شتاء عادي

محمد خلفوف*

لم يكن صعبا على عمر أن يجد غرفة في هذه المدينة الموغلة في الغموض والوحشية، والتي تأكل البشر كل يوم.لايهمنا أمر المدينة اﻵن ،سنعود اليها لاحقا،لاتستعجلوا،المهم أنه وجدها.
غرفة صغيرة تقع فوق عمارة من خمسة طوابق.جاء اليها يحمل حقيبته قادما من تلك القرية المنسية في الشمال.كانت: صغيرة ،مطلية بالأزرق،يدخلها ضوء لوحة الاعلانات الأصفر.وكانت أيضا ،مليئة بالصحف والكتب " لقد كان يسكنها صحفي.." قال السمسار.لكنه باع الصحف والكتب لمول الزريعة مقابل عشرين درهما وحفنة من الكاوكاو..الكتب والصحف غير مهمة..المال مهم والكاوكاو أيضا..
ولأنه لم يكن يدخن أو يشرب-وهذا أمرنادر-فقد كان راتبه في المقهي،الذي وجد فيه عملا بسهولة أيضا،ربما بفضل دعوات تلك العجوز التي هي أمه،يكفيه.
وكان شتاء غير عادي-هذه عبارة أدبية تافهة- لقد  كان شتاء عاديا ،عاديا تماما:انخفاض في درجات الحرارة مع احتمال نزول بعض الزخات المطرية التي قد تستمر الى منتصف الليل،وقد تمطر الآن ،وهو يسير قادما من المقهى،بعد أن أنزلوا الريدو وأغلقوا الأقفال، فتفرقوا،الباطرون بسيارته،وعامل الكونطوار على دراجته،وهو على قدميه،يسير ويسير..في شوارع المدينة المظلمة،يراقب المحلات تقفل أبوابها ،والقطط والكلاب المتسكعة..اللعنة على هذه المدينة القذرة!لا ترحم أحدا،هناك تجار النفوس،العاهرات،الشواذ،البوعارة،رجال المخزن الفاسدون،أغنياءو فقراء،النازحون من الجوع..جوعنا وجوعهم.كل شيئ موجود هنا،ستجده بكل سهولة و انت تتعمق في الدروب المعتمة،التي لا  يدري أحد مابداخلها،وحده الله يعلم ذلك.ها قد حدثتكم عن المدينة كما وعدت.
المدينة قبور عالية..المدينة غول عفن.
الأغاني تأتيه من البارات،صاخبة،مختلفة : راي،غربي،شعبي...ممزقة محصوبة بالشتائم والصراخ..يخرج من فمه بخار يشبه دخان السجائر،لكنه لا يدخن ولايشرب،لذلك اشترى مذياعا يستمع فيه الى الأغاني والبرامج الليلة التي تطرح مشاكل الناس.يرفع من صوت المذياع،وحين يتأثر بقصة ما يطلق:لاحول ولاقوة إلا بالله..
فتح سرواله وأخد يطلق الماء على البقعة المظلمة من حائط السينما المهجورة.لم يكن يسمع سوى الشرشرة ورذاذ الأغاني القادمة من البارات..لكن هذه الأصوات،مع الهدوء،اختلطت بأصوات أخرى:أصوات بكاء وترج وشتائم...زرر بنطاله فإبتلت يداه وهو يفعل،وسار ناحية الأصوات،التي كانت ظلالا تتحرك،ومع اقتراب أكثر ،بحذر،اتضحت الظلال:رجل وامرأة يتحركان، وبإتضاح الظلال اتضحت الأصوات أيضا،فسمع:
-تهربين مني أبتها القحبة..سأقتلك..
وكان عمر ينظر فإنتبه إلى رجل يدخن،صاح به الرجل:
-هيه إلما تنظر؟اذهب الى حال سبيلك..
لكن عمر ظل ينظر، وظل الرجل يضرب المرأة التي تعرى فخداها.كانت تصرخ،وبدا  وجهها ملطخا بالدم.وظل الرجل الذي يدخن يجذب صديقه محذرا:دعها يا مراد..ستدركنا الشرطة..إلتفت عمر باحثا عن الشرطة،لكنه لم يجدها،لا صوات ولا غوات..بل وجد الآخر،الذي هو مراد،يدفع صاحبه الذي يدخن،ويكيل لها الضربات:
-أيتها الكلبة..أيتها العاهرة..سأحرق...
-لن أعيدها ثانية...لن أفعل...كانت تعوي ككلبة.
-ألم أقل لك انصرف أيها النم؟!
فبرز النصل،وشعر عمر بالرعب،التفت إليه مراد:
-فاش كتشوف!!اذهب وإلا خلينا دار بوك...
-أرجوك يا أخي اعتقني..سيقتلونني..أنا بئيسة..اعتقني...توسلت.
أخد مراد يسكتها بضرباته القوية الصادرة عن جسده الضخم،وظل النصل مرفوعا والدخان يخرج من الفم..وكان عمر يريد أن يقول:
-حشومة..إنها فتاة مسكينة..ارحموها...لكنه تراجع لأنه تخيل بركة من الدم،وجثة متعفنة على الرصيف عثر عليها زبال في الفجر..فتراجع،وانعطف عبر الزقاق اﻵخر،لكنه ظل يسمع صوتها تستنجد:((عفاك اعتقني..أنا مسكينة..سيقتلو...))لكنه تجاهلها لأن الجو كان باردا،والجوع يخز مصارينه..وتخيل زلافة من الحريرة،وغرفته الصغيرة التي كانت مليئة بالكتب والصحف،والمذياع الذي يبث برامج ليلية.
فأسرع الخطى:نحو الزلافة،والغرفة،والمذياع.، وكان الصوت المستنجد الباكي قد اختفى،والمطر ينزل،لأنه شتاء عادي،عادي تماما.
 
* كاتب من المغرب.