رجل في ورطة

راضي الضميري*

لليوم الخامس على التّوالي يعود إلى هذا الشّارع الجامعي الطافح ببشر من جنسيّات شتى.

وقف أمام المطعم الفاخر ذاته، حيث لا مكان لموطئ قدم، يتردّد في الدّخول ككلّ مرّة، ثم ما لبث أن دلف.
 كانت معظم  الطّاولات محجوزة؛  طلاب وسيّاح أجانب، وأمامهم ما لذّ وطاب،  وثمّة صدور عارية، وسراويل ممزّقة من أماكن مختلفة...
لم يكد يدخل حتى تسمّر في مكانه، وظلّ يحدّق في فتاة شبه عارية، كانت تتمايل برشاقة وهي تتحدث مع أصدقائها،  لم يتزحزح قيد أنملة، بدا كطفل تاه عن أمه وسط الزّحام، كان يرتجف فحسب؛  لقد شلّ تفكيره تمامًا، ونسي نفسه، وأخذ يعضّ على شفتيه، ويتنفّس بصعوبة،  ثم خرج لا يلوي على شيء.
 قطع مسافة قصيرة ثم توقّف، رفع رأسه إلى السّماء والدّموع تترقرق في عينيه، حرّك شفتيه، ثم تابع طريقه، كان حريصًا كلّ الحرص على تفادي الاصطدام بأحد، فمعظم الذين يمشون في الشّارع كانوا كالمجانين؛  يتصفّحون هواتفهم الخلويّة، ويتحدّثون بصوت عالٍ غير آبهين بأحد.
حثّ خطاه وهو يتأفّف،  اصطدم بعامود إنارة، وكادت رأسه تنفجر،  لكنه لم يهتم، ولم يشعر بالألم، إلا حين اصطدم بعنف بجسد أنثى ترتدي ثوبًا شفّافًا.
أراد أن يهرب، لكنه تراجع فورًا؛ سيعتبر تصرّفه هذا تحرّشا واضحا وأمام شهود عيان، سيتبرّعون من تلقاء أنفسهم للشّهادة ضدّ رجل وقح لا يتورّع عن انتهاك الحرمات، فضلاً عن أن سمعته الآن على المحك، لا بدّ عن الاعتذار؛ هكذا  حدّثته نفسه،  وعندما استدار إلى الخلف تفاجأ، وعقدت الصّدمة لسانه،  فأطلق العنان لساقيه، بينما كان رجل يكاد يغمى عليه من شدّة الضّحك  يعدل من وضعية مانيكان كانت تبتسم ببلاهة...
ظلّ يمشي ويمشي، وفي نفسه حسرة ومرارة، فإذا به يتّجه نحو المطعم الفاخر، وعلى بعد أمتار منه توقّف، جاهد كي يضبط إيقاع أنفاسه، بحث في جيوبه عن منديل فلم يجد، لم يكن فيها غير ورقة كبيرة دوّن عليها سيرته الذّاتية،  أخرجها وطفق يمسح العرق عن وجهه، ثم ألقى بها في حاوية النّفايات. لبث دقائق على هذا الحال حتى انتظمت دقّات قلبه، ثم توجّه إلى المطعم وهو يحاول جاهدًا  ضبط أعصابه،  لكنه فشل؛ كان التّوتّر بادياً على محياه، مشى بخطى مضطربة، وفي كل خطوة يخطوها كانت نفسه تحدّثه بالعودة، لكنه لحظة وصل الباب شعر ببعض الارتياح يدغدغه؛  لقد كان الإعلان عن وظائف شاغرة  لعمال نظافة مازال ملصقاً على الزّجاج...
 
* أديب من الأردن/ إربد.