رواية "العطر":  الإعلاء من شأن ثيمة الرائحة 

رحمن خضير عباس*

لعلها الرواية الأولى للكاتب الألماني باتريك زوسكند. والتي أصدرها عام ١٩٨٥. وقد أثارت ضجة كبيرة في حينها ، واعتبرت من أكثر الروايات رواجا ونجاحا في ألمانيا ، فقد تُرجمت إلى ٤٧ لغةً ومنها العربية ،  كما تحولت إلى فيلم سينمائي من إخراج الألماني توم تايكور .

 من الغريب أنّ الكاتب اختار عصرا مختلفا عن عصره ومكانا مختلفا ايضا ، ذلك لأن الرواية تنتمي إلى الحياة الفرنسية في القرن الثامن عشر ، ويبدأ الحدث بمخاض لإمرأة من القاع الباريسي، وحالما يخرج الجنين فإنها  ترميه برفق كي تتخلص منه ، بين ركام العفونة المتسربة من بقايا فُتات السمك المرمي والقاذورات المتكومة ،والتي تتسرب نحو المجاري .  وما أن يشمّ وليدُها نسمة الهواء الأولى ،  وهو يمرّ من ظلمة روحها إلى عتمة الحياة ، حتى يصرخ  بقوة وكأنه يتمسك بالبقاء ، ويرفض الموت. وكن هذه الصرخة التي أنقذته من العفونة والمياه الآسنة ، قادت أمَّه إلى المقصلة بتهمة قتل وليدها. 
يتم نقله إلى الكنيسة التي منحته اسم " جان باتيست غرنوي" ، ثم أودعته  لدى مرضعة لقاء أجور يدفعها الراهب. لكن المرضعة أرجعته بعد فترة وجيزة ، وهي ترفض كل العروض في بقائه لديها ، بحجة غرابة الطفل وقدرته المتناهية في امتصاص حليبها ، وافتقاره إلى الرائحة. مما يجعل الراهب حائرا بين إيمانه ببراءة الطفولة وبين شكه في حالة الطفل غرنوي ،  فيذهب به إلى دار أيتام السيدة غايار  التي تحتاج إلى المال وتعيش على حافة الفقر ، ولا يهمها طبيعة الطفل الذي تقوم برعايته، لكن غرنوي الذي عرف خطواته الاولى في هذه الدار ، بقي معزولا ومكروها من قِبَل  بقية الأيتام  ،الذين حاولوا قتله خنقا. لكنٌه كان عسيرا على الموت .  وحينما بلغ التاسعة من العمر، باعته السيدة المربية إلى الدباغ ( غريمال). وهو شخص متطرف في قسوته وجشعه وفقر مشاعره مع من يعمل معه.  
  بقي غرنوي يعمل بين الجلود وبقايا اللحوم المتفسخة ، من الصباح حتى الليل دون استراحة .  وظلّ على هذه الحالة دون شكوى أو تذمر ، وحينما أرسله الدباغُ ذات يومٍ ليحمل مجموعة من الجلود إلى ( العطّار بالديني)  ، الذي كان في حالة نفسية وتجارية بائسة ، حيث كسدت تجارته ،  لعدم قدرته على انتاج عطور جيّدة ، لكنّ غرنوي الذي عاش في عفونة الدباغة ، وجد ضالته في هذه العطّارة حيث الروائح التي تدركها حاسة شمّه الحادة ، فعرض على العطار أن يشتغل لديه لكن بالديني رفضه ، وطالبه بالخروج من المحل. بيد أنّ غرنوي الذاهل بين الروائح يتجاهل أمر الطرد ، ويقوم بتكوين خلطة من قوارير الزهور .
 هذه الخلطة التي جعلت بالديني مسمّرا في دهشته ، فسارع إلى عرض مبلغ من المال على الدباغ ليتخلى عن غرنوي، الذي أبدع في اكتشاف عطور من مقادير عفوية ومقاييس خاضعة للشم  ، وليس بالحسابات والمقادير التي اعتاد عليها العطارون.  
هكذا بقي هذا الطفل المشوّه والقميء  في محل  بالديني للعطور ، فساهم في إنعاش تجارة العطور لسنوات ، مما أنقذ بالديني من الإفلاس واليأس.
 وفي احتفالات ( سان جرمان) ، وبينما الناس منشغلون في احتفالات دينية باذخة. رأى فتاة جميلة تبيع الورد. كانت رائحة جسدها تجذبه، وحينما اختلى بها، كان مفتونا برائحتها مما جعله يباغتها بقوة وحشية ، فأسلمت الروح بين قبضته التي تعصر روحها وأنفاسها ،  وهو مذهول باستنشاق الجسد الطري . وهكذا تبدأ خطوته الأولى لتلمس جوهر العطر البشري .
         حصل غرنوي أخيرا على حريته  من العمل في عطارة بالديني ، لقاءَ منحه وصفات مزج العطور ،  ليترك باريس ، ويتجه الى الجبال ، وليمارس العزلة التي استمرت سبع سنين. وكأنه حيوانٌ يعتاش على بقايا ما يحيط به  من حياة قاحلة في الكهوف النائية. وهناك في هذا النأي والعزلة ووحشة الطبيعة،  يكتشف غرنوي أنه عديم الرائحة . 
حينما ملّ من العزلة  والتأمّل  ، تسلل إلى إحدى المدن ، ففوجئ أهل المدينة بمنظره الذي يوحي بأنه أقرب إلى حيوانات الغاب. لكن أحد أصحاب التجارب العلمية ،  وهو الماركيز إسبيناز الذي جعل غرنوي مادة لتجاربه في إعادة الشباب ، الذي حاول تطبيق نظريته القائمة على طرد الغازات الشرّيرة من الإنسان لإحلال الغازات الحيوية.
  ولم يكتف الماركيز بذلك بل قام برحلة ميدانية إلى الجبل لتحقيق نظريته . ولكنه أختفى على إثر عاصفة ثلجية في قمم الجبال ،  حتى نشأت خرافة مضحكة بعد موته ، وهي أنّ الماركيز قد " توحّد على قمة الجبل مع الفلوديوم الحيوي."
 وصل غرنوي إلى مدينة غراس  ، ووجد عملا في مزرعة لصنع العطور من أنواع الزهور. وبينما كان الناس مشغولين عنه. كان يفكر بإنتاج عطره الخاص الذي يختلف عن كل عطور العالم. إنه عطر سحري يعتمد على امتزاج رحيق الزهور برائحة أجساد العذراوات، لذلك بدأ خطته بالبحث عن أجمل عذراوات المدينة. وليمزج رائحتهن في إكسيره. لذلك بلغ ضحاياه أربعا وعشرين فتاة  ، فدبّ الرعب في أرجاء المدينة لهذا القتل الغريب والمرعب. فأخذ الجميع يبحث عن القاتل المجهول. ولم يتبادر إلى ذهن أي واحد من شرطة المدينة وسكانها أن غرنوي هو القاتل ،  لأنه لا يمكن أن يُثير أقلّ الشبهات ، وهو ذلك الرجل القميء والمهمل والذي يعمل بدون هوادة لجمع أكداس الزهور ، ثم القيام بصهرها وتحويلها إلى سوائل عطرية.  
وبينما كانت مدينة غراس تعيش رعبها . فقد كان هو الوحيد الذي يستعجل الزمن لإضافة العطر الخامس والعشرين. من خلال ابنة المستشار (ريتشي) ذات الستة عشر ربيعا.  وقد شعر ريتشي بالخوف على بنته لورا ،  فهرب بها بعيدا باتجاه الجبال. ولكن حاسة شم غرنوي التي لا تُخطئ ، لاحقت قافلة المستشار ريتشي الساعي إلى إنقاذ لورا من موت مُحتمل. وكانت حاسة الشم هي التي قادته إلى غرفتها ، حيث تأمل جسدها الجميل ، ثمٌ قتلها بضربة على رأسها ، وجزّ خصلات شعرها كما فعل ببقية ضحاياه.
 وحينما اكتشف ريتشي خبر موت ابنته الوحيدة جنّ جنونه ، حتى تمّ القبض على القاتل غرنوي،  الذي اعترف بهدوء وبدون اكتراث بكل جرائمه .  وقد حُكم  عليه بالصلب في الساحة العامة لمدينة غاراس. فاجتمع اهالي المدينة جميعا ، في احتفال باذخ ومهيب للتشفي بموت القاتل . 
  وحينما وقف غرنوي على منصة الإعدام ، سكب شيئا من العطر على نفسه ، مما جعل الجلاد يخرّ ساجدا ويطلب الصفح ، أمّا الجمهور فقد تحوّل من صراخ الكراهية نحو القاتل إلى طلب الرحمة والمحبة منه !. وحينما تحرر غرنوي من أغلاله نظر إلى الناس نظرة معينة مستعينا بالعطر السحري ، فتركهم منجذبين إلى بعضهم ،  ومنهمكين في ممارسة الجنس ، والتعري في مشهد إباحي داعر  .  
  بعد ذلك انسحب غرنوي من الساحة ، مغادرا المدينة قبل أن يتبخر أثر العطر. ووصل الى باريس ،  ليذهب مباشرة الى السوق والمقبرة التي شهدت ولادته ،  فسكب ما تبقى من العطر على جسده مما جعل حشد الباعة والصيادين والعاهرات، يحفٌون به ويمزقونه حبًّا ،  حتى وكأنه يذوب ويتلاشى بين هذا الحشد الذي التهمه .وهكذا تنتهي أحداث هذه الرواية  بموت غريب وسحري لغرنوي .
        جاءت رواية "العطر" مكتنزة بحدة معانيها وشساعة أخيلتها . فقد دارت حول ثيمة جديدة في الأدب الروائي ، وهي هيمنة  الرائحة  كحاسة محورية في الحياة ،   ليس بوصف العطر مادة جمالية فقط ، بل بمعانيه الأكثر غورا ،  فهو الجوهر والهوية  التي تحملها المخلوقات سواءً الإنسانية أو النباتية أوالحيوانية. 
 يُعبّر العطر في الرواية عن السمات الحقيقية لجوهر الشيء ، فهذا الطفل الذي سقط أثناء المخاض  في أقذر الأمكنة وأكثرها عفونة. كان بدون هوية عطرية ،  لكنه يصبح من أكثر الناس قدرة على فهم العطر ومدلولاته .  
     غرنوي الذي يولد في وسط العفونة بلا رائحة ، وبلا إفرازات طبيعية ،  زنخة أو معتدلة أو طيبة.  لذلك فهو وجود نشاز في عالم الإفرازات الطبيعية.  ولكي  يؤكد وجوده ، يتحول إلى النقيض في عملية الانجذاب إلى النقيض . لذلك فامتلاكه حاسة شم غير طبيعية،  قد عبّرت عن خوائه  العطري  ، الذي حاول الالتصاق ومطاردة الروائح الأخرى التي تتسرب إلى أنفه ، أو كما كتب المؤلف باتريك :
 " فما الفائدة  حتى وإن ظهر أمام العالم بعطره كإله، إِنْ لم يكن قادرًا على شمّ نفسه "    
 لقد ظهر غرنوي البائ،والذي لا تاريخ له  ، والذي ينتمي إلى القاع الاجتماعي ،  وكأنه يبحث عن نقيضه ، من خلال قدرته على شمّ الروائح  ، والتمييز الدقيق بينها  .
 تلك الروائح التي تحوٌلت إلى لغة مهيمنة، وعلامة قادرة على تغيير العواطف والمواقف  ، كما حدث لغرنوي أثناء محاولة الحكم عليه ، والاقتصاص منه بمحاولة صلبه بطريقة تحطيم عظامه بإثنتي عشرة ضربة بواسطة قضيب حديدي ،  ثم تركه على الصليب ليموت ببطء.
  لقد نقلنا الكاتب إلى عوالم غرائبية ساحرة ، تتعارض مع المنطق ، وتنأى عن العقل  ، لكنها مبهرةٌ في صياغاتها وإقناعها ورمزيتها.
 فهذا الرجل الضعيف والقميء والمهمل الذي يعيش على حافة الحياة ، يتحول إلى بطل أسطوري  يجترح المعجزات ، وقد شبهه الكاتب بالقرادة التي تصبر على الجوع والعزلة، متربصة وما أن تحصل على الضحية ،  حتى تقوم بامتصاص دمها وتدميرها.   
العطرُ في الرواية : سمةٌ وخاصيّة وجوهر. لكن هذا العطر يبقى ضيّقا في دلالاته إلا إذا إتّحد بعطور منتقاة أخرى ، كما أثبت سلوكه في (عطّارة بالديني )حيث استطاع تأليف مجموعة عطور ذات رائحة مؤثرة على الذوق الأرستقراطي ، لذلك لاقت رواجا كبيرا في المجتمع الباريسي. لكنّ غرنوي أراد للرائحة أن تصبح ذات فعل سحري ،  فتتحول من مجرد نسمة رقيقة ،  تداعب حاسة الشمّ إلى سلوك وعاطفة ،  فتقوم بالتغلغل في العواطف البشرية وتحويلها إلى النقيض .
 فقد نجا غرنوي المحاط بآلاف الحاقدين على جرائمه ، والداعين إلى موته بأقصى  الأساليب عنفا ، فحولهم إلى محبين له خاشعين لإرادته ، خاضعين لرغباته الدفينة التي جعلتهم يمارسون الجنس في حالة من الذهول وغياب الوعي ويقظة الرغبات. 
لقد كان ثمن هذا العطر مجموعة مختارة من خمس وعشرين عيٌنة جمالية من فتيات عذراوات يمتلكن جمالا ساحرا ، استطاع هذا القرادة التافهة ( غرنوي) أن يستخلص من عصارتهن القدرة السحرية ،  وقد مزجها لصناعة فكرة التفوّق. والتي جعلت المستشار ريتشي المفجوع بموت ابنته الجميلة لورا ، يتوسل به أن يكون إبنا له بالتبني.
   لقد استطاع الكاتب ،  أنْ يقنع القارئ بهذه الفنتازيا المُتخيلة  ، على أنها قابلة للتصديق ، لاسيما وأنه قد شحن النص بمعلومات دقيقة في صناعة العطور،  من خلال أنواع الزهور المتنوعة،  والمواد التي تدخل في مزجها ،  وعملية غليها وتفاعلاتها ،  وكيفية تحويل هذه الكميات الكبيرة من النباتات إلى مواد تشعّ بالعطر.
ورغم الأخيلة الذي طفحت بها الرواية ، لكنها تتكىء على ركام ثري من أسرار العطور وتأثيرها.           
وهذا ليس غريباً عن طبيعة العطور،  ألم تصنع فرنسا عطرا نسائيا ، أُطلقَ عليه ( صائد الرجال) لقدرته على جذب الرجال إلى المرأة التي تتعطر به. 
وأخيرا يمكن القول : إنّ الكاتب باتريك سوزينك منح القارئ  مُتعةً استثنائية ، في   خلق أكثر المشاهد الغرائبية قدرة على التصديق ،  من خلال سحر السرد.  

 

* أديب من العراق.