سيرة ٌ مختصَرةٌ

عبدالله سرمد الجميل*

ما أرضعوهُ حليباً، أرضعوهُ دَما

وظلَّ يشربُهُ للآنَ ما فُطِما
وقَبْلَ ( بابا ) و ( ماما ) لقّنوهُ هنا
أن ينطِقَ الموتَ والإرهابَ والعَجَما
وكانَ يسألُ: من أمي وأين أبي ؟
الحربُ أمُّكَ، قالوها، وما فهِما
أبوكَ ماتَ بها فاهربْ إذا سغِبَتْ
تَحُزُّ رأسَكَ لا عَطْفاً ولا نَدَما
فراحَ يبكي فسالَتْ دجلةٌ معها
سالَ الفراتُ على خدَّيهِ والتحما
تشقَّقَ الجلدُ عن نخلٍ وعن جثثٍ
من قِمَّةِ الرأسِ حتى تَبلُغَ القَدَما
وكادَ يهربُ لكنْ حبلُ سُرَّتِهِ
ما زالَ مُنعَقِداً بالحربِ ما انفصما
فعادَ للبيتِ، كانَ الموتُ منتظِراً
والحزنُ ضيفٌ عليهم حلَّ مُبتسِما !
في عيدِ ميلادِهِ أهدَوا لهُ عُلَباً
وحينَ أفرغَها كانَ الرصاصُ دُمَى !
كم كانَ يفزَعُ في المرآةِ من جسدٍ
مُعتَّقٍ بقبورِ الناسِ قد وُشِما
يداهُ خانَتْهُ حولَ العُنْقِ خانقةً
والقلبُ قادَ انقلاباً، نكّسَ العَلَما
فبعضُ جيرانِهِ من قبلِ شهقتِهِ
صلّى عليهِ صلاةَ الغائبِ، التَطَما
وبعضُهم نصبُوا عُرْساً ومَأْدُبةً
دعَوا إليها عدوَّ الأمسِ والأُمَما
لكنّهُ مثلَما العنقاءِ قد نهضَتْ
من الرمادِ أزاحَ اللحدَ والتَأَما
وصارَ يُقسمُ أن يحيا على أملٍ
ويَبنيَنَّ على أحزانِهِ هرما
ويَعصِبَنَّ بشمسِ الجرحِ ليلتَهُ
ويستعيرَنَّ من عُصفورةٍ نغَما
الحمدُ للهِ هذا الوقتُ علّمَني
ألّا أُجاملَ لا قَزْماً ولا حَكَما
وأن أَجُسَّ يدي إنْ صافحَتْ أحداً
من خوفِ أن يغرِسَ الأشواكَ والورما
واللهِ أقطعُها كفّي إذا ارتجفَتْ
أو صافحَتْ قاتلاً أو شيَّدَتْ صنما
أصيحُ بالشعبِ: يا عُميانُ يا بُهُمٌ
يا من سكتُّم على حقٍّ لكم هُضِما
أنتم خلقْتُم طغاةً ما لهم مددٌ
وبعدَ ذلكَ صِرْتُم عندَهم غنما

 

الحمدُ للهِ هذا الوقتُ علّمَني
بأن أشيرَ لسيفي: كنْ، يكنْ قلما !
وأن أنقِّبَ في الأنقاضِ عن جثثٍ
عسى بقاتلِها تُدلي فأنتقما
وأن أُعيدَ لحدبائي منارتَها
وأن أطوفَ بها مُستسقياً دِيَما
وأن أُعيدَ ربيعاً مُمْرِعاً خَضِلاً
سَحّاً نديّاً بَروداً مُغدِقاً رِهَما
الحمدُ للهِ هذا الوقتُ علّمَني
ألّا أنامَ وقلبي كاظمٌ سَدَما
وأن أدوسَ على جرحي مكابرةً
وأنَّ ثغريَ ضحّاكٌ وإن كتَما
وأن أسيرَ وأُذْني غيرُ عابئةٍ
بمن تكلّمَ في ظهري ومن شتَما
الحمدُ للهِ هذا الوقتُ علّمَني
بدونِ أمّي أنا طيرٌ بدونِ سما
أبي يسمِّي تجاعيدَ الجباهِ هنا
بستانِ نخلٍ سقاهُ عمرَهُ فنما
أخي هناكَ على خيطانِ غرفتِهِ
نوافذاً من صباحٍ أبيضٍ رسما
هل لي بأنثى صباحُ الخيرِ من فمِها
تُعيدُ للقلبِ عُصفوراً بنى حُلُما

 

فُستانُها من تُويجاتِ الورودِ ومن
نحلٍ يدايَ وقد صارَ الفمانِ فما
أُنثى تُوسِّدُني يَنبوعَ راحتِها
فأُغفيَنَّ بكفٍّ تنسِجُ النَّسَما
وأصحوَنَّ على ضوءٍ لو انسَكبَتْ
ذرّاتُهُ فوقَ شمسٍ لاستوَتْ ظُلَما
أنثى تُصيِّرُ أمطارَ الشِّتا خَرَزاً
كيما تُعلِّقَها في صدرِها رُقُما
أنثى متى دمعةٌ منّي قد انذَرفَتْ
أعطَتْنيَ الخدَّ حتّى تسرِقَ الألما ..
 
* شاعر وطبيب من العراق.