سانت مونيكا

Printer-friendly versionSend to friend
شيللا ماكلير*
ترجمة: صالح الرزوق**
 
تأخرتْ عن الصلاة المخصصة لوفاة أم صديقها، والتي ماتت قبل والدها بشهرين. وهي تدخل إلى كنيسة سانت مونيكا تأكدت أن كعب الحذاء لا يطرق بصوت مرتفع، وهناك شاهدته – ماتْ الحزين – وكان في آخر صف من المقاعد. جلست بجواره. وهمست:"أخبرتني أن الصلاة في الحي الشرقي رقم 81. ولكنه شرق رقم 79".
لو كانت والدتها لاستدارت وعادت إلى البيت ولم تدخل إلى الكنيسة بوقت متأخر. 
همس يقول:" آسف.لا أعلم. لا أعلم لم قلت ذلك لو أنني قلته أصلا".
قالت له:" فكّر به". "فكر به" عبارة مشفرة متفق عليها بينهما. وتعني، بالمصطلحات النفسية، أن تفكر بكل من الكامن وبالمعلن الذي يحرك أفعالك. وحسب مقولات فرويد، مثل أن تذكر عنوانا خاطئا بدافع من اللاوعي، ولكن عن عمد. ربما لم يرغب أن تأتي. أو... هل فكرت بالسبب الحقيقي الذي كان وراء تأخرها؟. لو هناك سبب واحد.
قال:"ماذا؟". شكرا لله أنه لم يسمع "فكر به".
قالت: "لا شيء".
"كلا، ماذا؟.".
كانت بحاجة لإجابة. فقالت له:"يجب أن أتبول. حقا أشعر بحاجة لذلك".
قال: "آه". واستشار أخته ثم أضاف:"إنه على يمين السلالم من الأسفل".
"ولكن لا يصح أن أفعل ذلك خلال الصلاة".
قال مع تنهيدة:"حسنا".
وبعد انتهاء الصلاة، أخبرها أنه بمقدورها أن تشعل شمعة لروح والدها. وتحركا نحو الشموع، التي تشتعل إلكترونيا إذا ضغطت على زر. وقدّم لها دولارا، فألقته من الثغرة. ثم ضغطت على زر إيقاد شمعة. لم يلتهب شيء. ضغطت على زر آخر. وتناوبت بالضغط على كافة الأزرار، ولم ينفع أي منها. نظرت إليه بتشاؤم. وبدأ مات يطعن الأزرار كأنها لعبة فيديو. ويمكنها أن ترى أنه كان يشعر بالمسؤولية باعتبار أنه صاحب الفكرة منذ البداية. لم تكن هي كاثوليكية. أبوها الكاثوليكي. لكن أمها بروتستانتية. وهي لم تتعمد في أي من الكنيستين. هل حان الوقت لتفعل ذلك؟. في النهاية، كان زوج والدتها شمّاسا. في الواقع هو  شخص له أهمية في سانت مونيكا. وارتباطها بسانت مونيكا يعود لأيام إلين. كانت تشارك الأب بيتي الشراب، وما زال هو الراعي هناك. وعلى الأقل كانت قوية الارتباط، وهذا شيء هام.
ضغط مات على الأزرار بشكل عشوائي مرارا وتكرارا وأخيرا، أخيرا اشتعلت شمعة. رسمت إشارة الصليب وقبلت أناملها. وهذه هي الطريقة التي تعلمتها منذ أن قررت أن تكون كاثوليكية  على نحو من الأنحاء. وتلك كانت أكثر الطرق استعراضية والجميع يعلم أنها معجبة بذلك. قادها مات لاحقا نحو مكان لتركع فيه وتصلي فسألته:"هل يجب ذلك؟ يبدو أن أمامنا سلما للصعود".
قال:"لا أعلم بالضبط. فقط لاحظت أن معظم الناس تتصرف هكذا".
تقريبا قبل ثلاثة أسابيع من وفاته، التفت والدها إليها وقال:" لك ذوق فظيع بما يتعلق بالرجال". وهذا غير منصف، ومرفوض تماما. لو أنه قلق من مشكلة المخدرات، فهذا شيء من ماضي مات. والتفكير بهذا الموضوع من صفات الطبقة المتوسطة. مع ذلك، لم تذهب كلماته من رأسها. على يسارها وقف تمثال لقديسين. وكان الناس يلمسون القديسين، ويدعكونهما، ويغمسون أصابعهم بالماء المقدس ويتحسسون التمثالين مجددا. ويرسمون إشارة الصليب، ثم يقبلون أصابعهم. آه، كم ستضحك أمها. ربما – فكرت بالموضوع – إن كاثوليكيتها الجديدة تمرد على أمها، وطريقة للتحالف مع والدها بعد مماته.
من المجدي أن نفكر بذلك، ولكن ليس كثيرا.
هبطت على السلالم إلى الحمّام، كان معتما تماما. مدت يدها إلى زر الإنارة، ثم وقفت للحظة في الظلام.
فكرت عما فقدته هي ومات، وبضوء هذه الأفكار لم تكن على ثقة إذا كان كل منهما يكفي الآخر. وهذا هو سبب الزواج عند كل الناس – جزئيا بسبب الحب، وجزئيا بسبب الخوف- حسنا، يمكنها أن ترى الآن كيف يمكن أن يتم زواجها دون عوائق. طبعا الناس تتمسك بالتقاليد – كانت التقاليد سابقا فارغة بنظرها، ولكن الآن، ربما أصبح لها معنى. أو لعلها بلا معنى على الإطلاق. مع ذلك لها هدف وغاية. وعلى الأقل، هو شيء يمر معه الوقت بتؤدة.
 
* شيللا ماكلير Sheila McClear: صحافية تعمل في بروكلين لصالح نيويورك دايلي نيوز، ونيويورك بوست، وجوكير. نشرت مذكراتها بعنوان (نهاية فتاة رقصة  التعري). والترجمة عن الغارديان البريطانية.
* أديب ومترجم سوري/ حلب.