شـمـعـة أنارَت الدَرْبَ 

د.عـبـد القـادر حسين ياسين*

كان صغيرا عندما قرأنا عـنه في سيرته الذاتـية "الأيـَّـام"، وكبر مع الأيام ونضجت أفكاره التي كانت جديدة في تلك الفترة من بدايات القرن العشرين..

 

كان ما زال صبيّا يدرس في الكتـَّاب ثم انتقل إلى الأزهر، حيث اطّلع على أفكار شيوخه فأنتقدها بل وسخر من بعضها، الأمر الذي دفع بالبعض إلى اعتباره"خطرا" على المسـَلـَّمات، التي كانت تعتبر من المقدّسات غير القابلة للجدال أو المساس بها.
هو "عميد الأدب العربي" طه حسين الذي قهر العمى ، فكان مثالا للتحدّي والانتصار على كل العوائق، وكان الشمعة التي أنارت درب أمّة.
قال عنه عباس محمود العقاد: "إنه"رجل جريء العقـل مفطور على المناجزة والتحدي ،
فاستطاع بذلك نقـل الحراك الثقافي بين القديم والحديث، من دائرته الضيقة التي كان عليها إلى مستوى أوسع وأرحب بكثير".
أثرى طه حسين خزانة الأدب العربي بالعديد من المؤلفات، التي انتشرت وأخذت صدى كبيرا في الميدان الفكري والثقافي. 
إن ما تركه حسين يعتبر ثروة لما تميّزت به من جدّة في البحث، وعمق في تناول المسائل الأدبية العربية. 
لقد خرج طه حسين من النطاق الضيّق المحلي إلى مجال العالمية ، بمواقفه وجرأته على مستوى التناول والطرح لمجمل القضايا الفكرية.
ولد طه حسين يوم  14 تشرين الثاني سنة 1889 في إحدى قرى الصعيد، لعائلة متواضعة الحال حيث كان والده يعمل موظفا، ولديه عدد كبير من الأبناء... 
عانى وهو مازال صغيراً من مرض الرمد في عينيه،  ونظراً لسوء العلاج الذي تلقاه حينها فَـقَـد بصره، وهو في مرحلة الطفولة.
ورغم فـقـدانه لبصره لم يتوان عن طلب العلم والمعرفة، فالتحق بالأزهر سنة 1902 كي يبدأ رحلته التعليمية، إلا أنه اصطدم بالعـديد من العراقـيل لعـلّ أهمها عدم توافق أفكاره، مع أفكار أساتذته "شيوخ الأزهر" الذين نعـتهم بـالتـقـليديـيـن ، والتمسك بالأفكار"البالية" ورفـض الإنفـتـاح والتجديد والاطلاع على ثقافات الغير، بل ونعتهم بالأصنام، فكثر الجدال ، ودخل معهم في مشاكل دائمة، حيث كان يعارضهم في كثير من مسائل النحو وأمور اللغة والأدب بصفة عامة.
قـرَّر طه حسين أمام هذا الوضع الذي أرّقه كثيراً ، الانتقال إلى جامعة عادية سنة 1908حيث  تلقّى دروس الحضارة الإسلامية، والحضارة المصرية القديمة، بالإضافة إلى التاريخ والجغرافيا، إلى جانب دراسة اللغات السامية والأدب والفلسفة، فكان تكوينه شاملا ومحيطا بكل صنوف المعارف.
خلال هذه الفترة قام طه حسين بإعـداد رسالة الدكتوراة عن أبي العلاء المعـرّي.
لم يكتف طه حسين بهذا القدر من العلوم التي تلقاه، ودرجة المعرفة التي وصل إليها، بل قرّر الانتقال إلى فرنسا ، كي يكمل دراسته.
انتقل طه حسين إلى باريس للدراسة بجامعة السوربون سنة 1915، ليمضي بها أربع سنوات حقّق خلالها النجاح تلو النجاح، فقد حصل على درجة "الليسانس" بامتياز، كما حصل على شهادة الدكتوراة، عن رسالة أعدها باللغة الفرنسية موضوعها  "دراسة تحليلية نـقـدية لفلسفة ابن خلدون الاجتماعية".
في فرنسا التقى بشخصية رائعة كانت له السند والخليل الذي ملأ حياته، هذه الشخصية هي السيدة سوزان التي تزوجها في عام 1917، وكان لهذه السيدة عظيم الأثر في حياته ، فقامت له بدور القارئ ، فقرأت عليه الكثير من المراجع، وأمدته بالكتب التي تم كتابتها بطريقة" بريل"،
حتى تساعـده على القراءة بنفسه، كما كانت الزوجة والصديق الذي دفعه للتقدم دائماً ...
وقد أحبها طه حسين حباً جماً، ومما قاله فيها : "منذ أن سمعـت صوتها لم يعرف قـلبي الألم". 
وكان لطه حسين ابنان هما أمينة ومؤنس. 

حـياته العـمـلية

شغـل مؤلف "دعاء الكروان"  العـديد من المناصب ، منها تدريسه للتاريخ اليوناني، والروماني، بالجامعة المصرية ، ثم أستاذاً لتاريخ الأدب العربي بكلية الآداب،وتدرج فيها في عـدد من المناصب، وتم فصله من الجامعة بـعـد الهجوم العنيف الذي تعرض له بعد نشر كتابه، "الشعـر الجاهـلي" عام 1926.

 

وفي عام 1942 أصبح مستشارا لوزير المعارف ثم مديراً لجامعة الإسكندرية، حتى أحيل للتقاعد في 16 تشرين الأول 1944، وفي عام 1950 أصبح وزيراً للمعارف، وقاد دعـوة من أجل مجانية التعليم، وأحقـية كل فرد أن يحصل على العلم دون حصره على الأغـنياء فـقـط.
كما تقـلّد منصب رئيس تحرير لعدد من الصحف، بالإضافة لعضويته في العديد من المجامع العلمية سواء داخل مصر أو خارجها.
حـفـلـت آراء طه حسين بالعديد من المواقف الرافضة للواقع آنذاك، وللكثير من المفاهيم السائدة وللمناهج التعليمية. 
يقول في كتابه" مستقبل الثقافة في مصر": 
"أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أنداداً،  ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب"  ".
ودعا حسين إلى نهضة أدبية، وعمل على الكتابة بأسلوب سهل واضح، مع المحافظة على مفردات اللغة وقواعدها، وقد أثارت آراءه الكثيرين ، كما وجهت له العديد من الاتهامات، ولم يبال طه بهذه الثورة ، ولا بهذه المعارضات القوية التي تعرض لها ولكن أستمر في دعوته للتجديد والتحديث، 
فقام بطرح الآراء التي تميزت بالجرأة الشديدة والصراحة، فقد أخذ على المحيطين به ومن الأسلاف من المفكرين والأدباء ، طرقهم التقليدية في تدريس الأدب العربي، وضعـف مستوى التدريس في المدارس الحكومية، ومدرسة القضاء وغيرها.
كما دعا إلى أهمية توضيح النصوص العربية الأدبية للطلاب، هذا بالإضافة لأهمية إعداد المعلمين الذين يقومون بتدريس اللغة العربية والأدب، ليكونا على قدر كبير من الثقافة بالإضافة لاتباع المنهج التجديدي، وعدم التمسك بالشكل التـقـليدي في التدريس.
عندما أصدر طه حسين كتابه "في الشعـر الجاهـلي" عام 1926 ، أثار العديد من الأسئلة الحرجة، ونبّه الناس إلى أمر شديد الأهمية ، وهو أن ليس كل ما هو قـديم مقدساً. وأننا يجب أن نحتكم إلى العقل في كل ما نقرأ، فإذا كان الكلام يحترم العـقـل ويقدره تفاعـلنا معه وانفعـلنا به. وإذا لم يكن واجهناه بالمنطق والرأي السديد، حتى لا نخلط المقدسات بالخرافات، فنفسد إيماننا ونخرب عقولنا! 
لم تكن هذه الرؤية للأمور، أقـصد الاحتكام إلى العـقـل أولاً، سائدة في مصر آنذاك، بل تكاد تكون غير موجودة أصلاً. 
لذا تصبح إعادة الاعتبار للعـقـل أحد أهم مآثر طه حسين على الحركة الثقافية والفكرية، ليس في مصر فحسب، بل في العالم العربي كله.

 

الكل يعرف طفولة طه حسين وصباه وشبابه من خلال ما صاغه في كتابه "الأيام"، الذي يتناول فيه سيرته الذاتية بأسلوب بالغ الأناقة والعـذوبة. 
لكن "الأيام" لم يتعرض إلى واقعة مهمة، وهي كيف مُـنـح طه حسين لقـب "عـمـيد الأدب العـربي".
بـدأت الحكاية بموقف فكري ونضالي اتخذه طه حسين ، ضد رئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا. 
فالرجل الذي ترأس الحكومة من عام 1930 حتى عام 1934 ، حاز أسوأ سمعة في تاريخ رؤساء الوزراء في مصر،  نظراً لديكتاتوريته المقـيتة المستمدة من استبداد الملك فؤاد.
في عـام 1932 كان طه حسين عميداً لكلية الآداب في جامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً)، 
حين طلبت منه الحكومة تكريم أربعة رجال من خلال منحهم الدكتوراة الفخرية من الجامعة. 
رفض طه حسين بلباقة تنفيذ هذا الطلب، لأن هؤلاء الرجال كانوا من السياسيين، الذين التفـّوا حول صدقي باشا، وليسوا علماء ولا مفكرين، فكيف تمنحهم الجامعة الدكتوراة الفخرية؟ 
انزعجت الحكومة من هذا الرفض، وقررت عـقاب طه حسين، حيث أزاحته من عمادة كلية الآداب ونقلته إلى وظيفة ، مراقب عام التعليم الابتدائي في وزارة المعارف!
لم يكتفِ طه حسين برفض تنفيذ قرار الحكومة المتعـسف، بل أذاع السرّ وراء هذا القرار الغريب وذلك في حوار أجري معه في صحيفة "الأهرام" ، منذراً الحكومة بأنه سيرفع دعوى قضائية ضد قرارها الظالم. 
جُـنّ جنون صدقي باشا وحكومته، حين فضح طه حسين نيتهم المشؤومة،  في فرض نفـوذهم على الجامعة المصرية الوليدة. 
 وعلى الفور اجتمعـت الحكومة وأصدرت قراراً ، بفـصل طه حسين  من جميع وظائف الحكومة . 
انتـفض طلاب وأساتذة الجامعة المصرية والمدارس الثانوية والمثقفون المصريون، حيث نظموا المظاهرات تنديداً بالحكومة التي فـصلت عميد كلية الآداب، هاتفين بحياته ومواقفه النبيلة، قائلين بحسم إنه ،ليس عميداً لكلية الآداب فقط، بل هو "عـميد الأدب العربي ".

 

 
التعليم كالماء والهواء

 

فضل طه حسين على الثقافة العربية غير منكور، فالرجل خاض بقلمه الرشيق وعـقـله النشط في بحر المعارف المتنوعة، فـكـتـب الدراسات النقـدية، وأعاد قراءة التاريخ الإسلامي وفق منطق عقـلي، وترجم النصوص المسرحية ، وأبدع في فـن الرواية، وترأس تحرير الصحف والمجلات، وترك لنا مئات المقالات . لكن أهم إنجازاته تمثل في صيحته المدوية "التعليم كالماء والهواء بالمجان"، ثم نضاله لتحقيق هـذا الشعار عندما صار وزيراً للمعارف في حكومة مصطفى النحاس باشا عـام 1950 .
وبالفعل استطاع أن يجبر الحكومة المصرية، والحكومات العربية بعدها، على تعليم أبنائها مجاناً، حيث استلهم كثير من القادة العرب هذا الشعار وطبقوه، فشيدوا المدارس ووفروا بيئة تعليمية مناسبة تستوعـب أبناء الفقراء ، وهم بالملايين، الذين ما كانوا يحلمون بالالتحاق بالمدارس والجامعات لولا إصراره على ضرورة توفير التعليم لجميع الناس بالمجان. 
صحيح أن المقادير لم تتعامل مع أمنية طه حسين وشعاره النبيل بالتي هي أحسن، حيث صار التعليم المجاني الآن أسوأ مما يتخيل أحد، إلا أن ذلك لا يمنع أن ملايين الطلاب في مصر والعالم العربي تلقوا أفضل تعليم بالمجان عندما كان لهذا الشعار بريقه الآسر، وكان قادة الأمة متـعـفـفـين ومسكونين بحلم تطوير مجتمعاتهم. 
إن موقف طه حسين من اللغة العربية وضرورة تجديدها، موقف ثوري وتقـدمي ـ إذا جاز القول ـ وفي اعتقادي أنه لم ينل ما يستحق من بحث وتمحيص ودراسة. لا يغيب عن القارئ الحصيف أن الإنتاج الغزير لعميد الأدب العربي يؤكد أن الرجل كان يتمتع بفضيلة الانكباب على العمل وإتقانه، وأنه كان نموذجاً نبيلاً للإنسان المكافح والمجد، ويكفيه فخراً أنه أول عربي يحصل على الدكتوراة من فرنسا.

 

إرمِ نظارتيك ما أنت أعمى 
في إحدى قاعات جامعة الدول العربية في القاهـرة عـام 1973، ألقى الشـاعـر السـوري الـراحـل نزار قباني القصيدة الـتـالـيـة في رثاء طه حسين ، وتـبـدو القـصيدة كأنها قــيـلـت اليوم.!!.

 

ضوءُ عـيـنـيـكَ أم هـما نجمـتانِ،
كلهم لا يَرى... وأنتَ تـراني.!
ضوءُ عـيـنـيـكَ أم حوارُ المـرايا،
أم هـما طائران يحـتـرقـانِ!
إرمِ نظـَّارتيكَ ، ما أنتَ أعـمى ،
إنما نحـن جـوقةُ العـمـيـانِ!
أيها الأزهـريُّ ، يا سارقَ الـنـارِ،
ويا كاسـراً حـدودَ الثـواني!
عُــدْ إلـيـنا ، فـإن عـصرَك عـصـرٌ،
ذهـبيُّ ونحـن عـصرٌ ثـاني!
سـقـطَ الفـكرُ في الـنـفـاق السـّياسي،
وصار الأديـبُ كالـبـهـلـوانِ!
عُــدْ إليـنا يا سـيـدي ، عُــدْ إلـيـنـا،
وانـتـشـلـْنا من قـبـضةِ الطوفـانِ!
أيــهـا الغاضبُ الكـبـيـرُ تأمـل،
كـيـف صار الكـُــتّـاب كالخـرفـانِ،
إن أقـسى الأشياءِ لـلـنـفـسِ ظـلــمـاً،
قـلـمٌ في يـد الجـبـانِ الجـبـانِ!
إنـنـي في حُـمّى الحـسـين ، وفي الـلـيل
بـقـايا من سـورة الرحـمـنِ ،
تـسـتـبـد الأحـزانُ بي فـأنـادي،
آه يا مصرَ من بـنـي قـحـطـانِ!
حبسوا الماء عن شفـاه الـيـتامى ،
وأراقـوه في شـفـاه الـغـوانـي!
يـشـتـرون الـقـصورَ... هـل ثـمَّ شــارٍ
لـقـبـور الأبـطال في الجـولانِ؟!
يشـتـرون الـنـسـاء... هـل ثـمَّ شـارٍ
لـدمـوع الأطـفـال في بـيـسـانِ؟!
يـشـتـرون الـدنــيا وأهـل بـلادي
يـنـكـشـون الـتـراب كالـدـيـدانِ!
لـِمـَن الأحـمـرُ المـُراقُ بـسـيـنـاء ،
يـُحـاكي شـقـائقَ الـنـعـمانِ!
يا هـوانِ الـهـوانِ ، هـل أصبـح الـنـفـط
لـديـنـا أغـلـى من الإنـســانِ؟!
أيـهـا الغارقـونَ في نعـمِ الله،
ونعـمى المـربـربـاتِ الـحـسـانِ ،
قـد رددنا جـحـافـلَ الـرومِ عـنـكـم،
ورددنا كـسـرى أنـو شـروانِ!
وحـمـيـنـا محـمـدـاً وعـلـيــَّاً،
وحـفـظـنـا كـرامـةَ الـقـرآنِ!
فادفـعـوا جـزيـة الـسـيـوفِ عـلـيـكـم
لا تـعـيـشُ السـيـوفُ بالإحـسـانِ!

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.