها العالمية.
على خطى شكري
لم تكـُن الجـَولة مـُعـَدٌّ لها سلفا، فقد جاءت بشكل تلقائي، لكن مـرّت بشكل مـُرَتـَّب وسَلس، كانت البداية من “مقهى باريس“ أعرق مقاهي طنجة وأقدمها، بعد أن أخذنا “كاسْ شـْبـْري“ من الشاي المغربي بالنعناع الأخضر رفقة الشاعر علي الورياغلي، هناك ونحن جلوس فيها سأكتشف بالصدفة، أنا الذي كنت أداوم على الجلوس في هذه المقهى بالذات لسنوات طويلة، أنها كانت وما زالت ملاذا لكبار الكتاب والمفكرين من أمثال: محمد شكري، هنري ماطيس، محمد السرغيني، صمويل بيكيت، البيتلز، محمد خير الدين، بول بولز، إدريس الخوري، جين آور بولز، محمد زفزاف، وليامز تايمز، العربي اليعقوبي، سعدي يوسف وكل مشاهير الأدباء الذين مروا منها وتركوا فيها بصماتهم، وكان لا يحلو لجان جنيه- Jean Genet أن يخط كتاباته إلا فيها، لتظل بذلك طنجة مدينة محافظة على حياديتها، فهي للجميع منذ الحرب العالمية الثانية و“فيها كـُلشي“ بتعبير المخرجة السينمائية فريدة بليزيد.
فندق المنزه- المتحف
في طريقنا لنكمل ما تبقى من الجولة عبر السوق الكبير، عـَرَّجنا على فندق “المنزه“ التاريخي، الذي يبدو فندقا عاديا من خلال واجهته البيضاء، لكنه يظهر غير ذلك حين تدخل لأروقته الداخلية، هناك فقط، ستعرف بأنه الفندق الوحيد الذي حافظ على طابعه القديم، إذ بإمكان الطلبة والطالبات حمل كتبهم وحواسبهم إليه قصد المطالعة، فهو يـُوفر لهم كل ما يتطلبونه من أجل أخذ نصيبهم من العلم والمعرفة والرّاحة دون قيد أو شرط، كل ما يتطلبه الأمر منهم هو أن يحترموا قانونه الداخلي، في وقت أصبحت فيه جميع الأمكنة تخاف من الكتاب وحـَامـِله، وتمنع فتحه فيها كليا تحت ذرائع مختلفة وحتى واهية أحيانا، هو الآخر مـَرَّت منه أشهر شخصيات السياسة والموضة والرياضة والأدب والفن في العالم،  منهم: فان دام، لويس أراغون، الممثلة الفرنسية بريجيت باردو، وارنر فاسبندر، برنارد بيرتلوتشي، تينسي ويليامز، الليدي تشرشل، إليزابيث تايلور، أنطوني كوين، ايرين باباس، ليبولد سيدار سنغور، صليبي غونزاليس، كونت باريس، كينزو، وأوليفير ستون، إيف سان لوران، فرانسيس فورد كوبولا، وكل هذه الشخصيات لا تزال صورها شاهدة عيان على تاريخ حافل بالأمجاد، وهي معلقة على الجدران المكسوة بالزليج المغربي الأصيل.
“سُوق بْـرَّا“ و“سُوق الدّاخـل“ وخطاب السلطان محمد الخامس
 في طريقنا إلى “سوق الداخل“ عبر“ سوق بـْرَّا“ أو “السوق البْـرَّاني“ كما هو متداول في طنجة، لابد أن يوقفك السي محمد البغوري في الساحة قليلا، ليحدثك عن خطاب السلطان محمد الخامس التاريخي ويشير بأصبعه إلى الأماكن التي جلس فيها مشاهير المرحلة من رجالات السياسة والمقاومة، وأهم التحولات التي طالت هذه الساحة منذ أن وَعـِيَها كطفل أو ما سمعه من أهاليها القدماء.
 في “سوق الداخل“ لا بد أن تستوقفك “كافي سنطرال“-CAFE CRNTRAL الذي كان يرتاده محمد شكري كثيرا، لأخذ قسط من الراحة وتستمع للكنات السياح ولغاتهم  على اختلاف قومياتهم الأوروبية والأميركية وحتى المَشرقية، وطابع عمارتهم التي تـُعرف بها طنجة كمدينة عالمية دون غيرها: العمارة الإيطالية جنبا إلى جنب مع نظيرتها الفرنسية، الإنجليزية، البرتغالية، اليهودية، اليونانية، الألمانية والبرتغالية، وهي فروقات لا يمكن للزائر العابر أن يلحظها بسهولة ويـُسر، فقد تبدو لك للوهلة الأولى أوروبية في مُجملها، لكن البغوري/ الخبير يشرح لك بأدق التفاصيل أهمية هذه الفروق وخصائصها من عمارة إلى أخرى، وهي فروق لا يمليها فن البناء ومهندسوه، بقدر ما  ترجع بالأساس إلى اختلافات قد تكون عميقة بين الثقافات المغربية- الأندلسية أو الأوروبية - اليهودية بشكل عام.
طنجة قلعة الزوايا 
قرب "الجامع الكبير" المعروف تاريخيا في طنجة القديمة، يستوقفك مرة أخرى كي يحدثك عن أسماء  العلماء والفقهاء والخطباء الذين تناوبوا على منبره في حلقات الفكر، ومنها عبر“زنقة المتر“(اسم على مُسمى)، زقاق ذكرني بـدرب “كرنيز" في فاس البالي، حيث تظهر منه السماء فوقك على شكل خط مستقيم، لا يتجاوز عرضه المتر الواحد ولا يستطيع أن يمر منه أكثر من شخص واحد. 
عبر هذا الزقاق الضيق جدا توجهنا إلى الجزء الغربي من طنجة العتيقة، وعند وصولنا إلى “دار البارود“ وجدنا هناك مجموعة كبيرة من الزوايا متعددة الحساسيات الدينية: الزاوية الكتانية، الريسونية، الصديقية، زاوية سيدي علي بن داوود، الحمدوشية، الفاسية، العيساوية، القادرية، التيجانية، زاوية سيدي الخمار الكنوني، ضريح سيدي أحمد بنعجيبة الحفيد (موجود في زنقة وادراس)، انتدب في لحظة تاريخية من التاريخ العلمي المغربي الطنجي أن ناظر عالما أتى من دولة ألبانيا، (من أراد التحقق يرجع إلى كتاب“التصور والتصديق“ وهو من الكتب النادرة للعالم سيدي محمد بن الصديق المتوفى سنة 1960 بالقاهرة و دفن بها).
مقهى “بـَابـَا“- BABA العَجائبي و“ بابُ البحر“ البانورامي
قبل أن نصل إليه، كان يلزمنا المرور من حي “أمـْرَح“، في هذا الحي سنعثر على أيقونة أخرى تناوب على زيارتها مجوعات كبيرة من مشاهير الأدب والفن والرياضة والسياسة على السواء، إنه “مقهى بابا“ العجيب- الغريب، كان من ضمن زواره  الدبلوماسي الغاني وأمين عام الأمم المتحدة السابق كوفي عنان، ولازالت صور كل هؤلاء الزوار من المشاهير مُعلقة بالأبيض والأسود أو بالألوان على جدران هذه المقهى، وهي مقهى عادية جدا في الحي القديم من الجهة الغربية لطنجة، الناس يجلسون فيها من مختلف الحساسيات والجنسيات: سياح أجانب، مغاربة، مشرقيون، نساء، رجال، شباب، كل رواده يعيشون عالمهم وراحتهم ويدردشون في صمت رهيب، وتتباين مراتبهم الاجتماعية بشكل جلي، من هنا عرفت أن سِـرُّ جمال هذه المقهى يكمن في نوعية زوارها
عند“باب البحر“ تسبقك إطلالة بانورامية على ملتقى البحرين (البحر والمحيط) وميناء طنجة الترفيهي الجديد، وفي عـُمق المـُنحدر يظهر الطريق الساحلي الملتف على الميناء والمدينة معا كأفعى خرافي خرج لتوه من عـُمق المحيط، من هناك لابد من المرور على بعض الأماكن التي  تؤرخ لمحطات تاريخية قديمة في طنجة، من بيها “السجن القديم“ في عهد السلطان مولاي حفيظ وربما قبل ذلك التاريخ بكثير، ومتحف “القـَصَبة“ الذي يضم قطعا نادرة من فترات تاريخية متباينة، ثم “مسجد القصبة“ الذي بناه الوالي بأمر من السلطان المولى إسماعيل بعد الجلاء الإنجليزي عن المدينة، وهو معلمة عـُمرانية ودينية بصومعته المـُثمَّنة الأضلاع، وأنت أيضا في غرب المدينة القديمة دائما، لا يمكنك الاستمتاع بنظرة شامة من الأعلى على المدينة القديمة بقبابها وصوامعها وبحرها من جهة الشمال والشرق والمدينة الجديدة بعماراتها وحدائقها، إلا بإطلالة بانورامية من الطابق العلوي في “دار نور“، وهي دار ضيافة كانت في ملكية فنان فرنسي، تتوفر هي أيضا على صور ولوحات تشكيلية جميلة وقطع فنية نادرة.
في حضرة صاحب “النبوغ المغربي“ 
قبل التفكير في الخروج من “حي القصبة“ بالحي القديم، لا بد من التعريج على الدار التي كان يقيم فيها صاحب “النبوغ المغربي“ العلامة عبد الله كنون، والتي أصبحت من حسن حظها مركزا ثقافيا، في وقت تحولت فيه أغلب دُور الزُّعماء والعلماء في المدن المغربية التاريخية إلى دور للضيافة. 
من هناك، ستبدأ رحلة ثقافية أخرى عبر شارع إيطاليا وسينما الريف، التي ما زالت تعرض أفلامها ، فيما أصبحت سينما الكازار- الكابيتول رغم تاريخها الفني الطويل، مجرد بناية عاطلة عن العمل وسلسلة من الذكريات الفنية القديمة، هناك تحديدا ستظهر وبشكل جلي ملامح العمارة الغربية المـُتباينة التي تحدثنا عنها في البداية: الأوروبية، اليهودية، العربية، المغربية و الأندلسية.
وستنتهي الرحلة الطنجية في المدينة القديمة ذاتها على مشارف المدينة الجديدة، بعد أن اطلعنا على شيء من مَعالم طنجة القديمة، وسط انشغالات الناس في الأسواق بهمومهم اليومية، ولما تنتهي رحلتنا بعد في عوالم طنجة المتعددة بعمارتها وتاريخها وحاضرها وماضيها الاستثنائي واللامتناهي.
 وسنحط رحالنا أخيرا في مقهى شعبي بساحة 9 أبريل المَعروفة محليا بـ“سـُوق بْـرَّا“، وأمامنا أكواب من الـ“ أتـَاي“ المغربي الأصيل بالنعناع الأخضر، الذي تخصصت فيه مـُدن الشمال المغربي على وجه الخصوص، نـُنصت إلى“عظامنا“ ونبض قلوبنا وحكايات رجال مُسنين عن هموم المدينة وهمومهم، أو شيئا من تاريخ حـَيٍّ أو موغل في القـِدَم زُرناه وشاهدناه بأم العين.
 
* أديب وإعلامي من المغرب,