رحيل فوزي كريم… الأيقونة الباسمة وصيّاد الأفكار المراوغة

عدنان حسين أحمد*

ودّع المشهد الثقافي العراقي والعربي الشاعر فوزي كريم، الذي صارع المرض طويلاً، لكنه واجه مصيره المحتوم ليلة الخميس المصادف 16 مايو/أيار 2019، إثر أزمة قلبية حادة، لتخسر الثقافة العربية علامة فارقة ومضيئة بدأت حضورها الشعري في أواسط الستينيات من القرن الماضي، ثم توزعت اهتماماته الأدبية لتشمل القصة القصيرة، والنقد الأدبي، والتشكيلي، والموسيقي. كما كان رسامًا مثابراً، وصحافيًا متميزًا أغنى الصحف والمجلات التي عمل فيها أو رفدها بالعديد من مقالته الرشيقة المتفردة.
برز فوزي كريم كواحد من شعراء الستينيات في العراق، وكان يتميز منذ البداية بتعدد اهتماماته الثقافية والفنية التي كانت تغذّي قصائده بنبرة مختلفة، ونكهة متميزة أخرجته عن النمط الشائع من القصائد الستينية، ولعل المتابعين لتجربته الشعرية يعرفون عن كثب أهمية الصورة التشكيلية، والإيقاع الموسيقي المقبل من خارج النص الشعري، والأهمّ من ذلك أنّ فوزي كريم كان صانع أفكارٍ لافتة للانتباه، سواء في القصيدة التي يكتبها أو المقالة التي يدبّجها، حتى ليشعر القارئ بأنه أمام منجم أفكار وليس خطرات فنية ترد هنا وهناك. أنجز كريم العديد من المجموعات الشعرية التي ظلت مستقرة في أذهان القرّاء والنقّاد والمتابعين لتجربته الشعرية، التي أخذت حيّزها المهم في المشهد الشعري العراقي والعربي، رغم عدم ميله للأماسي الاحتفائية والمهرجانات، ولكنه كان يلبّي بعض الندوات الشعرية والثقافية التي تُنظم له من قبل بعض المؤسسات الثقافية العراقية والعربية في لندن، ويتحفنا بقراءة نماذج من أشعاره، أو محاضرة من محاضرته عن الموضوعات التي تشغله مثل «كلكامش» أو الموسيقى الكلاسيكية التي يحبها، ويكتب عنها مقالات نقدية شديدة التركيز في المعلومة، والمقاربة النقدية، وطريقة التناول. مَنْ من المتابعين للمشهد الشعري العراقي لا يتذكر «عثرات الطائر»أو «مكائد آدم» أو «لا نرث الأرض»؟ هذه المجموعات وأخرى غيرها تذكّرنا بحلاوة الصورة الشعرية عند فوزي كريم، وطلاوة المفردة المنتقاة التي تتساوق ضمن الجملة التي يكتبها الشاعر، بعد تأمل طويل، فثمة مساحة للأفكار والمشاعر والخلجات الإنسانية في شعره، الذي يصمد أمام تقادم السنوات. ربما تكون «قارات الأوبئة» فنارًا تهدي القرّاء إلى ساحل القصيدة التي تحفر في أعماق القارئ، وتترك فيه أثرًا لا يُنسى بسهولة، وهذا الأمر ينسحب على «قصائد من جزيرة مهجورة» و»السنوات اللقيطة»و»آخر الغجر»، وتمتد من دون شك إلى «ليلُ أبي العلاء» الذي يشترك معه في شعر الفكرة أو النص الثقافي العميق، الذي يتواشج مع القصيدة الذهنية أو الفلسفية التي يطوّعها في قصيدته التي تغوص في أعماق الإنسان، وتستهدف بصره وبصيرته وحزمة مشاعره الإنسانية المتأججة. تحتاج دواوين الشاعر فوزي كريم إلى دراسات تفصيلية معمقة تستغور ثيماتها الرئيسة والفرعية، وما هذا الكلام سوى إشارات خاطفة تدلّ القارئ على كنز شعري لمبدع فذّ أخلص للقصيدة، وتفانى من أجل مشروعة الشعري المتفرد.

كان الشاعر الراحل ينقد الشعر ويُنظِّر له، يشترك في البيانات الشعرية أو يكتبها بنفسه بعد أن يقع عليه الاختيار.

 

يندر أن تجد مثقفًا عراقيًا لم يقرأ «مدينة النحاس» التي خلقت بصمته القصصية مثلما خلقت دواوينه صوته الشعري الذي يومئ إليه أينما حلّ وارتحل. فبعد تخرجه من قسم اللغة العربية في كلية الآداب، جامعة بغداد، غادر العراق عام 1969 وأصدر مجموعته الشعرية المعنونة «أرفع يدي احتجاجًا « ثم عاد إلى بغداد عام 1972 ليغادرها من جديد عام 1978 إلى لندن، المدينة التي يحلم بها العديد من الأدباء والفنانين العراقيين، ولعل مدينة الضباب هي التي حرّضته على الموسيقى الكلاسيكية بشكل أكبر مما كان يسمعه في بغداد، وأثرتْ ذائقته الفنية طوال حياته التي بلغت 74 سنة وزّعها بالتساوي على الفنون القولية وغير القولية. ومثلما كان يرتاد صالات الفن التشكيلي ويتأمل جديد الفنانين التشكيليين البريطانيين والعرب والأجانب، كان يستمتع بمشاهدة الأفلام السينمائية، وخاصة الجادة والتجريبية منها، فالسينما هي أم الفنون، وليست فنًا سابعًا فقط.
كان الشاعر الراحل ينقد الشعر ويُنظِّر له، يشترك في البيانات الشعرية أو يكتبها بنفسه بعد أن يقع عليه الاختيار. وبما أن موجة الستينيات قد أثارت جدلاً لم ينقطع حتى اللحظة، فلابد أن يكون القِدحْ المعلّى، فهو «ابن بَجدتها» كما يقال. لذا كتب عن هذه الموجه بعد عدة عقود متأملاً إيّاها بنظرة العارف بالأمور الثقافية، والخبير بها فأصدر كتابه الإشكالي الجميل، والمثير للجدل وهو « ثياب الامبراطور: الشعر ومرايا الحداثة الخادعة» الذي صدر عن دار المدى عام 2000 ثم تبعه بـ»تهافت الستينيين: أهواء المثقف ومخاطر الفعل السياسي»، وما بينهما أصدر «العودة إلى گاردينيا»و»يوميات نهاية الكابوس» وكلها صدرت عن الدار نفسها لأنها كانت وفيّة للمثقفين العراقيين، خاصة اليساريين منهم الذين منحوا الحياة العراقية نَفَسًا إنسانيًا جديدًا لم نألفه من قبل.
كان فوزي كريم رسّامًا وقد أقام عدة معارض متباعدة زمنية لكنه لم يجد بُدًا من تفريغ بعض هواجسه القلقة، ومشاعره الداخلية المُحتَبَسة على الورق والكانفاس، مُبتعدًا قدر ما يستطيع عن الرسم الكلاسيكي مُحاورًا متلقيه بلغة تشكيلية جديدة يتابعها بنفسه في أروقة المتاحف وصالات الفن التشكيلي، ويكتب عنها مقالات مكثفة في أعمدته الصحافية الكثيرة كان آخرها «المتحف الخيالي» و»البرج العاجي»، قبل أن يترجل منه ليلة أمس المُفجعة لكل مثقف إنساني نبيل، لأنه كان أقرب إلى الأيقونة الجميلة التي تبتسم لكل المثقفين في العالم.
قد لا يكون الراحل متخصصًا في الموسيقى الكلاسيكية أو الحديثة، ولكنه مستمع من طراز رفيع لا يضاهيه إلاّ الكاتب الراحل نجيب المانع، المُدمن هو الآخر على سماع الموسيقى، والكتابة النوعية عنها وقد أثرى المكتبة العربية ببعض الإصدارات المهمة في هذا المضمار.
على الرغم من قلّة محاضراته وندواته في السنوات العشر الأخيرة، التي لازمه فيها المرض إلاّ أنه لم يكن يبخل علينا بالموافقة على مشاركته في تقديم بعض المحاضرات، التي كشفت عنه كباحث متمرس يعتمد المصادر والمراجع العربية والإنكليزية الكثيرة مثل محاضرته الموسومة عن «ملحمة كلكامش» التي قدّم فيها قراءة مختلفة عمّا هو سائد ومعروف، ومردّ ذلك، بحسب ظني المتواضع، إلى قدرته على اصطياد الأفكار، وتقديمها على طبق من ذهب إلى القارئ أو المستمع الذي يترك مشاغله جانبًا، ويأتي إلى الندوة الفكرية أو الفنية أو الثقافية التي يقدّمها هذا المثقف العراقي، الذي قدّم لنا زادًا ثقافيًا متنوعًا لن يغادر ذاكرة المتلقين بسهولة.

 

* كاتب عراقي، المقال عن "القدس العربي".