رُعاف الكون

سيف الدّين العلوي*
 
كنتُ أعرِف أنّ الحيَاة عدِيمَة الجدوى. لكنّنِي لمْ أستطِع الكفّ عنهَا. ولِهذا انتهى بي الأمر إلى مُراقبة الوقت فحَسبْ.
هاروكي موراكامي
 
 
خَلْقٌ جليلٌ آسرٌ .. فعلُ القدير القادرِ
لسْنا نماري فيه غيرَ الظاهرِ
كلُّ الحكايا خالباتٌ في الصّميمْ
لكنّنا لا نرتقي للفهم أعْلَى، حين يخمدُ فجرُنا
أو حالَ تنكسرُ الخُطى عبثا وينطفئُ المطافْ
لمَ لا نسير بمشْهدٍ للخلْف بُطءا فاتّئادا:
للصّفـر ترتدّ النّهايةُ، في اتّجاه بَداءة عذريّة
فلعـلّنا بالعوْد نفهَمُ جوْهرَ النّحْت القديمْ
فأنا إذنْ، آثارُ قَبْضِ الطّين في كفّ الإلهِ،
وعنصرُ التكوين مَقدودٌ بحكمته القصيّة 
من ذُريْراتِ الأديمْ...
لنعد إلى الخلفِ بطيئا:
بعد اكتمالٍ تخرج الأشياءُ 
من حالاتها الأقصى إلى أشواطها الأدنى 
بعد اكتمالٍ تنفُضُ الحالاتُ
كلَّ رسومها ثمّ تَــتّـرِكُ الخِتامْ:
يتحلّل الخَلْقُ النّهائيّ الأخيرُ
إلى لُحومٍ كاسياتٍ سوف تُـقْـشَر 
عن هياكل أنشِزتْ تُسْمَى عِظامْ
تنضو العِظامُ كِساءَها الفوريَّ حتّى تـنتمي 
في مُضغة قبْـليّة تدنو ارتدادًا من تعلّقها
فــتَـلْزُج في النِّـطافِ كما النّطافْ.. 
تلك المراحلُ،بالتّنازل، نحْتُنا البدْئيّ، 
منذُ تخيّرَ الربُّ البديعُ لخلقِنا، فينا الهَيُولَى..
قد كنتُ حينئذ هنالكَ(... لستُ أفهمُ) ،
شهوةً برّاقة في الاحتمالْ. 
أوْ رعشةً في الطّين ساخنةً وعجْـلى
كنتُ قبلَئذٍ مجرّدَ نزوةٍ مسعورةٍ.. 
لا بلْ جنونا طائرا.. أو قُلْ لُعابا سائلا 
ذي نقطة الصّفـر العظيمة
يا إلهي، لا اختلافْ؟ !
أنا نفْختانِ إذنْ :
إحداهما تأتي على مهل إبّان ندخل
في المهارة و البهاء وفي النّشيدْ( كونوا / نَكُـنْ) 
والنّفخة الأخرى انْخسافْ
كيف انتقلتُ فُجاءةً في بذْرة التّكْوين 
من غيْبٍ بظهْر الغيْب مِخْيالاَ
إلى كينونة في الأرْضِ قد عُدِلتْ جَمَالاَ..
حتّى إذا زَهَرُ السّكينة برْعمَتْ أكْمامُهُ 
أبدى لها الموتُ الوشيكُ تربّصًا
وأسَنَّ للإزْهاقِ ناجذَهُ الزُّعافْ! 
هي محنة عُليا سَواء أنْ نكون بذورَ 
هذا الكونِ أم صرنا حصيدَهُ 
والقِطافْ.. 
..................
 
لا شيءَ 
إلاّ شقْفة الحمأ الميبّسِ إذْ تلوّن بالنّثارْ.
لا شيءَ..! 
غير سلالةٍ مسلولة مسنونة في الطّينْ 
أو كالغبارِ تحلّل في الغبارْ
نحن الشرائحُ لَدْنةً مِمّا ترسّبَ مِن سِليكات العجينْ 
نحن بقايا الصخر.. صلصالٌ تفتّتَ من غُضارْ 
وغُثاءة الماء الدّفيقِ متى يُجرْجرنا هشيمًا منْ حشيش يابسٍ في الرّغْو  قمش من حميلٍ.. زبَدٍ من اللّوْثاتِ والورَقات.. أوصالٍ لما أبقتهُ عند أسافل الوادي الجوارحُ و السّباعُ بفضْلةِ الأجْيافْ 
ياللعيافْ !
.................. 
 
عَـوْدٌ على بدْءٍ وبدءٌ بعد عوْد ... ثمّ حينئذٍ هَلمّْ
نحن البدايات الشّريدة.. والنّهايات البديدة ،
والسّلامة حين ينزفها ارتجافْ
نحن التورّط في التصلّفِ والتخوّفِ والنّدمْ
نحن السّذاجة، ضحكةٌ عمياء، لا معنى بها .. البهجةُ الحُبْلى إذا سقَطَ الجنينُ مُشوَّهَا 
جذَلٌ بلا حِذْقٍ ولا مَغْـزى.. عِناقٌ ذاهلٌ في الشوق مزّقـهُ النّـوَى .. مستودَعُ الصّبَوات 
تهيامٌ مكينْ .. شَغَفٌ يُرنّـقُ في الظّنون 
فرَحٌ منَ الــهَذَرِ الأصَمّْ 
سِلْكٌ سميكٌ من عويلِ يرفأ الأعمارَ تفنى بينَ أزمنةٍ عِجافْ
نحن البكاءُ المُرُّ يخثُرُ حين تسْودُّ المرايا ..
شهقةٌ مرّتْ على الأسلاكِ والأشواكِ 
فانثلمتْ لأنّتِــها الحَنايَا
هذا بهاءُ العالم الأرضيّ يسقط
في فراغِ الكون من خَلَلِ الرُّعافْ
 
* ما جمعته الرّيح من هنا وهناك / الرّديء من كلّ شيء
 
* أديب من تونس.