رواية "موت مختلف" لمحمد برادة وتمثلات الذاكرة

محمد بوزكري*

يوما بعد يوم، نستفيق على فواجع إنسانية، تبتذل الحاضر، وتجمد التطلع إلى المستقبل ، لاشيء في هذه اللحظة، يجعلنا نفكر في آلية الإجابة والمعالجة، إلا الأدب، فهو وحده القادر على أن يطوع مآسينا وأفكارنا، إلى أن تصبح قوة مادية، نواجه بها شيئا من الفظاعة الإنسانية. على هذا الأساس تبني الرواية عوالمها الشكلية والمضمونية، جنس أدبي يخترق صلابة الواقع عبر فعل التخييل، يشيد صرحا للإنسانية، مجيبا أحيانا على تساؤلاتها التي أفرزتها تقلبات الواقع وتموجاته، طارحا تساؤلات أحيانا أخرى، تظل معلقة ليجيب عليها الفكر في مراحل معينة من تطوره.

ولأن فعل السرد يستند كثيرا على آلية التذكر والإسترجاع، فمن الطبيعي أن نجد متنا روائيا مهما تحضر فيه الذاكرة بشكل قوي بسلطتها الرمزية والقيمية، وهو ما تتوافر عليه رواية محمد برادة "موت مختلف" الصادرة عن نشر الفنك، سنة 2016، بدعم من وزارة الثقافة المغربية،  والتي نالت جائزة كتارا للرواية العربية، سنة 2017. 
وبما أن العتبات النصية، مدخل أساسي لمعرفة اولية بالنص الروائي قيد الدراسة، فإن العنوان يستوقف القارىء بمفارقة عجيبة وجميلة، جاذبة لقراءة العمل الروائي، لمعرفة مقصديته بـ "موت مختلف"، هذا الأخير الذي يشير، على مستوى بنيته العميقة والسطحية، إلى الاختلاف التام عن "الموت الطبيعي للذات" عبر خروج الروح من الجسد، لتصبح جثة هامدة، إلى موت رمزي انطولوجي متعلق بضياع الهوية، ومفتوح على تأويلات شتى، ما دمنا لم ندخل بعد إلى عمق النص واستكناهه.
تتشكل رواية "موت مختلف" من ثلاثة فصول ، تثير إشكالات عدة متقاطعة في ما بينها، حيث التاريخي يتداخل بالفكري والسياسي والأيديولوجي والهوياتي، قيم الحداثة في صراع مستمر مع التقليد ومستوياته، الذات موزعة بين المركز والهامش، الإرتباط بالغرب والانبهار به، على المستوى التقدم المعرفي والتكنولوجي والحريات الديمقراطية، وفي الآن نفسه الحنين إلى الماضي والعودة إلى الزمن التليد بمسقط الرأس.
يعتمد الكاتب على الذاكرة في عملية السرد ،باعتبارها وجها يحفظ للذات امتدادها الزمني من الماضي، والتي قال عنها بول ريكور في أحد أعماله الفكرية " ليس أمامنا أفضل من الذاكرة كي نؤكد أن شيئا قد وقع، قبل أن نشكل عنه ذكرى نحفظها، ولنقل منذ الآن إن كتابة التاريخ نفسها لن تنجح في زعزعة الاقتناع الذي يتعرض للسخرية باستمرار ولكنه باستمرار يؤكد من جديد، وهو أن المرجع الأخير للذاكرة يبقى الماضي مهما كان، معنى ماضوية الماضي"1  يشي هذا القول بفكرة مفادها أن الذاكرة ترتهن للزمن الماضي، باعتباره الإحالة التاريخية التي يستند إليها عمل الذاكرة واشتغاله، وهو فهم يخالف قول برادة عندما استهل روايته بالحديث عن الزمن، وصعوبة القبض عليه حتى أنه انتزع الخاصية الجوهرية التي تقوم عليها الذاكرة حيث قال " تتركز الذاكرة على الآني، لا تستطيع أن تتقهقر إلى فسحة فاتت، أو إلى مضاءة محتملة. عليك أن تستقر في هذا الحاضر، أن تسوسه وفق ما يجعل الإيقاع محتملا"2 لكن عند الدخول إلى عمق الرواية، يتضح جليا أن الكاتب تخلى عن الفهم الذي أسداه للذاكرة، وارتبط بعنصر التذكر المؤسس على الماضي، وهو ما صادفناه في الفصل الأول للرواية الموسوم بـ "زيارة مسقط الرأس"  عند رجوع منير البطل من فرنسا بعد غياب دام أكثر من أربع عقود من الزمن، بعد هجرة قريته "دبدو" شرق المغرب، متجها نحو فرنسا، للإرتواء المعرفي والأخذ بأسباب الحداثة والتمدين. و لأن الذاكرة تشتغل على حد تعبير السيميائي عبد الله بريمي، " عبر مصافي مختلفة ومتنوعة وهي مصافي ثقافية ثم سياسية وايديولوجية، تنتقي محتويات وتستبعد  أو تقوم بإقصاء أخرى، وإن التفكير بعمق في ميكانيزمات هذه التصفية يسمح بفهم أفضل لبعض ميكانيزمات خلفيات النسق الثقافي، والقيم التي يروج لها هذا النسق"3 فإننا ارتأينا الوقوف في رواية "موت مختلف" عند:
الذاكرة الثقافية: وتتبدى في استرجاع منير ما كان أبوه يحكيه له بخصوص قرية "دبدو" الشامخة التي كانت مزدهرة، حضاريا وثقافيا في عهد المرينيين، وأيام الإمبراطورية، وكذا مقاومة رجالها للمستعمر بصدور عارية، هي أمور وحوادث وقعت، مدونة في سجل القرية، فرضت نفسها على "منير" ليتذكرها ، حيث قال " اهتمامي بمعرفة ماضي دبدو في السنوات الأخيرة، جعلني أقف على ملامح مشرقة في تاريخها القديم"4 .
إن الإهتمام بالثقافة من طرف "منير" واستعادته لوقائع تاريخية، تشتغل باعتبارها أكواناً سيميائية دالة، تعيد خلق الحياة من جديد عبر آلية التذكر، تحفظ له شيئا من هويته التي ضاعت وسط، هويات متعددة في أروبا، لأن " الذاكرة الثقافية هي ذاكرة عابرة للزمن تخترق آفاقه ولا تقف عند حدود زمن بعينه، فهي تتجاوز النظر إلى الزمن على أنه ماض وحاضر ومستقبل"5 وفي الوقت نفسه يتحسر منير على الذاكرة التاريخية الثقافية المشرقة التي كانت تحظى بها، قرية "دبدو" وما أصبحت عليه اليوم، الذي يعرف فيه المجتمع تقدما ملحوظا في جميع الميادين، وقد عبر عن حسرته هاته بالمقطع السردي الآتي: أحار بين ما رواه التاريخ عن أمجاد دبدو، وما هي عليه الآن. يقول التاريخ: أعلم أن دبدو غدت مجهولة لديكم، على الرغم أنها عرفت سنوات وعقودا تنضح بالرخاء والازدهار"6 إن الذاكرة الثقافية إذن بقدر حفظها لجزء من هوية الذات المتشظية الغارقة في القيم الحداثية الجديدة، إلا أنها أضحت اليوم ذاكرة مقموعة ومؤلمة، حيث طالها النسيان والهدم من طرف المتحكمين في دواليب الدولة، وترميمها يتطلب تجميع تلك العناصر الثقافية وإحيائها، لأن " الثقافة من حيث المبدأ لا يمكنها تكرار الماضي ولكنها تسعى دائما لإعادة خلقة وإنتاجه"7.
وبما أن الرواية تطرح إشكالات عدة متقاطعة في ما بينها، نجد الجانب السياسي ذا أثر جلي وواضح في تطور أحداث الرواية وديناميتها. فما هي تجليات الذاكرة السياسية في رواية " موت مختلف"؟.
الذاكرة السياسية: بعد تخرج منير أستاذا للفسلفة بإحدى المدارس الفرنسية، بباريس التحق بعدة جمعيات ثقافية منخرطا فيها، كونه مثقفا يحمل أفكارا تنويرية قادته بذلك إلى الدخول إلى عالم السياسية، محمولا على مركب، رأس المال، والمادية الجدلية، وكل ماله علاقة بالتفكير العقلاني، المخالف للتصورات التقليدية للمجتمع، رافضا السلطة المطلقة، غير آبه بالشخصيات المقدسة وامتدادتها المتحققة والممكنة، يقول " انخرطت في نقابة يسارية محمولا على جناح أحزاب اليسار المعارضة للجنرال دوكول، الرافضة لرمزيته الخرافية. لا شيء لا شخصا ولا زعماء، يمكن استمرارهم محصنين داخل هالة الاعتبار والتقديس"8.
 إن التعبير بهذه اللغة المشحونة بالنفحة الإشتراكية، دليل قاطع على تمرد "منير" على القيم التقليدية  وانخراطه في تجربة سياسية معروفة بمبادئ وأفكار مناهضة للتطرف اليميني، وللغطرسة الإمبريالية، إنه مشدود بشكل يمكنه وصفه بـ "الهستيري" إلى تاريخ أروبا وما حققته على مستوى الحريات العامة، وكل ما له صلة بالديمقراطية بما تحمله الكلمة من معنى، حتى أن والده كان يحثه باستمرار على الاطلاع على  تاريخ دبدو النضالي، كي لا يكون صيحة في واد، يقول " يصيخ السمع وأنا أحكي له عن وقائع من تاريخ أروبا، ولا ينسى كل مرة أن يحثني على قراءة تاريخ المغرب، أيام أمجاده الإمبراطورية، وأيام مقاومته الاستعمار الفرنسي: (اسأل أستاذك عن معركة "حنون" التي خاضتها قبيلتا بني رايص وعلوانه في عام 1911. فخورا كان بتلك المعارك التي شارك فيها جده وبقية العشيرة.."9 هكذا منذ صغره مشدود لأروبا عبر بوابة التاريخ، وما حققته من تراكم هائل في المعرفة والعلوم، لذا كان من الطبيعي أن يعانق فكرا تنويريا حداثيا، يتراءى له النموذج الأوحد والوحيد للخروج من براثن الجهل والتخلف، والإرتقاء بالإنسان إلى درجة " الإنسانية"، لكي لا يشيئ ويغدو سلعة، يخضع للمتاجرة في ميزان الرأسمالية، ولكي لا تصبح فرنسا تعيش على إيقاع الموت البطيء إذا ما حل بها هذا الورم الخبيث، يقول في معرض تعليقه على الدفاع عن مبادئ التنوير، " كنت ضمن الأغلبية المؤمنة بهذا الإصلاح لتفادي العيش وسط بلبلة اهتزاز القيم وانتشار الارتياب والتشكيك في جدوى السياسة"10,
هي أمور جديرة بالمتابعة تضعها الرواية أمام القارئ كي يتفاعل معها، ويحاورها وفق ما يقتضيه فعل السرد، دلاليا وجماليا، إن رواية "موت مختلف لمحمد برادة، شيدت عالما خاصا بها؛ يمكن القول أنها امتداد لأعماله الروائية السابقة، التي عالج من خلالها، إشكالات أنطولوجية متعلقة بمسار الإنسان في الحياة،( الهوية، الايديولوجية، السياسة،) وكل ما يتصل بذلك.
ومهما يكن من تجاذب بين القراء حول هذا العمل الروائي، إن على مستوى البناء الداخلي للرواية، أو ما يرتبط بالجانب الفني والجمالي، إلا أن محمد برادة استطاع أن يشاركنا تجربته الحياتية الموزعة بين عالمين متناقضين، عالم الحداثة، وعالم التقليد، وفي الآن نفسه استثمر تجربته في التدريس كأستاذ لمادة الفلسفة، فأضاف على هذا العمل رونقا فكريا خاصا، يمتح مادته من تصورات فلسفية، لفلاسفة بصموا في تاريخ أروبا بكل فخر واعتزاز. 

الهوامش والإحالات:

بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق، د.جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى، 2009، ص: 35
محمد برادة، رواية، موت مختلف، نشر الفنك، 2016، ص: 8. 
عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية، مدخل إلى نظرية يوري لوتمان السيميائية، دار كنوز للمعرفة، الطبعة الأولى، 2018، ص: 15.
محمد برادة، رواية "موت مختلف"، ص: 23.
عبد الله بريمي، السميائيات الثقافية، مرجع سابق، ص: 140.
محمد برادة، رواية مختلف، ص: 30.
عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية، مرجع سابق، ص: 140.
محمد برادة، رواية " موت مختلف"، ص: 14.
محمد برادة، رواية "موت مختلف" ص: 15.
نفسه، ص:18.

* أديب من المغرب.