"سيدات القمر" بين ضيق الواقع وفسحة الحلم

رحمن خضير عباس*

بفوزها بجائزة ( مان بوكر) للأعمال المترجمة للإنجليزية هذا العام 2019 ، تدخل  الكاتبة العمانية  جوخة الحارثي كأول سيّدة عربية تنال هذه الجائزة المهمة، وذلك عن روايتها "سيدات القمر"، التي صدرت  عام ٢٠١١ أي قبل أنْ تنال هذه الجائزة بثمانية أعوام. وجوخة الحارثي أصدرت روايتين ومجموعة قصصية. كما أصدرت بعض القصص الخاصّة بالأطفال. وقد أحرزت شهادة الدكتوراه في الادب العربي من جامعة ادنبرة في سكوتلاندا. 
تدور أحداث الرواية في قرية مُتَخَيّلة وليست حقيقية ، مما يجعل شخوصها واحداثها وجغرافيتها بعيدة عن الشخصنة ، فهي رمز لأية قرية عمانية تلوذ بعزلتها ، وتكتفي بأبنائها الذين تعايشوا منذ القِدَم في هذا المناخ  الاجتماعي  المتوّحد والرتيب. حيث أفراده مشدودون لبعضهم في وشائج وعلائق متينة. وحيث الفرد يذوب في إرادة الجماعة وقوّة أعرافها، وفي نسيجها الاجتماعي المتكوّن من ملّاكي الأراضي والفلاحين والتجار والكسبة والعبيد . هذا النسيج المتنوّع ، والذي يتعايش منذ القدم في موروث السلف الممتد بعيدا في الذاكرة المخزونة ، حيث التقطت الكاتبة شيئا من شذراته ، لتحريك البركة الساكنة كي تطفح على سطحها الأحداث.   
الرواية مسْحٌ تأريخي لملامح مجتمع ينمو. وتلمسٌ لبعض ملامحه ، وتشخيص للتشوّهات التي ظلت عالقة على هيكله  كنقط سوداء باهتة ، ومنها قضية الرقيق الأفريقي ، الذي نشأ في مراحل غابرة ،ونما على سطح الأزمنة المختلفة، حيث الصيد البحري، والقرصنة الحربية ، وتجارة الرقيق التي تجعل من يمتلك القوة ، أن يغزو سواحل البؤس والفقر في إفريقيا ، لمهاجمة الناس والقبض على شبابهم الأفريقي وتحميلهم في سفن الموت ، ثم عرضهم للبيع. وقد تناول ذلك الكاتب الأميركي اليكس هيلي في روايته الرائعة" جذور"  .  لكنّ خوجة الحارثي لم تتناول موضوع الرق كقضية رئيسية ، بل أوردته  على هامش التناقضات الاجتماعية بين شخوصها ، الذين وجدوا أنفسهم في كيان اجتماعي غير متجانس ، فمنهم من العبيد الذين انتفضوا على لوثة الماضي  كزيدان ابن المتشرد. بينما وجد البعض منهم العبودية قدرا لا مفرّ منه كالخادمة نظيفة. ومنهم من مات وهو لا يعلم أن المواثيق الدولية قد ألغت الرق والاتجار بالبشر. وقد كان موقف الكاتبة منحازا إزاء تلك الشرائح والشخوص التي كانت تتعذب بصمت ،  وذلك من خلال نفض الغبارعن أوجاعها ، من خلال تسجيلها فنّيا ، وبالتالي إدانة هذه الظواهر الشاذة  .    
تتناول "سيدات القمر" مسألة الصراع الخفي بين مشيئة المجتمع وبين رغبات أفراده. بين قوة العادات والتقاليد ومجموعة القيم المتعارف عليها ،وبين الرغبات المُحبَطة لأفراد لا يمتلكون سوى أحلامهم ، فمنهم من انتحر كطاهر) الذي لم يتحمل قسوة ما يحيط به ،ومنهم من استسلم مثل ميا وشقيقتها أسماء لقدر الزواج القسري بارادة العائلة.   ومنهم من حاول الصمود كخولة التي رفضت رغبة أهلها بزواجها ، متمسكةً بوعد الزواج من ابن عمّها الذي يدرس في كندا ، والذي فشل في دراسته. 
فالفتاة ميا  تنفق الوقت في العمل المضني، لتخيط الملابس منكبة على ماكنة الخياطة ، وتنزوي بين ثنايا عملها اليومي داخل غرفتها ،لمواجهة قسوة الواقع. فكانت تحلم بفتى أحلامها وهو ( علي بن خلف) الذي لا تبدو منه سوى ملامح باهتة، لرجل ملأ ذاكرتها وعطش أحلامها  .  ولكنها لا تعترض على أوّل خطيب يختاره أهلُها  ، فتتزوج به من دون حب أو رغبة، وتلد منه ابنتها البكر ، والتي تصرّ على تسميتها لندن رغم اعتراض الجميع  ، وكأنّها تطمح إلى تخطي حدود الحلم ، لأنّ فتى أحلامها قد غادرها للدراسة في لندن .هكذا تكبر الصغيرة (لندن)  وتكمل دراستها الجامعية في كلية الطب في لندن .وتكمن المفارقة في أن لندن المتحررة قد فشلت في زواجها الذي جاء برغبتها. بينما نجح زواج الأم ميا رغم أنه تمّ بغير رغبتها!  
لكن الرواية التي تنمو من خلال منظور( ميا) ، ودائرة عائلتها الضيّقة، التي تتكون من أمها واخواتها ( أسماء) التي تتزوج من شخص آخر  (وخولة) التي ترفض الزواج التقليدي لشخص يخطبها وتتمسك بابن عمها ناصر الذي يواصل دراسته في كندا. وبعد ذلك تكتشف أنه غير جدير بوفائها وانتظارها له. فقد اقترن بكندية ، ثم يفشل في الحب والدراسة ويعود خالي الوفاض إلى العوافي.
هكذا تنمو أحداث الرواية بشكل بطيء. وعلى شكل فصول قصيرة تجاوزت الستين فصلا. هذه الفصول تتداخل وتتشابك وتزدحم بالشخوص والأبطال المؤثرين أو الثانويين.  في أزمان غير محددة أو ما يُسمّى بـ( الكرونولوجية ). أي التقسيمات الزمنية ، فمرة نحن إزاء اللحظة الراهنة. ومرة أخرى نحن أمام زمن متقدم. أي أن الزمن لا ينمو بشكل طبيعي ، بل يتشظى على رقعة الأحداث  ، وقد يعود إلى الوراء عبر الذاكرة ، أو عبر تيارات سردية ، تبدو وكأنها تسيل متلازمة مع خط السرد الرئيس . 
ومع أن ميا هي الشخصية المركزية في سير الأحداث. لكنها تذوب في هذا الحشد من البشر  وفعلهم الحياتي الذي ينمو بشكل كثيف.  ضمن البطولة الجماعية لحشد من البشر يعيشون ضمن فترات زمنية متباينة. حتى أنّ الحوادث والشخوص وأفعالهم تتكدس في سلة واحدة. وعلى القارئ أن يتبصر الخيوط والأحداث والأصوات السردية التي تبوح بفعلها ثم تخبو. وكأننا أمام فنانة تشكيلية. تنشغل في رسم لوحتها بالألوان المائية. وحالما تقوم بطلاء طبقة لونية في مساحة معينة.  فتتركها حتى تجفّ ، منشغلة بمساحات أخرى. ولكنها تعود إلى اللون الأول وتضيف عليه طبقات لونية أخرى. 
الروائية خوجة الحارثي ، كانت ترسم بالكلمات والصور ، فحينها تتناول حياة بطل ما ، تتناول جزءا من مساره الحياتي. وتتركه حتى ننساه ، ثم تعود اليه من جديد ، فتقوم بتلوين افعاله على هيئة طبقات شفافة تبدا من الألوان الباردة إلى الألوان الحارة ، كي تنضج ملامحه  . 
تهيمن الأنثى في الرواية، فهي التي تصنع الأحداث : 
فهي المسالمة التي تؤدي دورها الحياتي ، وهي الخادمة التي تعيش الرق المزدوج ، وهي الحالمة أو الطموحة أو العاشقة التي تتكسر مويجات عشقها ولهفتها على صخور واقع اقسى من الحجر. وهي الأنثى المتمردة التي تنتظر فتى أحلامها،  أو التي تمارس لعبة الاغراء والاغواء. الأنثى الشرسة التي لا تتردد في تسميم وقتل من ينافس عواطفها الملتهبة.  الأنثى القوية والضعيفة ، السيدة والعبدة. التي تملك كل شيء وتفتقر إلى كل شيء.
 لقد شكّلت الأنثى  اللبنة الحقيقية لبناء رواية "سيدات القمر". وبقي الرجل على هامش الفعل الروائي.   
ورغم أن الرجل كان في وضع أفضل من المرأة لكنه بدا متأزما محبطا ، فهذا عبد الله الذي لا تبارح ذاكرته وسائل القمع من قبل أبيه، والذي يتراءى له من خلال علاقته بطفله الصغير. وعزان الذي يعيش ازدواجية عاطفية ، مابين زوجته وعشيقته. وكذلك صراع خالد الفنان مع أبيه والذي ينبثق من خلال لوحاته الفنية. اضافة إلى عبء ممتلكات سعيد، التي لم تخلق له السعادة، وتجارة سليمان الكاسدة ، والهجرة التي غيبت عيسى ،  وزيدان الهارب من ماضيه.  إنها القرية التي تتفاعل فيها الأحداث بصمت. ولكنها قد ترمز إلى البيئة الاجتماعية العامة للمجتمع العماني  ، وهو في مخاض التحوّل.  
جاءت اللغة في الرواية مزيجا من اللغة المحكية والمتداولة ،فهي تُشبه إلى حد كبير طريقة الطيب صالح في روايته "موسم الهجرة إلى الشمال "، وكيف استطاع هذا الكاتب أن يقدم لنا لوحة سودانية عريقة في لغتها المحلية ومضمونها. كذلك فعلت الكاتبة جوخة الحارثي التي رسمت لنا أجمل لوحاتها السردية عن المجتمع العماني ، من لغته المحكية الأقرب إلى اللغة الفصحى ، إلى الأمثال الشعبية العمانية ، والتي استخدمتها بكثافة ، مما أثرى الأفكار التي وردت ، كما استشهدت بمقاطع شعرية لشعراء معروفين. وهذا – وفق تقديري- لا لزوم له ، لأنّ اللغة النثرية العالية ينبغى أن تعتمد على أدواتها السردية دون الاستعانة بالشعر، الا في حالات قاهرة. 
أما لغة الحوار فكانت مكثفة وموحية ، وتبتعد عن الطرق التقليدية، مما منحها ألقا وانسيابية عالية. اضافة إلى بلاغة الوصف التي عكست لنا ملامح العصر وتأثيرات الماضي فيه. والمتغيرات التي انعكست على نحت شخوص الرواية ، فعبرت عن الدلالات المتوّخاة . كما وصفت الكثير من العادات والتقاليد في الأعراس والمناسبات الاجتماعية وانعكاساتها على المجتمع. ورسمت بذلك اجمل اللوحات الفنية ، التي تكدست في وجوه الناس وملامحهم ، وطبيعة طقوسهم ، وإيمانهم بالسحر والشعوذة والحسد والنذور. 
 
* أديب من العراق.