رحيل ديزي الأمير.. كاتبة الحزن وأسيرة الحب المبهم

محمد الحجيري*

اعتدنا أو ألفنا أن يموت الكتّاب العراقيون في المنافي (سركون بولص، بلند الحيدري، الجواهري، البياتي، آدم حاتم، زها حديد...)، في بيروت أو برلين أو لندن. لكن الكاتبة والقاصّة العراقية، ديزي الأمير(*)، لم تمت في المنفى الأميركي فحسب، بل أضيف إليه النسيان. فهي توفيت في هيوستن في 22 تشرين الثاني الجاري، ولم نعلم برحيلها إلا بعد أيام، من أحدى الصحف اللبنانية... 

القاصة التي ولدت في العراق 1935 لأب عراقي هو الطبيب ميرزا الأمير، وأمّ لبنانية من ضهور الشوير هي وداد تبشراني، تخرجت في دار المعلمين العليا في جامعة بغداد ونالت اجازة في اللغة العربية وآدابها، ومارست بعدها التدريس حيث ألهمت الكثيرات من طالباتها، وحفّزتهن لتطوير أدائهن الأدبي والشعري والثقافي. نالت شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها العام 1955، كما نالت الدبلوم في اللغة الإنكليزية من جامعة كامبردج في بريطانيا.‏ عملت بعد تخرجها، في التعليم، فدرّست عشر سنوات في إحدى المدارس الإعدادية للبنات، ثم في دار المعلمات؛ بالبصرة. في العام 1962، نشرت أول قصة في بيروت ولاقت حماس القراء والنقاد، ولما انتقلت إلى العاصمة اللبنانية بدأت العمل في السفارة العراقية من العام 1964 حتى العام 1969، ثم معاونة للمستشار الصحافي في السفارة العراقية، فمديرة للمركز الثقافي العراقي في بيروت. وكانت نشرت العام 1964 أول مجموعة لها "البلد البعيد الذي تحب". العنوان يحمل معنى الذكريات والحنين، الموزع المبعثر على الأماكن التي عرفتها داخل العراق وخارجه، وعدم الاستقرار ذاك أعطاها الزاد المعرفي. تعرفت خلال زيارتها لأسرة والدتها، في ضهور الشوير، على الشاعر خليل حاوي (1925 ـ 1982) وتطورت المعرفة إلى صداقة فإعلان خطوبة. لكن هذه الخطوبة لم تستمر طويلاً لأسباب صحية ألمّت بخليل، فتزوجت ديزي في ما بعد من حبيب صادق، رئيس المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، في وقت كانت تريد التخلص من زوجة أبيها الظالمة التي ذاقت منها الأمرّين، ثم حصل الطلاق في العام 1975 بعد مرور سنتين على زواجها منه.‏
بعد انتحار خليل حاوي العام 1982، غداة الاجتياح الاسرائيلي لبيروت، كثر الكلام حول سبب انتحاره. كتبت ديزي الأمير إن خليل كان يعاني مرض "الصرع". بعض الأهل والأقارب كانوا يقولون إن ورماً في الرأس كان يوقعه في حالات من التوتر والألم، وكان من الصعب إزالته بجراحة. وفي أواخر الثمانينات نشرت ديزي رسائله إليها في كتاب "خليل حاوي، رسائل الحب والحياة"، لكن بتصرف. فهي حذفت اسمها وكل ما دلّ عليها، والكلمات التي لم ترُق لها، "ضاربة الأمانة الأدبية عرض الحائط للاعتبارات المعروفة غير المبررة" حسبما كتبت مودي بيطار في مجلة (الناقد- يوليو 1988)... عبّر شقيق الشاعر، الناقد ايليا حاوي، عن استيائه من الطريقة التي نشرت بها الرسائل، وهدد حينها بنشر رسائل كتبتها هي للشاعر. ردت ديزي على منتقديها بأنها نشرت الرسائل من قبيل "خدمة الباحثين الذين هم بحاجة الى مراجع عند دراستهم لحياة الشاعر، لذلك لم يكن مهماً من هي التي كتب لها، بل المهم ما كتبه هو". أحد الكتّاب ألّف قصة من بنات خياله حول هذه العلاقة، يمكن وصفها بالقصة الصفراء والهدف منها مجرد الاثارة...والأرجح أن الرسائل شغلت الرأي العام أكثر من قصص ديزي وأكثر من شعر خليل حاوي. فهناك اندفاع وفضول من الباحثين لمعرفة أسرار العلاقة، وهي في الواقع علاقة حب فاشلة مثل أي علاقة بين أديبين، لم تنته إلى الزواج. ومع ذلك وضعت مجموعة كبيرة من المقالات، ديزي، في أسر هذا الحب وتفاصيله المملة...
في الجانب الأدبي، ورغم بريق اسم ديزي، كانت قصصها خافتة. صرّحت كثيراً أنها ضد الإباحيات، تكتب ذاتها، وانشغالاتها بالتفاصيل، واليوميات بلغة هادئة، إلى حدّ أن "تبدو وكأنها غير معنية بكل الصخب الذي يصنعه الآخرون حولها"، تقول في مجلة (الآداب، العدد 11 - 1992): "كنت ناجحة خارج البيت، أما داخله فلقد فقدت الإحساس بالطمانينة إليه بعد فقدان أمي وزواج أبي وأنا على مقاعد الدراسة، فتشرّدت العائلة وصار كل في مكان، وأنا أسكن فترات هنا وفترات هناك معهم، صارت الوحدة صديقتي، وبفعل إراديّ حاولتُ إبعاد الحسّ بالغربة عن نفسي. لذلك فإن طابع الحزن واضح في كل ما كتبت. نفسي لم يلتقط رادارها إلا الحزن، لكن هذا لم يكن تشاؤماً...". ويقول عفيف فراج في مجال آخر "إن الرائع في قصص ديزي الأمير يبرز برائحة فنية في رسم عالم الأحاسيس الداخلية للشخصية، وحساسية شديدة الرقة، تلتقط ابسط موجات الشعور المضطرب، وتلتقط الجرس الخافت لحزن لا يعلن عن نفسه إلاّ للأذن التي تألف الهمس، إننا نسمع في قصصها همس السواقي وليس هدير الشلالات، ومفارقاتها الدرامية تحدث الرعشة وليس الارتعاش العنيف".
ولم تنج الأديبة العراقية من تقريظات الشاعر سعيد عقل، فقال عنها: "كلمات ديزي الأمير كصوت فيروز، شيء من الغيب يُحَب. ساحرة الهنيهات السعيدات، وما همّ أنهن أحياناً مثقلات بالكآبة. من أين تجيء بهذا البث الناعم الفني في عصر القصة المواء والقراء الذين يحبون الصدم والقضم؟"... وديزي التي كانت تكتب مذكراتها في سنواتها الأخيرة، لم نعرف مصير هذه المذكرات، وهي الوحيدة التي أسمتها نازك الملائكة في مذكراتها "صديقتي"، مع التذكير بأن هناك تشابهاً بين نهاية القاصّة ونهاية الشاعرة التي تقول: "هل كنت صديقتها حقاً؟ كنت أسألها فتقول: لست صديقتها بهذا المعنى، بل صديقة أختها الأصغر، فهي أكبر مني سنّاً، وأكثر ثقافة ونضجاً. كنت في الصف الأول من دار المعلمين العالية، وكانت هي في الصف المنتهي، لكني لن أنسى جلساتها وأحاديثها ورسائلها. امرأة صريحة، ونظرتها إلى الحياة عميقة، تشعرك دائماً بأنها الرئيسة، لها سلطة خفية وساحرة علينا وعلى كل الصديقات. كنت أتطلع اليها كمثال، والتقيها كثيراً، فقد ربطتنا صداقة عائلية، نتزاور بحكم هذا التقارب، لكنها رحلت إلى القاهرة، ولم تعد".
وديزي التي كانت تقول عن بيروت"إنها المدينة التي تضيّعك في البحث عن سر قلقها واطمئنانها"، لم تقل لنا وداعاً في هيوستن. رحلت بلا ضجيج، كما قصصها. 
 
آثارها الأدبية
أصدرت الأديبة ديزي الأمير سبع مجموعات قصصية هي:
1- البلد البعيد الذي تحب 1964.‏
2- ثم تعود الموجة 1969.
3- البيت العربي السعيد 1975.
4- في دوامة الحب والكراهية 1979.
5- وعود للبيع 1981.
6- على لائحة الانتظار 1988.
7- جراحة لتجميل الزمن 1996.    

عن موقع "المدن".